بلغني أن بعض المعادين للعقيدة السلفية لقي اخانا في الله الاستاذ العبقري سيدي محمد بن العربي العلوي أدام الله توفيقه وسمع درسه، فحدث بعض الطلبة أن عنده علما وتحقيقا ثم استدرك فقال: ولكن العقيدة مفلسة، فحثنا بقوله هذا على المبادرة إلى كتابة مقال بين فيه العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة وذلك بالبرهان القاطع الذي لا يبقى معه ريب، لا بالدعوى المجردة كما فعل ذلك الشخص، فنقول:
من المعلوم عند المؤرخين أن أهل الأندلس والمغرب كانوا على مذهب أبي حنيفة في الفروع، حين أن المغرب تحت حكم العباسيين، ثم جاء أهل الشام والأندلس والمغرب فبثوا مذهب الأوزاعي في القطرين ثم بعد ذلك سافر يحيى بن يحيى الليثي إلى مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله، فروى عنه الموطأ. ثم رجع إلى الأندلس، وكان معظما عند الامراء، وزاد في تعظيمه انه كان يتورع عن ولاية المناصب، فكان الأمراء لا يولون أحد منصبا عاليا في الدولة إلا بعد مشاورته، فكان لا يشير إلا بأصحابه المالكية، فانتشر بسبب ذلك مذهب المالكية في المغرب. ومع ذلك كانت هناك مذاهب اخرى : فقد كان ابن حزم على مذهب الشافعي مدة يناظر الفقهاء به، ثم رجع إلى مذهب أهل الظاهر. وكان أبو عمر : يوسف بن عبد البر النمري القرطبي على مذهب داود الظاهري، رحمه الله ثم انتقل إلى المذهب المالكي، وكان برا محمودا في كلا المذهبين. وكان القاضي منذر بن سعيد البلوطي، قاضي الجماعة بقرطبة على عهد الخليفة الحكم، محدثا لا يقلد أحدا، وقال صاحب نفح الطيب كان ظاهريا في عباداته، وكان يناضل عن مذهب أهل الظاهر ولكنه كان يقضي بمذهب مالك. وكان أبو حيان النحوي، قبل أن يبارح الأندلس، ظاهريا، ثم لما استقر بمصر صار شافعيا. ويحكي أن سائلا سأله ذات يوم: لماذا انتقلت من مذهب أهل الظاهر إلى مذهب الشافعي؟ فقال: أن من كان على مذهب أهل الظاهر لا يمكنه أن يفارقه إلى مذهب آخر اشارة منه إلى أنه لايزال على مذهبه الأول.
وكان الحافظ بقي بن مخلد الأندلسي يعمل ويفتي بالأثر : أي الحديث ولا يقلد أحدا، انظر نفح الطيب في ترجمته في المجلد الأول. وكان الشيخ محيي الدين ابن عربي الحاتمي الأندلسي الشهير على مذهب أهل الحديث في الفروع لا يقلد أحدا.
ومن ذلك نعلم أن أهل المغرب والأندلس في زمان الدولة الأموية بالأندلس لم يكونوا متعصبين للمذاهب، بل كانوا متسامحين.
ثم جاءت الدولة الموحدية فأبطلت التمذهب والتقليد وأمر عبد المؤمن بن علي بإحراق كتب الفروع إلا اسم الله واسم رسوله صلى الله عليه وسلم، وحمل الناس على اتباع الحديث وترك الرأي، قال صاحب الاستقصا بعد حكاية ما تقدم عن عبد المؤمن بن علي: «فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا» وهذا يدل على أن صاحب الاستقصا كان مستحسنا لعمل عبد المؤمن، وهو من أهل جيلنا هذا رحمه الله.
هذا كله في الفروع وأما في الأصول فكان أهل الأندلس والمغرب على مذهب السلف: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والليث بن سعد والأوزاعي وأحمد بن حنبل واسحق بن راهويه ومحمد بن إدريس الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبي الحسن الأشعري إلى أن ظهر المهدى ابن تومرت، وكان قد سافر إلى الشرق، ثم رجع بعقيدة الأشاعرة النفاة المؤولين. وهنا ينبغي لنا أن نبين أن الاشعرية فرقتان : الفرقة الأولى هم اتباع أبي الحسن الأشعري على عقيدته التي رجع إليها ومات عليها، وقد بينها في كتابه «الابانة» المطبوع في حيدرآباد بالهند وفي كتابه مقالات الإسلاميين المطبوع باستمبول ببلاد الترك. وبينها الإمام ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفترى فيما نسب إلى ابي الحسن الاشعري وقد طبع بالشام والفرقة الثانية هي جماعة ممن تأخر رفضوا عقيدة السلف من الصحابة والتابعين والائمة المجتهدين واتبعوا عقيدة التعطيل والتأويل عنها. وهؤلاء سموا أنفسهم اشعرية. وأبو الحسن الأشعري برى منهم وهم من أهل الأهواء الذين حكم عليهم مالك والشافعي أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واتباع أهل الكلام.
مجلة لسان الدين: الجزء السادس – السنة الأولى – محرم 1365 / دجنبر 1946 – ص:1.


