لم تزل الحرب الكلامية بين الإيطاليين والفرنسيين حامية. وكلا الفريقين يتهم الآخر بظلم أهل البلاد وهضم حقوقهم وإساءة معاملتهم، ويتطاول ويفتخر هو ببره ولطفه وعدله وحسن رعايته وأفضها له وإنعامه. والله يشهد أنهم جميعا لصادقون في اتهام بعضهم بعضا وكاذبون فيما يدعون لأنفسهم من البر والإحسان والمعدلة.
فراديو إيطاليا قد شن غارات عديدة على أعمال فرنسا وفظائعها في أهل البلاد المنكوبة باستيلائها. ولقد صدق والله، بل كل ما قاله إنما هو جزء ضئيل مما اجترمته الذئبة العقور أراح الله منها. ولم يقصر راديو الجزائر وراديو باريس في المقابلة بالمثل.
والذي نريد الآن التعليق عليه من معاركهم هي المرة الاخيرة التي حدثت لما أعلن الإيطاليون أنهم قد عزموا على تعبئة جيش من المستعمرين يبلغ عدده عشرين ألف فم مجهز بأسنان كالمناشير لا تبقي ولا تذر. عشرون ألفا دفعة واحدة زيادة على الآلاف المؤلفة التي اكتسحت ذلك القطر الصغير قبلُ.
وقد شنع الفرنسيون في إذاعاتهم على ذلك وعدُّوه نكبة جديدة تصب على رءوس أهل طرابلس وأهل برقة، تسلب منهم ما بقي بأيديهم من الأرض.
وشنعوا عليهم أيضا بالنظام الجديد الذي وضعوه لتحريم الركوب في الدرجة الأولى على أهالي طرابلس، وكذا تحريم الجلوس في الأماكن (الشريفة) من القهوات الفخام وغيرها، وأنهم تستروا في ذلك بأن خصصوا تلك الدرجات العلى بلابسي الثياب الأوربية، مع علمهم أن معظم الأهالي لا يلبسونها، ولم يألفوها. وما يدريك لو تركوا ثيابهم التي لبسها آباؤهم منذ أكثر من ألف سنة، والتي ينسجونها بأيديهم، لو فعلوا ذلك دفعة واحدة ومن دون تدريج، من يضمن لهم ألا يصدر أولئك المسيطرون قانونا آخر ویلونونه بلون آخر، يكون مآله تحريم تلك الأماكن والمراكب عليهم.
وشنعوا عليهم آخرا بإعلانهم أن طرابلس وبرقة صارتا جزءا لا يتجزأ من أراضي إيطالية، لا من الأراضي التابعة لإيطالية فحسب. وقال الفرنسيون أن في ذلك قضاء تاما على استقلال أهل تلك البلاد “الذاتي” وعلى قوميتهم. قال رادیو باريس فانظر إلى الفرق بين معاملة فرنسة لأهل البلاد التي تحت نفوذها، وبين أعمال إيطالية في طرابلس. فولاة الأمر الفرنسيون يحترمون أراضي أهل تونس والجزائر والمغرب. ولا يكتفون بذلك حتى يوزعوا عليهم أرضين جديدة ويرشدوهم ويساعدوهم على فلاحتها. والإيطاليون يغتصبون أراضي الأهالي، ولا يكفيهم ذلك حتى يسلبوهم قوميتهم واستقلالهم الذاتي؟
وقبل أن أسرد عليكم جواب إيطالية أستأذنكم في كلمة أقولها بین يدي نجواي:
قد فهمتُ ما زعم راديو باريس من أن الفرنسيين يحترمون أراضي أهل المغرب بجميع أجزائه، وإن كنت أعلم أنه كذب، لأن من لم يحترم میاه أبي فكران بمكناسة الزيتون وغصبه وترك الحرث والنسل يهلك، كيف يحترم الأرض! ولكن الذي عجزت عن فهمه هو قوله أنهم يوزعون عليهم أرضين أخرى. فليت شعري من أين جاءوا بهذه الأرضين التي يوزعونها على أهل البلاد؟ أحتملوها على أعناقهم أو في سفنهم من فرنسة وجاءوا بها ليتصدَّقوا على أهل المغرب؟ إذن فما أشد رأفتهم وأكرمهم وأسخاهم! سبحانك هذا بهتان عظيم. وأي شيء أعجب من لص خارب يهجم على المرء في داره وينهب ما أراد منها، ثم يأخذ عظما ويناوله صاحب الدار ويمتنَّ عليه ويقول له: اشكرني على ذلك!
أجاب راديو إيطالية عن تحريم الأماكن (الشريفة) بأنه لا يقصد بذلك إهانة الأهالى، وإنما هو نظام يحافظ على النظافة وهو جواب كما ترى غير ناهض ولا (حتى) زاحف أيضا.
وأجاب راديو إيطالية عن إلحاق طرابلس وبرقة بإيطالية بأن ذلك نعمة ومنة عظيمة، وأنه وفاء بالوعد الذي وعدهم به الدوتشي حين كان في طرابلس في العام الماضي، وأن القضاة والأشراف حمدوا الدوتشي ونائبه ايطالو بالبو حمدا كثيرا على هذه المنحة، وأن تلك البلاد في ساعة واحدة انتقلت من مستعمرة إلى بلاد شريفة عزيزة هي جزء من مملكة سامية.
وهذا أيضا أن ادعيت أنني قدرت على فهمه أكون من الكاذبين. فليت شعري كيف زال الاستعمار والإهانة بكلمة واحدة قيلت وذهبت في الهواء مع الريح من دون تبديل في الحكم ولا في النظام؟ فإن كان هناك تبديل في المعاملة فهلا ذكره رادیو ايطالية، وهو يكفي ويغني من تسمية طرابلس أرضا إيطالية وجزءا متمما الإيطالية.
وليت شعري هل نسخ تحريم الجلوس في الأماكن الشريفة على العرب، فصار العربي بعد إعلان هذا “الانشلوس – الإنضمام” الذي ما هو بانضمام النمسا إلى جرمانية ولا حتى انضمام (رودينية) إلى بلاد (مجرستان)؟ هل صار ممكنا للعربي أن يجلس في المشارب والمطاعم الفخمة بعباءته أو بكسائه لأنه الآن صار إيطاليا قحا من أبناء الروم؟
وهب أن ذاك التحريم نسخ، فهل صار لأهل طرابلس من الحقوق في تدبير شئون بلادهم مثل ما للايطاليين؟
وهب أن ذلك صار، فالمناسبة بين أهل طرابلس الذين عرب مسلمون وبين الإيطاليين وهم روم كاثوليكيون؟ لا لغة ولا وطن ولا نسب، ومع ذلك يعد هذا البلاء نعمة يجب شكرها، لا على أهل طرابلس فقط بل على جميع العرب والمسلمين. (هذا وجدكم الصغار بعينه).
أما بقية التشنيعات التي شنع بها الفرنسيون على إخوانهم (في الحرفة) الإيطاليين فلم يجيبوا عنها. وزاد راديو الجزائر فكذب راديو ايطالية في دعواه أن ثلاثمائة من أهل طرابلس كانوا قد هاجروا منها إلى مصر وتونس أنهم رجعوا إليها.
والعجيب من وقاحة الفرنسيين كيف يعيرون غيرهم بما يرتكبون مثله وأفظع. فإن كل ما عيروا به إخوانهم الإيطاليين قد ارتكبوا مثله: فنهبوا الأراضي، وسلبوا الحريات كلها، وسابوا الاستقلال (الذاتي). بل سلبوا مملكة وقتلوها وهدموها بعد ما لبثت 12 مائة سنة قائمة بنفسها. وأما طرابلس – وإن كان عمل الإيطاليين فيها فظيعا- فلم تكن قط مملكة إلا في زمان بعيد جدا، ولم يكن لها استقلال حين هجم عليها الإيطاليون ولم يقطعوا لها عهدا ولا أعطوها ذمة كما فعل الفرنسيون، إذ سطروا بأيديهم معاهدة الحماية ونصبوا فيها على استقلال المغرب الداخلي والمساعدة على التأهل للاستقلال التام. فنقضوا عهدهم وخربوا المملكة وأفسدوا البلاد وصيروا منها فرنسة جديدة، وهم وإن لم يعلنوا ذلك رسميا فهو واقع. فإن الذي يدير شؤون المغرب كلها من صغير وكبير هم المستعمرون المخربون، خرب الله ديارهم كما خربوا ديار الناس. على أنهم إذا أمكنهم إعلان ذاك رسمیا وساعدتهم الأيام لا يتورعون عنه أبدا.
أفَنَسي الفرنسيون إعلان الظهير البربري وما تبعه من الحوادث؟ والظهير البربري أشنع مما فعل الإيطاليون وما فعل جميع الفاتحين الهمج حتی هولاکو وجنكيز وتيمورلنك.
والحق أن الاستعمار كله لعنة وشر ليس فيه خیار، وأن بريطانية لو لم تسوِّد وجهها بالهمجية التي ارتكبتها في فلسطين هي أقل المستعمرين ضررا.
وإذا انتهت قضية فلسطين ورجع الحق فيها إلى نِصَابِه، وذلك قريب إن شاء الله، يجب على العرب والمسلمين أن يولوا وجوههم نحو شمال إفريقية، ويؤدوا واجبهم في الدفاع عن إخوانهم بقدر وسعهم، ويذكروا قول الشاعر:
أخاك أخاك، إن من لا أخا له
كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وأن ابن عم المرء فاعلم جناحه
وهل ينهض البازي بغير جناح
راديوات لا ضمير لها
ومما يتصل بما ذكرناه من هُرَاء دعایات الاستعمار قول رادیو الجزائر مخاطبا لسامعیه وناصحا لهم ومحذرا ومشفقا. قال: أيها المستمعون الكرام، إن هناك راديوات لا غيرها، تنشر بالعربية أخبارا كاذبة. فإیاکم واياها، لا تضلكم بأكاذيبها، فإنها لا ضمير لها. فإن أردتم الأخبار الصحيحة !!! فعليكم بالاستماع إلى راديو الرباط وراديو الجزائر وراديو كولونيال باريس فقط. واعتمدوا على أخبار هذه الإذاعات دون سواها.
ولعله يريد بالراديوات التي لا ضمير لها أولا رادیو باري ورومية، وثانيا راديو تطوان (شمال مراکش)، ولا أدري لماذا أغفل راديو لندن، وهو أخو رادیو باريس؟ ولعل فيه خطرا على المستمعين لأنهم يسمعون أخبار بريطانية ومعاملتها لأهالي مستعمراتها وتابعاتها من البلدان، وهي بالنسبة إلى معاملة الفرنسيين الغولبين كنسبة النهار إلى الليل والخير إلى الشر والسماء إلى الأرض. فمن إذاعات بريطانية أن في مستعمراتها الهندية وزارات وحكومات موالية لها قسط من الاعتبار، بلغ من أمرها أنها نازعت السلطة البريطانية في بعض مهمات الأمور. وذلك خطر على أذهان المستمعين الكرام من أهل المغرب الذين يجب أن لا ينظروا إلا إلى وجوه ذئاب فرنسة الكالحة، ولا يسمعوا إلا عواء رادیواتهم الخبيثة، وينقطعون عن الدنيا وأهلها ويبقون دائما عبیدا سامعین، مطیعین آكالين كل ما علفوا، شاربين كلما جرَّعوا من الغصص والحميم الآني.
ومن إذاعات بريطانية أن عدد الموظفين في الطيران في الهند -وهي مستعمرة خالصة – بلغ 64 في المائة من الهنود، في حال أن أهل تونس والمغرب – وهما فيما يقال حكومتان لهما استقلال ذاتي؟ -لا يضربون بأي سهم في تدبير بلادهم لا في البلديات ولا في البريد ولا في الغرف التجارية ولا في غير ذلك من الأمور الحيوية التي يستقل بتدبيرها في الهند الأهالي. وأما التربية والتعليم فالمشاركة فيها محرمة على أهل المغارب تحريما باتا. فلا يجوز لأبناء المغرب أن يتعلموا إلا ما يريد مبتزو بلادهم، وكيف يريدون وأين يريدون، إلى غير ذلك من ضروب الفَرْق والتباین.
فلذلك كان سماع راديو لندن الاستعماري أيضا مرغوبا عنه وغیر مستحب.
رحمة الله على شهداء فلسطين وبارك الله في المجاهدين الأحياء! لقد كان في عملهم عبرة وعظة بالغة للفريقين:
للظالمين المغتصبين، والمظلومين المهضومين ولكن أكثرهم لا يعقلون. وما أحسن قول أبي الطيب:
من اقتضى يسوي الهنديُّ حاجته
أجاب كل سؤال عن هل بلم
بن (جرمانية) رمضان 1357
تقي الدين الهلالي
صحيفة الفتح: العدد 630 العام 13 – الخميس 9 شوال 1357هـ – ص: 6-8


