لقد صار من يطلب حقه بالجدل والكلام اليوم أحمق الحمقى وأغبی الأغبياء، لا الجدل والحجة والبرهان والحياء والإنصاف والحق صارت ألفاظا فارغة لا معنى لهما إلا كما يوجد في كلمة (خنفشار) و(دیز) مقلوب زيد وما أشبه ذلك!
تكلمت اليوم صحف فرنسة وإذاعاتها واعترفت بجريمتها ونقضها للعهود ولكنها عللت ذلك بمراعاة مصلحة بلاد الشام! فإنها بزعمها كانت مهددة من قبل الأتراك من الوجهتين المادية والأدبية وأنه لم تكن هناك وسيلة لإنقاذ بلاد الشام وجعلها في مأمن من مطامع الأتراك إلا اقتطاع جزء مهم منها وهو لواء اسكندرونة وإهداءه إلى الأتراك ليأكلوه ویكتفوا به ويعطون الضمان والأمان لسائل البلاد! وزعمت إذاعة فرنسة أن أهل الشام قد سرورا عظيما بهذا التدبير الحكيم الذي دبرته فرنسة لتأمين بلادهم من الخرف!
تم قالت: وأن فرنسة لن تتنازل لدولة أخرى عن سورية ولبنان – تعني بلاد الشام!
وختمت هذا الكلام المخزي بقولها: “نعم إن الثمن كان باهظا ولكن يهون في سبيل تأمين البلاد ولراحة بالها”.
فماذا ينتقد المنتقد من هذا الكلام الغث الهراء المهزول الذي يبشر بأفول نجم فرنسة وقرب زوال طغيانها؟ ولو بقيت لفرنسة ذرة من العقل لفضلت السكوت على هذا الاعتذار الذي هو زيادة في خزيها وفضيحة لها.
إذا كانت بلاد الشام مهددة من قبل الأتراك في مادياتها وأدبياتها فما معنى وجود فرنسة فيها ولماذا تصر على البقاء فيها بدعوى حمايتها؟. وكيف رضيت فرنسة أن تعترف بعجزها عن حماية بلاد الشام التي تحت يدها من حماية بلاد الشام التي تحت يدها من الأتراك، وهم دولة صغيرة لا تساوي بوجه من الوجوه عشر فرنسة، لا في السلاح ولا في المال ولا في الرجال؟ وأما الشجاعة الحق يقال أن العربي أو الترکي يعادل عشرة من الجنود الفرنسيين ولكن ليست الشجاعة وحدها هي كل شيء.
على أن فرنسة المعترفة بعجزها أمام الأتراك لا تعترف بأن جندهم أشجع من جنودها. وافتخرت فرنسة بأنها استثنت من أراضي لواء اسكندرونة المقبرة التي فيها عظام جنودها! وأنها استثنت قطعة أرض يسكنها الأرمن، وأنها اشترطت على الأتراك أن من لم يرد أن يتجنس بالجنسية التركية فله الحق أن يتجنس بالجنسية الشامية أو غيرها وله الحق أن يبيع أملاكه، ولكن ثمنها يوضع في المصرف التركي ثم يرخص له بإخراجه وضربت لذلك أجلا ستة أشهر.
لقد فضحت فرنسة في هذه القضية نفسها. ولم تترك لأعدائها ما يقولونه: لأنها اعترفت بخزيها وحملت العار والشنار فعلى الشعوب الذين يظنون أن فرنسة قادرة على البقاء في بلادهم وأنها ذات بطش وقوة أن يعتبروا بهذه الواقعة. علي أنه لا يوجد أحد يريد من فرنسة حماية لأن حمايتها هي شر ما يخشى شعب من الشعوب وأعظم لعنة يحذرها بنو الإنسان فمن وقع في براثنها لم يخش شيئا. بعد ذلك لأنه كما قيل: “أنا الغريق فما خوفي من البلل”.
ولقد صدق أحد كتاب المغاربة إذ كتب مقالا في بيان فضائع فرنسة عنونه بقوله: “من يحمينا من الحماية”.
فحماية فرنسة حمى وانتدابها ندبة. فلا ترى بلدا محميا من قبلها إلا وهو محموم حمى الربع القاتلة بل حمى التيفوس. ولا ترى أحدا تحت انتدابها إلا نادبا يدعوا ويله وثبوره. أراح الله منها البشرية المنكوبة وجزاها بماتستحقه.
والغريب أنها مع إقرارها بالعجز عن حماية بلاد الشام تقول أنها لن تتنازل عنها لدولة أخرى ومعنى ذلك أن فرنسة إنما تقيم في هذه البلاد للنهب والسلب حتى إذا جاء لص آخر تعجز عن دفعه وتكون حاميتها بريطانية قد اتفقت معه تترك له ما يريد من البلاد. وتنتقل إلى القسم الآخر وهكذا دواليك حتى لا يبقى شيء. وأهل بلاد الشام إنما يشكون ويبكون من وجود فرنسة و بيعا أرضهم. فلو خلت بينهم و بين الأتراك وغلبهم هؤلاء على طائفة من بلادهم وأخذوها بلا واسطة لكان الخطب أهون.
ولكن البلية هي کون الشاميين مغلوبين تحت مغلوب و أسرى في يد أسير!
وإن لم يفخر عليك تفاخر ** ضعیف ولم يغلبك مثل مغلب
(برلين) تقي الدين الهلالي
جريدة العلم المصري، السنة 3 – العدد 114 – 24 جمادى الأولى 1358هـ / 12 يوليو 1939


