لا تحيى أمة ولا تنهض من كبوتها وتخلع عنها ثوب الضيم والهوان ما لم تقدر لعظمائها أعمالهم و تتخذهم قدوة وأسوة صالحة تقتفيها وتحذو حذوها. فلذلك يجدر بنا أن ننوه بما يشيده عظماؤنا من صروح الفضائل اعترافا بفضلهم وتنبيها للدهماء إلى اقتفاء آثارهم.
ولذلك أردت أن أذكر للقراء الكرام هذه السنة الجديدة التي ضمها الأستاذ العلامة أحد زعماء الإسلام السيد سليمان الندوي إلى مناقبه الكثيرة، ألا وهي مقامه في كلية ندوة العلماء لإلقاء الدروس الثمينة والمحاضرات العالية لتثقيف أذهان طلبتها ومن يحضرها من غيرهم، ومحو ما عسى أن يرتسم في أذهان النشء الإسلامي من صور شبهات وضلالات يجد في نشرها الملاحدة الخونة. ولا أخالني في حاجة إلى التعريف بالأستاذ لأن شهرته طبقت الآفاق الشرقية والغربية أيضا.
كان الحظ الأوفر فيما قامت به ندوة العلماء وکلیتها من نشر العلوم النافعة والأعمال الصالحة لأستاذ الأساتذة في الهند الشيخ شبلي النعماني رحمه الله، وكان الأستاذ السيد سليمان أنجب تلامذته وأعلاهم درجة وأجدرهم بخلافة أستاذه في علمه وعمله، فلذلاء اصطفاه الأستاذ شبلي لإدارة دار المصنفين التي أسسها في أعظم-گر لتصنيف الكتب المفيدة وترجمة ما يحتاج إليه المسلمون من جميع اللغات وطبع الكتب القديمة وإتمام تاريخه الكبير الذي ألفه بلغة أردو واختطفته المنية قبل إتمامه، وفي الوقت نفسه أقامه مقامه في الإشراف على كلية الندوة، فشمر السيد سليمان عن ساق الجد وقام بهذه الأعمال خير قيام، وصدق ظن أستاذه فيه وضم إليها أعمالا جليلة أخرى سجلها التاريخ له محفوفة بالشكر والثناء، منها تأسيسه لمجلة “معارف” وهي أرقى مجلة جامعة بين علوم الدين وعلوم الأدب والعلوم الكونية في جميع الأقطار الهندية وبلغت المجلة من الرواج والانتشار وکسب ثقة الخاصة والعامة ما لم تضاهيها فيه أي مجلة أخرى فيما وصل إليه علمي. ثم إنه من حين إلى آخر يقوم برحلات وجولات في بلاد الهند والسند الواسعة يعلي فيها أجياد المحافل بدرر المحاضرات القيمة التي يحضرها الفئام من الناس. ولم تكن رحلاته مقصورة على البلاد الهندية بل مسافر إلى الحجاز ومصر والقسطنطينية وأوربا مع زعماء الهند في خدمة الإسلام إلى ما ألفه من الكتب القيمة، ولا يزال يكتب ويؤلف بارك الله في حياته.
وكان يزور كلية الندوة في كل شهرين مرة فيتفقد أحوالها ويصلح شؤونها ثم يرجع إلى مستقره في أعظم گر. وفي هذه السنة رأى أن طلاب الكلية في حاجة إلى دروسه الثمينة، وأن المحاضرات التي يلقيها عليهم أحيانا لا تروي غليلهم ولا تشفي عليلهم؛ فعزم على الإقامة في كلية دار العلوم زمانا تسمح له به أشغاله الكثيرة لمباشرة إلقاء الدروس والمحاضرات، فقدم لكنو في أوائل أكتوبر الماضي. وباشر هذا العمل المبرور وصار يدير المجلة “معارف” وأعمال دار المصنفين بالمراسلة. وقد تكون دهشتك عظيمة أذا أخبرتك أن الأستاذ لا يبغي على هذه الأعمال كلها أجرة إلا من الله تعالى، وكذلك ناظر الكلية الدكتور السيد عبد العلي وخازن صندوقها وسائر أعضاء إدارتها، ما منهم أحد يأخذ على عمله أجرا.
وقد رغب أحد ملوك الهند إلى السيد سليمان أن يتولى منصبا في حكومته راتبه ألف روبية (نحو 75 جنيها انكليزيا) مشاهرة فلم يقبل واعتذر بأنه لا يمكنه التخلي عن العمل في كلية الندوة ودار المصنفين، ولا يجد من يغني غناءه فيهما.
ذی المعالي فليعلون من تعالى ** هكذا هكذا وإلا فلا لا
لكنو (الهند) 16 جمادى الثانية 1350
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة «الفتح» المصرية، المجلد السادس، عدد (277)، بتأريخ 9 رجب 1350هـ 240


