تعاليم الإسلام إذا خلت من الجمود والجحود وبقيت على صفاتها لم تتلوث بالبدع المحدثة صالحة لكل زمان ومكان وكفيلة بسعادة الدارين للجنس البشري بأسره، وهي مبنية على ثلاثة أصول: توحيد الله تعالى واتباع رسوله ﷺ والخلق الحسن. فأما توحيد الله سبحانه فهو على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وهو اعتقادنا أن الله هو خالق هذا العالم والمتصرف فيه والمدبر لشؤونه لا يشاركه في ذلك أحد كما قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ معناه: أن مالككم وسيدكم الذي أنعم عليكم بنعمتي الإيجاد والإمداد والذي بيده مقاليد أموركم وبيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله هو الله الذي خلق السماوات والأرض، أي أنشأها وأوجدها من العدم على غير مثال سابق في ست مدد ثم استوى على العرش الذي هو أعظم المخلوقات. يُغشي الليل النهار أي يغطي الليل بالنهار، فيقصر الليل ويطول النهار، ويغطي النهار بالليل فيقصر النهار ويطول الليل، وسخر الشمس والقمر، بأن جعل لهما نظامًا بديعًا دقيقًا في مشارقهما ومغاربهما وفي انتفاع عباده بهما، ثم قال تعالى ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فهو خالق كل شيء وله وحده الأمر والتصرف في مخلوقاته وهي كلها خاضعة لإرادته تبارك وتعالى.
وقال تعالى في سورة فاطر: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ (9) مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۚ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ (13)﴾. تضمنت هذه الآيات الكريمة من دلائل ربوبية الله تعالى أمورًا:
أولها إرسال الرياح التي تثير السحاب وتسوقه لإنزال المطر حيث يشاء الله.
وثانيها أن ذلك المطر يحيي الله به الأرض بعد موتها فتخرج من خيراتها وبركاتها أنواعًا كثيرة من المعايش والأرزاق التي تقوم بها حياة الإنسان والحيوان.
ثالثها أن الله الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى ببعثهم من مراقدهم لتُجزى كل نفس بما عملت وذلك مقتضى عدله وحكمته، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
رابعها أن العزة بيد الله، فمن أعزه فلا مُذلَّ له، ومن أذله فلا مُعِزَّ له. فيجب على من يريد العزة أن يطلبها بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه وتحكيم شرعه باتباع كتابه ورسوله فبذلك تُنال، وبضده تنال الذلة، ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.
خامسها أن كل كلمة طيبة وكل عمل صالح يقبلهما الله تعالى ويثيب عليهما، وكل كلمة خبيثة وعمل سيئ لا يرضاهما الله تعالى ويعاقب مرتكبيهما.
سادسها أن المجرمين الذين يخادعون الله والمؤمنين، ويمكرون السيئات ويدبرون المكايد في محاربة الحق اتباعًا لأهوائهم، لهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة، ووبال مكايدهم لا يعود إلا عليهم، فيبور مكرهم، أي يبطل: كما قال تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
سابعها أن الله خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة في أطوار كثيرة حتى استوى إنسانًا كاملًا وجعله أصنافًا مختلفة في الخلق والأخلاق مع أن أصلهم واحد. فسبحان الخلاق العليم.
ثامنها أن ذلك يستلزم كمال علمه بكل دقيق وجليل من أحوال خلقه إذ كمال الصنعة يدل على كمال الصانع.
تاسعها تفضله على عباده بأن خلق نوعين من المياه أحدهما عذب ويَلَذُّ شَرابُه، وثانيهما ملح مُرُّ طعمه مغاير للأول تمام المغايرة.
عاشرها أنه خلق لنا في كل من المائين أسماكًا طرية اللحم، لذيذة الطعم متشابهة مع تغاير مستقرها العذب والملح.
حادي عشرها أنه خلق لنا في البحر الملح اللآلئ ومَرْجَانًا للزينة والتحلي.
ثاني عشرها أنه سخر لنا السفن والبواخر تَمْخُرُ عُبَابَ البُحور وتنقل الناس والبضائع من بلد إلى بلد لتبادل المنافع والتوسع في المكاسب ووجب علينا الشكر ووعدنا بالمزيد.
ثالث عشرها وقد تقدم إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل وتسخير الشمس والقمر. ثم قال تعالى ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾، فالذي فعل ذلك وأمثاله هو المالك المربي وغيره عبد مملوك عاجز.
القسم الثاني: توحيد العبادة: وهو التوجه إلى الله وحده بالدعاء والصلاة والاستعاذة والاستغاثة وهي طلب الحفظ من الشر، والتوكل، وهو الاعتماد عليه في جلب الخير ودفع الشر، والنسك وهو الذبح بقصد التعظيم، والنذر وهو الذي يسمى بالمغربية (بالوَعْدَة) والخوف بالغيب والخضوع بالقلب وهو الإنابة والحلف والتصدق لوجهه والعبودية والتذلل له، والتحاكم إلى شرعه في كل شيء، ونبذ كل تشريع لا يستند إليه، والرضا بقضائه والصبر على المصائب لوجهه، والتحاب فيه والتباغض لأجله والموالاة والمعاداة من أجله إلى غير ذلك من أنواع العبادات كالصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المحرمات والشبهات والإحسان إلى الخلق والرحمة والشفقة عليه. كل ذلك وما أشبهه لا يُفعل إلا لله، ومن فعل شيئًا منه لغيره فقد أشرك به: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو أَنْ لَا يُوصَفَ الله تعالى إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في حديثه.
الأصل الثاني: اتباع الرسول ﷺ فيجب على كل مؤمن أن يحبه أكثر من نفسه وأولاده ووالديه والناس أجمعين لقوله عليه السلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رواه البخاري ومسلم من حديث أنس، وعلامة صدق محبته محبة ما جاء به، واتباعه بتحليل ما أَحَلَّ وتحريم ما حَرَّمَ، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والتخلق بأخلاقه بقدر الإمكان. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» رواه البغوي وصححه النووي، ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل، قال تعالى في سورة النساء (65): ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
هذا قسم مؤكد من الله تعالى، أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يُحَكِّمَ الرسول ﷺ في كل نزاع يقع بينه وبين غيره، ثم يرضى بحكمه، ويُسَلِّمَ لذلك تسليمًا تامًا، حتى لا يقع في قلبه أدنى شيء من الاشمئزاز، ولو كان ذلك ذهاب نفسه وماله وأحبُّ الناس إليه، وتحكيم كتاب الله وسنة رسوله. ولا يمكن تحكيمهما إلا بالعناية بدراستهما ومعرفة ما فيهما، والتهاون في هذا الأمر هو سبب كل ما أصاب المسلمين، أفرادًا وجماعات، من الشقاء الحسي والمعنوي، ولا يزول عنهم هذا الشقاء إلا بالرجوع إلى ما كان عليه أسلافهم.
الأصل الثالث: الأخلاق: وهذا الأصل هو ثمرة الإيمان والأعمال الصالحة. قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ فكل إيمان وعمل صالح لا يبعثان صاحبهما على التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهما باطلان لا خير فيهما، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وانفرد مسلم بقوله عليه الصلاة والسلام: «وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ».
ومعناه، أن من اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث منافق خالص ليس عنده شيء من الإيمان ولو قال أنا مسلم ونطق بالشهادتين وصلى وصام وحج وفعل كل ما أمر به. ويزيد وضوحًا ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» ومعنى إذا خاصم فجر: إذا أكد الوعد بالعهد غَدَرَ فلا يوفي بعهده، وإذا خاصم أحدًا كذب وجحد الحق واندفع في الباطل ليغلب خصمه بذلك.
ورب قائل يقول: إنَّ كل ما ذكرته في هذا الحديث ينطبق على تعاليم الإسلام. فأين مقتضيات العصر الحاضر التي هي من صلب الموضوع الذي تتحدث فيه؟ فأقول في الجواب: لعلَّك تريد التقدم الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي والعلمي والحربي إلى آخر ذلك. فتيقن أيها القارئ العزيز أن ذلك لم يغب عن بالي، فاضمن لي وجود ما تقدم من الأصول الثلاثة: التوحيد، واتباع الرسول، والتخلق بالأخلاق التي جاء بها، أَضْمَنُ لك التقدم والتفوق في جميع الميادين حتى القنابل الذرية والهيدروجينية والصعود إلى الفضاء أكثر مما بلغت إليه أمريكا والاتحاد السوفيتي، زيادة على الرفاهية في العيش واستتباب الأمن. أما إذا أُهملت الأصول فالتخلف والشقاء التام والذلة والهوان كل ذلك مضمون للمسلمين والعرب، وإن سعوا بكل وسيلة من الوسائل المستوردة والعقائد المجلوبة. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
محمد تقي الدين الهلالي


