نبذة
“يناقش الدكتور تقي الدين الهلالي في هذا المقال الطروحات التي قدمها الدكتور بديع شريف حول عقيدة الشاعر ‘أبو العتاهية’، مفنداً دعوى اتهامه بالزندقة أو المانوية. ويستند الكاتب في رده إلى تحقيق تاريخي وأدبي رصين، مستشهداً برأي الحافظ ابن عبد البر وما تضمنه ديوان الشاعر من أبيات صريحة في الإيمان بالبعث والحساب وتوحيد الله، ليخلص إلى أن تلك التهمة كانت وليدة خصومات شخصية وليست قائمة على بحث موضوعي، مؤكداً على ضرورة التثبت قبل الحكم على عقائد الشخصيات التاريخية.”بقلم العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
ألقى الدكتور بديع شريف محاضرة قيمة في المعهد الثقافي البريطاني في ليلة الجمعة 20 ربيع الأول سنة 368 المطابق 29 يناير سنة 949، ولما كانت هذه المحاضرة مشتملة على فوائد أدبية نفيسة؛ بدا لي أن أعلق عليها بما عن لي وقت سماعها فأقول:
أولا: إن الخطيب كان يلقي خطبته – كعادته – بصوته الذي يجمع بين الجهارة والفخامة، وكان موفقا في ما مهد به من المباحث في الشعر العربي قبل الإسلام، وما يحتوي عليه من الآداب، ومقارنة بعض نقاد الشعر من العرب بأمثالهم من الأوربيين.
ثانيًا: بعد ذلك التمهيد المفيد خرج المحاضر إلى المقصود بالذات؛ وهو الأثر الذي أحدثه الشعراء الفارسيون الذين نشؤوا بين العرب وبرعوا في الشعر العربي وكانوا يحملون العقائد المانوية والمزدكية ويبثونها في الأمة الإسلامية كيدا منهم وانتقامًا على حد ما جاء في خطبة الدكتور بديع وأشار إلى دلائل إثباته، وقد اختص بالذكر منهم ثلاثة؛ أولهم بشار بن برد وسرد شيئًا من شعره في تفضيل إبليس على آدم وفي تفضيل الشمس على الأرض وتصويب عبادة النار، وأشار إلى ما نقله الجاحظ في البيان والتبيين من ذلك من رد واصل بن عطاء على بشار … إلخ، وثانيهم: أبو نواس، وهو فارسي الأصل – أيضًا ، قال الدكتور بديع : وكان زنديقا شهد عليه بالزندقة، ورفع أمره إلى صاحب الزنادقة حمدويه، وهو الذي كان يتولى امتحانهم ـ على حد ما جاء في المحاضرة ، ولكن حمدويه احتال في إنقاذ أبي (1) نواس من القتل بأن أتاه بصورة ماني مؤسس مذهب المانوية؛ وهو من مذاهب المجوس، فلم يكتف أبو نواس بالبصاق عليها؛ بل تقيأ عليها، فنجا بذلك من القتل، ثم أشار إلى ما يعرف عن أبي نواس من المجون والفجور وعده من عقيدته الإباحية التي ورثها من آبائه المانويين والمزدكيين، وأنا لا أريد أن أعلق على هذا الموضع من المحاضرة بشيء لأن التعليق عليه بما يشفي يقتضي بحثًا طويلا ونقولا كثيرة تطمئن إليها النفوس، وثالثهم أبو العتاهية، قال الدكتور بديع أنه كان مانويا؛ أي: مجوسيا، واستدل على ذلك بأنه كان يزهد الناس في الدنيا ويبالغ في ذلك، قال: وهو مذهب المانوية؛ فإنهم يمنعون التمتع بالطيبات منعًا كليا . ثم استدل على ذلك ـ أيضًا ـ بأن أبا العتاهية لم يذكر الموت بعد البعث في شعره، قال: وذلك دليل على زندقته وعدم إسلامه.
أقول : قد اتهم أبو العتاهية بهذه التهمة في حياته، ورد على من اتهمه بها، وقد كنت قرأت ذلك منذ زمان بعيد في كتاب جامع بيان العلم وفضله» لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة (463 هـ)، فلما رجعت إلى البيت بعد سماع المحاضرة؛ راجعت الكتاب المذكور فوجدت في الصفحة الخامسة من الجزء الثاني ما نصه:
روينا أن منصور بن عمار قص يومًا على الناس وأبو العتاهية حاضر؛ فقال : إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي. فبلغ قوله منصورا فقال: أبو العتاهية زنديق ! أما ترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار إنما يذكر الموت فقط. فبلغ ذلك أبو العتاهية فقال:
يَا وَاعِظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُتَهَما ** إِذْ عِبْتَ مِنْهُمْ أُمُوْرًا أَنْتَ تَأْتِيْهَا
كَالْمُلْبِسِ الثَّوْبَ مِنْ عُرْيِ وَعَوْرَتُهُ ** لِلنَّاسِ بَادِيَةٌ مَا أَنْ يُوَارِيها
وَأَعْظَمُ الْإِثْمِ بَعْدَ الشَّرْكِ تَعْلَمُهُ ** في كُلِّ نَفْسٍ عَمَاهَا مِنْ مَسَاوِيْهَا
عِرْفَاتُهَا بِعُيُوْبِ النَّاسِ تُبْصِرُهَا ** مِنْهُمْ وَلَا تُبْصِرُ الْعَيْبَ الَّذِي فِيهَا
فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى مات منصور بن عمار، فوقف أبو العتاهية على قبره وقال: يغفر الله لك أبا السرى ما كنت رميتني به.
قال أبو عمر : قد تدبرت شعر أبي العتاهية عند جمعي له؛ فوجدت فيه ذكر البعث والمجازات والحساب والثواب والعقاب.
فظهر مما تقدم أن اتهام أبي العتاهية بالزندقة من قبل الفقيه الواعظ منصور ابن عمار كان ناشئًا عن قصد سيء وعداوة شخصية؛ فإن أبا العتاهية انتقد منصور ابن عمار واتهمه بأنه سرق كلام غيره وألقاه في مجلس وعظه على أنه من كلامه، فأخذت الحمية الواعظ وقال في أبي العتاهية ما قال بقصد الانتقام، ولم تكن التهمة ناشئة عن بحث وتحر للحقيقة واجتهاد في إصابتها، وإنما جرى ذلك على لسان منصور من قبيل السب والشتم، وقد أخبر الإمام الحافظ أبو عمر ـ وهو خال من الغرض والتحيز – أنه جمع شعر أبي العتاهية فوجد فيه ذكر البعث والمجازاة والحساب والثواب والعقاب، وناهيك بأبي عمر في حفظه ورسوخ قدمه في علوم الأخبار والأدب والفقه والأنساب وغيرها، وهو الذي يلقب بحافظ المغرب في زمانه، كما كان أبو بكر الخطيب البغدادي حافظ المشرق في ذلك الزمان.
وليس مقصودًا بهذا أن نثبت زندقة أبي العتاهية ولا أن ننفيها بيقين؛ وإنما أردنا أن نبين أن أصل التهمة كان باطلا ، فوجب على الباحث أن يتثبت ويطيل البحث حتى يتوفر عنده من الحجج ما لا يبقي شكا في حكمه عليه بذلك، فليست نسبة الزندقة إلى أبي العتاهية كنسبتها إلى بشار بن برد؛ فإن بينهما بونا شاسعا. وقد حاولت أن أراجع ديوان أبي العتاهية» لأرى بنفسي ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر عنه من كونه جمعها لويس شيخو ؛ فرأيت فيها أبياتا تدل على الإيمان بالحشر والجزاء وغير ذلك مما يعتقد المسلمون، وسأنقل بعض ذلك هنا:
1 – قال أبو العتاهية في رثاء البرامكة:
سُبْحَانَ مَنْ دَانَتِ الْمُلُوكُ ** لَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو
كَذَاكَ مَنْ يَسْخَطْ إِلَّا بِمَا ** يُرْضِي بِهِ الْعَبْدَ يَجْزِهِ اللهُ
طُوبَى لِمَنْ تَابَ بَعْدَ غُرَّتِهِ ** فَتَابَ قَبْلَ المَمَاتِ طُوْبَاهُ
في هذه الأبيات مسائل تدل على الإسلام:
أولها : تنزيه الله.
ثانيها توحيده
ثالثها: خضوع أعظم الناس له وهم الملوك.
رابعها: أن من أسخط الخالق بإرضاء المخلوق يعاقبه الله.
خامسها : أن من رجع إلى الله بعد غفلته وانهماكه في المعاصي فتاب إليه من ذنوبه قبل الممات هو السعيد المستحق للتهنئة، وقوله: (قبل الممات) يدل بمفهومه على أنه لو أخر التوبة حتى مات لم يكن سعيدا بل كان شقيا، وهذا هو الإقرار بالجزاء الأخروي.
2 – قال يهجو أحمد بن أبي دؤاد
لَوْ كُنْتَ فِي الرَّأْيِ مَنْسُوْبًا إِلَى الرُّشْدِ ** وَكَانَ عَزْمُكَ عَزْمًا فِيهِ تَوْفِيقُ
لَكَانَ فِي الْفِقْهِ شُغْلٌ لَوْ قَنِعْتَ بِهِ ** مِنْ أَنْ تَقُوْلَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوْقُ
مَاذَا عَلَيْكَ وَأَصْلُ الدِّيْنِ يَجْمَعُهُمْ ** مَا كَانَ فِي الْفَرْعِ لَوْلَا الْجَهْلُ وَالْمُوْت
لا يخفى أن أحمد بن أبي دؤاد كان شيخ المعتزلة ومقدمهم عند الخليفة المأمون العباسي والمعتصم، وهو الذي امتحن أحمد بن حنبل وضربه ثلاثين سوطا على القول بخلق القرآن، فأبى أن يقول به، فحبسه بأمر من الخليفة (3) المعتصم. وقوله : (ماذا عليك …. البيت يدل على حكمة واعتدال وبعد التعصب، وفي ذلك دليل على أن أبا العتاهية كان يؤمن بالله وبكلامه المنزل على رسله، ويقول أنه غير مخلوق، ويهجو من قال بخلقه.
جريدة «السجل» البغدادية، السنة الثامنة عشر العدد (492)، يوم الثلاثاء 25 ربيع الأول 1368 هـ والمصادف 25 كانون ثاني 1949م، (ص 1، 4).


