نبذة
“يستحضر الدكتور تقي الدين الهلالي في هذا المقال مشهداً تاريخياً مؤثراً من معارك الحروب الصليبية، حيث يروي قصة إهداء السلطان صلاح الدين الأيوبي جواداً للملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد بعد نفوق فرسه في المعركة. ومن خلال هذه الواقعة التي سجلتها حتى المصادر الإنجليزية، يبرز الكاتب سمو الأخلاق الإسلامية والفروسية العربية التي أجبرت الأعداء -حتى بعد قرون- على الاعتراف بنبل صلاح الدين وشهامته، مقدماً درساً بليغاً في عظمة التسامح والترفع عن الضغائن.”كيف يشارك رتشارد في ذكرى عدوه لو كان حيا؟ فكيف وقد مضى على موته ما ينيف على 8 قرون وصارت عظامه تحت التراب رميما؟
رويدك أيها القارىء العزيز فعما قريب تسفر لك المسألة عن وجهها، ويزول كل ما ألم بك من تعجب واستغراب:
حقا إن صلاح الدین رحمه الله، ببسالته العربية الإسلامية المحمدية وأخلاقه الكريمة، أفهم الانكليز أن شجاعة رتشارد ومكايده الحربية لها حد محدود تقف عنده، وحال بينه وبين ما كان يشتهي هو وقومه من إنقاذ الأرض المقدسة من أيدي المشركين!!! المحتوية بزعمهم على قبر ربهم عیسی وأراه أن تلك الأمنية العزيزة ليست على طرف التمام كما ظن رتشارد قلب الأسد وكما وعده الأساقفة والقسيسون، وما وعدوه إلا غرورا. ومع ذلك كله فبركة أعمال صلاح الدين رحمه الله استطاعت أن تجعل رتشارد ولو كانت عظامه رفاتا يقول كلمة اضطره كرم أخلاق صلاح الدين أن يفوه بها في الاحتفال بذكراه، وهذه من كرامات الأولياء الحقيقية.
ففي الكتاب الثاني من تاريخ (هاي رودز- المحجة) الانكليزي المقرر دراسته في المدارس الانكليزية ص: 148 قصيدة تتقدمها ثلاثة أسطر نثرا في التعريف بها، وهذا نصها بعد الترجمة، وهي تقريبا لفظية:
(تحفة صلاح الدين)
(صلاح الدین سلطان العرب الذي حارب رتشارد في الحرب الصليبية الثالثة، أُعجب بالملك الإنكليزي وأكرمه غير مرة بعوارفه. والقصيدة التالية تخبرك بإحدى المكارم التي أسداها إلى الملك رتشارد)
(القصيدة)
1- امتطى الملك رتشارد فرسه (فودل) أعظم الخيل فخرا في تلك الحرب. وقد فعل الأفاعيل الهائلة في محاربة العرب يومئذ.
2- بينا هو كذلك إذا بسهم أصاب فودل الفخور فنفذ منفذا عميقا شديدا في حلقومها فخرت صريعة ولفظت الروح وصارت فرس الملك رتشارد كأمس الدابر.
3- فصاح: وداعا أيتها الرفيقة الصديقة الأمينة الصادقة إلى آخر نفَس سأحارب راجلا وقبل الليل سأنتقم لك ممن قتلكِ هذه القتلة القاسية.
4- وكان إذ ذاك صلاح الدين العربي راكضا جواده يجول في ميدان القتال فرأى فرس رتشارد مجندلة ميتة وهو راجل بسيفه وترسه.
5- فقال السلطان لأحد خاصته ائت بجواد من سلالة الخيل الملكية فإن ذلك الملك الانكليزي جدير أن يواصل الحرب فارسا كما كان.
6- ففي الحين رکض الفارس يطير في ذلك السهل وقاد جواداً عربيا جنيبا ثم مضى قدما إلى صفوف الانكليز وثم وقف إلى جانب رتشارد.
7- وقال: (هذا) من صلاح الدين إليك من رجل يريد أن تكون مرفها ناعما تذکار شريف عسى أن تجد فيه بعض السلوان عن فرسك (فودل) الهالكة.
8- فنزع الملك رتشارد قلنسوته من رأسه وقال: أنا أعرف قلب سيدك الملكي. شكري الوافر لصلاح الدين العظيم الحق يقال هو عدوّ نبيل.
9- ولما انتهت تلك الحرب الموهنة وأدب رتشارد مأدبة لخاصته كان مولعاً بأن يحدّثهم بهذه القصة ويحمد شهامة صلاح الدين.
10- وكان يقول: أنتم تسمونه مشركا وكافراً. لا بأس، فليكن كذا لوددت أن كنتُ محارباً إلى جنبه خير من بعض ملوك النصاری یقینا. اهـ.
فناهيك بهذه الشهادة وبهذه المعاملة الشريفة فخراً لصلاح الدين ولسائر العرب الفاتحين الذين هو غصن من دوحتهم العالية فهل رأيت أو سمعت بمثل هذه المكارم في أي أمة من الأمم الحاضرة والغابرة؟
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وفي مثل هذه الشهادة ينشد:
ومليحة شهدتْ لها ضَرَّاتها ** والفضل ما شهدت به الأعداء
لكنو (الهند)
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 321، السنة 7، الخميس 3 شعبان سنة 1351هـ، (ص:8)


