السفير صورة مصغرة لحكومته وعنوان لها يمثل قوتها وضعفها ورقيها وانحطاطها وحزمها وإهمالها إلى غير ذلك من أوصافها. فهو عامل قوي من عوامل رفعها أو خفضها وتمتين الروابط التي تربطها بالدول والأفراد في الخارج أو توهینها.
فلذلك نرى الدول الراشدة تدقق كل التدقيق في اختبار واختيار السفراء وتعجم عيدان أبنائها وسهام كنانتها فترمي هذا المنصب بأصلبها عودا وأنفذها سهما لأنه منصب شاق ووظيفة مهمة وأمر خطير يتوقف عليه نجاح الدولة وحسن الدعاية لها وجمال الأحدوثة عنها والتوفيق بين مصالحها ومصالح البلاد التي ينوب السفير عن دولته فيها. فالقيام بواجبات السفارة والنجاح فيها ليس من الهنات الهينات بل دونه أهوال وعقبات وما يذللها إلا أولو النهى.
وبعد هذا التمهيد القصير نريد أن نذكر مثالا شاهدا لما ذكرنا:
الشيخ إبراهيم بن مُعمّر
سفير الدولة العربية السعودية في بغداد
لم يكن بيني وبين هذا الرجل من الصلات الشخصية ما يدعوني لأكتب حرفا واحدا في حقه، هذا لو كنت أرضى لنفسي إرسال المدح أو القدح جزافا لفائدة شخصية، فكيف ولم أرتكب هذه الجريمة الصحفية قط منذ جنحت إلى الكتابة. ومع أننا كنا جميعا في بلاد واحدة وفي دائرة واحدة مدة ثلاث سنين، فربما التقينا فلم يكلم أحدنا الآخر. اضطرني إلى ذكر هذا ما جرى عليه الكُتّاب اليوم من المدح والذم لأغراض غير مرضية.
الحق أقول أن النجاح الذي ناله الأستاذ الشيخ إبراهيم ابن معمر في وظيفته عظيم لم أكن أتوقعه قط، لا لعدم كفاءته، ولكن لعظمه وكونه فوق ما يتصوّر.
زرت بغداد في الصيف الماضي وغشيت مجالس الناس وسمعت حديثهم، فراعني إجماعهم على الإعجاب بسلوك السفير المشار إليه، وانطلاق ألسنتهم بالثناء عليه، وعلى الحكومة التي يمثلها. والغريب أن أشد الأعداء للحكومة العربية السعودية الذين كانوا يكتبون ويؤلفون ويخطبون سكتوا فجأة بعد استقرار السفير في بغداد. ولم يقتصر الأمر على سكوتهم بل أخذوا يمدحون ويفيضون ثناء. ولم تكن هذه حال الخاصة فقط بل العامة أشد إعجابا وأكثر ثناء. هذه بغداد التي كانت قبل إنشاء هذه السفارة تجهل الحكومة العربية السعودية وتظن بها الظنون، وكانت عقيدة أهلها في سوء الظن راسخة يستبعد العقل أن تتلاشى وتزول في أقل من عام واحد.
هذا الذي جعلني (وأظن أنه جهل غيري) شديد الإعجاب بالخدمة التي أداها هذا السفير للحكومة وللأمة. والإعجاب بالمجيدين المتقنين للأعمال البالغين إلى قرب خرق العادات أمر مركوز في النفوس ولكن الاعتراف بذلك مجانا عزيز في هذا الزمان ونادر جدا وأرجو أن أكون من هذا النادر.
سلك ابن معمر في معاملة الناس مسلكا لم أر ولم ير غيري سفيرا يسلكه أو يدنو منه: تواضعٌ جعله يمتزج بالعامة امتزاج الماء بالماء في مساجدهم وفي مجالسهم، يزور ضعيفهم فضلا عن قويهم، ويعود مریضهم، ويلاقي بالبشر واللطف كل من لقيه من صغير وكبير، وينتهز كل فرصة لخدمة دولته بنشاط منقطع النظير.
التمسك بالدين
والأمر العظيم الذي جذب قلوب العامة إلى حبٍّ الشيخ إبراهيم بن مُعمَّر هو الاستقامة والطهارة والوقوف عند حدود الله فلم يشتهوا أن يروه في مسجد إلا رأوه، ولكنهم لم يروه قط في ملهى أو مكان ريبة خلاف ما عليه أصحاب المناصب العالية التي تضاهي منصبه، فانقلب سوء ظنهم حسنا، وانقلب بغضهم حبا، وتبدّدَت غيوم الأوهام التي كانت في أنفسهم.
وبينما أنا جالس عند صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ إبراهيم الراوي رئيس جمعية الهداية الإسلامية، إذا بسيارة أقبلت في شارع الرشيد فتوقفت على الباب، وظهر منها رجل بلباس عربی، فصعد ودخل وسلم على الشيخ وأراد أن يجلس في طرف المجلس، فقام له الشيخ من مجلسه وألح عليه في الجلوس فيه، وهناك عرفت الزائر وتصافحنا وتحدثنا حديثا قصيرا جدا لم أملك نفسي فيه أن هنأته بنجاحه وقلت له: إنني لم أكن قاصدا زيارته، ولكن ما رأيته من طيب الثناء عليه جعلني شديد الرغبة في زيارته لأهنئه وقد أنجزت ما عزمت عليه ولم يردّ لي الزيارة مع أن جماعة من أعيان بغداد زاروني ابتداء، ولكن ذلك لم يكن لينزله في عيني دقيقة بعد أدائه ذلك الواجب العظيم، بعد إلقائه إكسير أخلاقه على ما كان في قلوب الناس من نحاس فانقلب ذهبا خالصا. وأعوذ بالله أن أكون ممن يمنعه حظّ نفسه عن قول الحق. ومن ذلك الحين عزمت على كتابة كلمة في هذا المعنى الذي يَسُرّ كل من يحب خير الإسلام والعرب، ولم يحمَّ لي إنجاز ذلك إلا في هذه الساعة. وقد اخترت صحيفة (الفتح) لنشرها لأن أكثر قرائها يسرّهم هذا الحديث أكثر من غيرهم.
قرأت في صحيفة “البلاد” وهي أكبر الصحف البغدادية في هذه الأيام – كلمة فيها خبر انحلال (حزب الأحرار) الحجازي الذي تألف من زمان لمناوأة الحكومة العربية السعودية وهنأتْ الصحيفة المذكورة سعادة الشيخ إبراهيم بن معمر على نجاحه في إحالة بعض أهل هذا الحزب وحقدهم إلى محبة ومسالمة، فذكرتُ أنني اجتمعت في الصيف الماضي برجل من أعضاء ذلك الحزب وكان صديقا قديما لي عرفته سنة 1341 بمكة وجرى بيني وبينه حديث فوجدته على محاربته الطويلة للحكومة العربية السعودية ممتلئا إعجابا بها وبملكها ومكبرا للسياسة التي سلكها ابن معمر في بغداد. وهذا يدلنا أن انحلال هذا الحزب لم يكن فجأة، ولم يوجده إعلان العفو العام من قبل الحكومة العربية السعودية فقط، بل له عوامل وأسباب أُخر أهمها حسن سلوك ابن معمر وحكمته. فإذا هنأته الصحيفة المذكورة فبحق هنأته.
البصرة
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 441، السنة 9، الخميس 15 محرم سنة 1354هـ، (ص:10)


