1- رجال النهضة الأدبية في الهند
2- آلفتح من صحف الدرجة الخامسة؟
رجال النهضة الأدبية في الهند
من حين دخل الأوربيون – الانكليز والفرنسيون وغيرهم – أرض الهند، وأخذوا يبثون فيها ثقافتهم الفارغة الاستعبادية ، أخذ ظل الثقافة الإسلامية يتقلص، إلى أن شارفت الاضمحلال. وإنما قلنا “شارفت” لوجود أفراد من أهل العلم والفضل حتى في هذا الزمان.
وأما المدارس فقد خلت من اللغة العربية التي هي المفتاح الوحيد حسب ما اعتقده للثقافة الإسلامية الدينية والدنيوية، ولذلك أسس جماعة من أهل العلم (ندوة العلماء) منذ أربعين سنة لإحياء الثقافة الاسلامية، ولم يبلغوا كل ما أرادوا من ذلك، ولكنهم نالوا من النجاح ما لم يتسن لغيرهم من أهل المؤسسات الهندية فيما علمت، فتخرج من مدرستهم خلق من أهل الفضل، وكفى هذه المؤسسة فخرا أن مدبرها كان العلامة الشيخ شبلي النعماني الذي يعرفه قراء العربية بتآليفه الممتعة. وخلفه بعد وفاته بوصية منه أنجب تلاميذه نابغة الهند الإسلامية السيد سليمان الندوي، فما قصر عن شأوه. إلا أن مؤسسة دار المصنفين والأشغال الأخرى – کالأسفار في داخل الهند وخارجها وإلقاء الخطب العلمية في عواصم العلم وغير ذلك – لم تترك له الوقت الكافي للإشراف التام على (دار العلوم) بندوة العلماء، وقد اختار هو وجماعة الندوة لتدبيرها الأديب العالم المتفنن الدكتور عبد العلى، فقام عليها قياما حسنا.
وفي سنة 1349 دعيت لتعليم أدب اللغة العربية في ندوة العلماء، فصادفت هذه الدعوة عندي رغبة في إصلاح حال التعليم، لا في الندوة فقط بل في الهند الاسلامية كلها، وأقمت بها ثلاث سنين لم آل فيها جهدا في الإصلاح، ولم أدخر وسعا في التعليم والإرشاد. ولقيت من الصديقين الكريمين السيد عبد العلي والسيد سليمان كل المساعدة ، وأنا وإن كنت لم أبلغ كل ما تمنيت للعلم والأدب في الهند عامة وفي الندوة خاصة، لأسباب منها انحراف صحتي هناك، فقد قرَّت عيني ببعض ما أمَّلت. ففي تلك المدة القصيرة تخرج عليَّ جماعة من الأدباء أجلهم الأستاذ مسعود عالم، ولا أحتاج إلى أن أحدث عنه قراء الفتح فهم يعرفونه. ووقعت نهضة جديدة في ندوة العلماء واقترح السيد سليمان الندوي على الأستاذ مسعود عالم إنشاء مجلة (الضياء) والتمس مني مساعدته والإشراف على المجلة ففعلت، وصدرت بانتظام بضع سنين، ولم يلبث الأستاذ مسعود عالم أن تمرن على الاستقلال بإدارتها في وقت قصير لذكائه وتضلعه من الأدب العربي، ونالت تلك المجلة إعجاب قرائها في الهند بل وفي البلاد العربية، حتى قال فيها صاحب السماحة السيد محمد أمين الحسيني إنها أرقى من كثير من المجلات العربية في بلاد العرب، وبادلتها جل الصحف العربية والمجلات في جميع الأقطار العربية، فكانت هي والجماعة القائمون بها واسطة تعارف بين أهل الأدب في الهند وأهله في بلاد العرب، ولا تزال ندوة العلماء إلى الآن هي حصن العربية ومعقلها في الهند.
وكل من يريد من العرب معرفة شيء من أمور التعليم العربي فلا يمكن أن ينال مراده دون الاتصال بهذا المعهد. فمن صدف عنه فإنما يتصل بالسخفاء المتنكلزین فيرطن معهم بالانكليزية ويذكرون شكسبير وملتون وسويفت وغيرهم، ولا حاجة لهم بالعرب ولا بالإسلام، بل هذه الطائفة أعدى عدو للإسلام والعربية، وهم عدو جاهل لئيم مهين. ومقال الاستاذ مسعود عالم المنشور في الجزء المعلم ب 562 من الفتح ينتقد به التقرير الذي وضعته البعثة الأزهرية في شأن الدعوة في الهند وحالة المسلمين هناك، يدل على أن كاتب البعثة اتصل بأولئك، وإذا كان الأمر كذلك فيا ضيعة الأمل، والله يخلف على الأزهر ما أنفقه على البعثة، ويوفقه إلى إرسال بعثة خير منها.
وكان ينبغي أن يكون في البعثة رجل هندي مستعرب أو أكثر من رجل، ويكون دليلهم من أهل العلم والإيمان. ولا أريد بهذا تعريضا بالأستاذين المشهورين الجبالى والنجار، و لكن لما كانا لا يعرفان الهندية ولا الانكليزية وجب أن يكون معهما ثلاثة يعرفون اللغتين أو أحداهما ويكون بعضهمم هنديا عارفا بعادات البلاد وأحوال أهلها و بدون ذلك لا أرى أن بعثة مصرية تنجح. ولقد أجاد الأستاذ مسعود في بيان تلك الحقائق، لأن الأقطار العربية لا يمكن أن تعرف تلك العلل وتكون على بصيرة من الأمر لو سكت هو عليها. ولا شك أن خلقا كثيرا من أهل الهند يشكون مما شكا منه وينتقدون ما انتقده، ولكن ليس لهم ألسنة عربية يبينون بها، فجزاه الله خيرا على ما قام بهذا الفرض الكفائي الذي صار عليه فرض عين. وأنا أؤمل أن يبعث الله على يده وعلى أيدي إخوانه هناك عهد العلم والأدب، ويجدد بهم الثقافة الإسلامية العظمى التي خضعت لها أعناق العلماء والفلاسفة في أوربة التي بيدها زمام الدنيا اليوم، ولم تشغلهم عجائب هذا العصر قط عن الدهشة والإعجاب بالعبقرية الإسلامية، وأما الجاهلون فذرهم في خوضهم يلعبون.
آلفتح من صحف الدرجة الخامسة؟
ونقل الاستاذ الفاضل السيد مسعود عالم الندوي في ذاك المقال عن كاتب البعثة ألفاظا قالها في صحيفة الفتح. وفوض الحكم في ذلك إلى جماعة من أهل الفضل وعدني في جملتهم. فتحيرت في الكلام في هذه المسألة، لأني إن قلت ما أعلم في الفتح أكون كمادح نفسه، لأني قد ساهمت بجزء ضئيل في “الفتح”. وإن سكت فهذا مما لا يجوز السكوت عليه أبدا.
ومن ذا الذي يصدق أن الفتح من الدرجة الثانية فضلا عن الخامسة، ولماذا، ومن أي وجه؟ إن كان يريد كونها أسبوعية وصغيرة الحجم بالنسبة إلى بعض الصحف فتلك شكاة ساقط عن أسعارها. وما سمعنا ولا رأينا أحدا يحط من قدر صحيفة لأجل سكونها أسبوعية، أو لصغر حجمها. ففي أوربا وغيرها مجلات تصدر أربع مرات في السنة فقط، ومع ذلك فهي في الدرجة الأولى عند أهل العلم والأدب لغزارة فوائدها، وجودة تحريرها. وإن كان يريد أنها في الدرجة الخامسة من جهة تحريرها، فكل من له حظ في الأدب العربي يشهد بأنها أي الفتح من الدرجة الأولى في البلاغة وعلو النفس وفصاحة التعبير، وفي هذا تسامح، فإن الصحف التي تضاهيها قليلة جدا.
وقديما قال علماء الجرح والتعديل أن القدح غير المفسر مردود. وهذا منه. فإن أراد أنها تعنى بالشئون الإسلامية وإن ذلك عيب يحط قدرها فإن الناس مختلفون في العقائد والمقاصد، ولكل صحيفة غرض تخدمه، ودعوة تجاهد في سبيلها، فليس من العقل ولا من الأنصاف أن أهل عقيدة وغرض يرمون كل صحيفة تضاد دعوتهم بالبهتان، ويطلقون فيها ألسنة السوء لمجرد مخالفتها لما يريدون ولما يدعون إليه. ولو كان الأمر كذلك لسقطت جميع الصحف من الاعتبار، إذ لا توجد صحيفة يرضى جميع الناس عما تدعو إليه، وبالجملة فإنني أعترف أني تحيرت في فهم معني “أن الفتح في الدرجة الخامسة” ولا ينبغي أن أتعب فكري في طلب معناه وهو لا معنى له.
وأما عيب الفتح بانتشارها في الخارج وأنها لو وجدت مشتركين في مصر ما سعت في الانتشار في الخارج، فلو طردنا ذلك لانعكست الحال وصارت الصحف العالمية التي تنتشر مع الشمس وتذهب مع الليل والنهار في كل مشرق ومغرب منحطة ساقطة من الدرجة الخامسة، وصارت الصحف الخاملة التي لا تتعدى أرضها ولا يعرفها أحد في خارج قطرها، حالَّة المقام الأعلى ومتربعة على منصة الدرجة الأولى.
بن ( ألمانيا ) 26 جمادى الآخرة 1356
تقي الدين الهلالي
الفتح: عدد 567 (السنة 12) – 11 رجب 1356 – ص: 10-11


