أيها القراء الكرام، اعلموا علمتم خيرا، ووفيتم خيرا، أن السنة النبوية هي أعظم سلاح للمؤمن بعد كتاب الله تعالى، بهذا السلاح يقال أعداءه في الداخل والخارج، والمراد بالأعداء في الداخل النفس الأمارة والهوى والوسواس والعادات والعصبيات. وهؤلاء الأعداء الداخليون أشد خطرا وأعظم ضررا من الأعداء الخارجيين، لأن الإنسان لا يدركهم بالحواس الظاهرة ولا يستطيع قتالهم بالسلاح المادي. والقرآن وحده بدون بيان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكفي لقتال أي من الفريقين لأمرين:
أحدهما: أن الله أجمل وعم في كثير من الأحكام وجعل البيان والتخصيص لرسوله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)، فالصلاة والزكاة والحج والجهاد والأحكام المالية كالبيع والشراء كل ذلك لا يمكن معرفة مراد الله فيه إلا ببيان رسوله.
الثاني: أن أهل البدع والأهواء وأهل الظلم والجور يستغلون إجمال القرآن فيحرفونه ويؤولونه على غير تأويله كما قال تعالى في سورة آل عمران في الآية (7) (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله). وقد جاء في الآثار عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال في أهل الأهواء: خذوهم بالسنن فإنهم لا يجدون إلى التخلص منها سبيلا أو كما قال، وأيضا فإن المؤمن لا يتنور قلبه وتزول ظلمته ووحشته وتتم حياته إلا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. لذلك عزمنا أن نكتب مقالات تحت الترجمة المذكورة أعلاه نقتبس فيها ما ييسره الله من أنوار السنة المحمدية ونستخرج من بحرها الزاخر دررا تكون قرة عين ان شاء الله لكل مؤمن حنيف يحب الله ورسوله.
التبليغ
تبليغ سنة رسول الله فرض على كل من عرفها، فقد أخرج البخاري عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار). في هذا الحديث وجوب التبليغ على كل من عنده علم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والسنة، وفي ضمنه وجوب تعلم كتاب الله وبيانه وهو الحديث على كل من يستطيع ذلك، لأن التبليغ فرض على المستطيع، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وهذا الغرض العظيم الذي يقوم عليه الدين وهو من أعظم الجهاد في سبيل الله قد ضيعه أكثر العلماء وأغفلوه، وكان ذلك من أسباب الوهن والانحلال الذي أصيبت به الأمة. وقوله (ولو آية) يدل على أن التبليغ فرض على المقل والمكثر من أهل العلم بكتاب الله وسنة الرسول. ويجب على المبلِّغ إذا قصر إدراكه في مسألة أن يرشد المبلَّغَ إلى من هو أعلم بها فيكون له مثل أجر من أرشده إليه وعلمه. فلو أردنا أن نحاسب أنفسنا في كل يوم هل أدينا فرض التبليغ في ذلك اليوم بل في كل شهر لوجدنا أنفسنا مقصرين بل مضيعين لهذا الفرض.
والتبليغ فرض علينا جميعا، على أهل العلم بألسنتهم وأموالهم إن كانت لهم أموال، فقد كان عبد الله بن المبارك وهو من كبار الأئمة كأبي حنيفة والسفيانين ومالك والأوزاعي والليث، كان تاجرا كبيرا وافر الأموال وكان ينفق على طلبة العلم في حال تعلمهم ويزوجهم إن كانوا فقراء، وكان لا يقبل هدايا الملوك، فكان يبلغ بلسانه وماله. ومن لم يكن عنده علم يبثه بلسانه وقلمه وكان عنده مال فالتبليغ فرض عليه بماله، ينفق على طلبة العلم وبناء المدارس ويجعل الجوائز لمن يبرز في علم الكتاب والسنة علما وتبليغا، فإن لم يبذل ماله في تبليغ الدعوة المحمدية فهو آثم وعليه من الوزر مثل ما على العلماء الذين يكتمون العلم، يشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة التوبة الآية (34) (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله * والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم). فالأحبار هم علماء أهل الكتاب، والرهبان هم العباد الذين يقتدى بهم الناس في الدين، ومن اتبع سنتهم من علماء هذه الأمة وعبادها فهو مثلهم.
فهذان الصنفان إذا لم يخلصوا عملهم الله ويؤدوا ما فرض الله عليهم من التبليغ لوجه الله، بل غرتهم الحياة الدنيا فأخذوا يتملقون إلى ذوي الأموال والمراتب ويكتمون العلم ويقرون الجهل والظلم رغبة منهم في تحصيل المراتب والأموال هم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون الناس عن سبيل الله، لأن العامة تقتدي بهم. فتهمل التبليغ وقول الحق فيعم الجهل والظلم وتصاب الأمة بالعذاب الأليم.
وهذا هو ما أصاب المسلمين اليوم بعينه. وقوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة) أي يحبسون زكاتهما ويمنعون الحقوق فيهما ولا يتصدقون فيهما على الوجه الشرعي الذي يرضاه الله يستحقون العذاب الأليم، فهؤلاء الأصناف الثلاثة: العلماء والعباد وأرباب الاموال، هم سبب سعادة الأمة أو شقائها، فإذا قاموا بفرض التبليغ مع العمل بما يبلغون ليكونوا قدوة حسنة صاروا قدوة حسنة فسعدوا وسعدت بهم أمتهم، وإذا أهملوا التبليغ والعمل شقوا وقست قلوبهم وعميت بصائرهم فشقيت بهم أمتهم.
ولأمر ما عطف الله الذين يكنزون الذهب والفضة على العلماء والعباد الذين يكنزون العلم والإرشاد لأن الجهد لا يقوم إلا بنيل العلم والمال في سبيل الله، فمن كتم العلم فقد سعى في أمانة النفوس، ومن منع المال فقد سعى في إهلاك الأبدان.
ومن أدلة وجوب التبليغ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة التي خطبها في حجة الوداع: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) وقد بلغ أصحاب رسول الله ما سمعوه منه قولا وعملا بغاية الأمانة والإخلاص، وبلغ التابعون والأئمة المجتهدون والعلماء العاملون، فكانت الأمة في عز وسعادة، فلما أهمل التبليغ ضعف الإيمان ومرضت النفوس وعم الفشل والوهن. ولا يكفى التبليغ باللسان والعمل والمال في داخل الامة بل لابد من التبليغ في خارج بلادنا إلى أن تبلغ أقصى المعمورة. وهؤلاء أصحاب النِّحَلِ والعقائد كل منهم يبلغ دعوته بالقول والعمل، وهؤلاء رسلهم ومؤسساتهم بين ظهرانينا يبلغون بها دعواتهم، ونحن أموات لا نتأثر ولا نغار ولا نؤدى ما فرض الله علينا من التبليغ، بل لا نتعلم ما نبلغه ونرضى بالدعوى والانتساب بلا علم ولا عمل ولا تبليغ.
والآن وقد استغرق الجزء الأول من الحديث الشريف هذا المقال نشير إلى بيان الحديث باختصار، ويتضمن ذلك أمرين: الأول الحديث عن بني إسرائيل، والحديث عن بنى إسرائيل هو ذكر أخبارهم وقصصهم للاعتبار والتحذير منها. يؤخذ ذلك من كتاب الله وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الله قص علينا في كتابه العزيز كثيرا من أخبارهم مثل قصة ذبح البقرة في سورة البقرة وقصة أصحاب طالوت وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها في سورة البقرة أيضا إلى غير ذلك مما يطول ذكره. ولا يجوز لنا أن نتحدث عن بني إسرائيل بحديث لا مستند له.
الأمر الثاني: هو الحذر من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن لا نحدث عنه بحديث إلا إذا علمنا مصدره وصحته لأن من تعمد الكذب نبي صلى الله عليه وسلم فقد أنذره بدخوله جهنم. وهذان الأمران يوضحان شروط التبليغ الصحيح وآدابه.
والله الموفق.
تقي الدين الهلالي
الأخوة الإسلامية العراقية، العدد 17، السنة 1 ( 10 تموز 1953م).


