ملخص
“يقدم الدكتور تقي الدين الهلالي في هذا المقال رؤية إصلاحية شاملة لنهضة الأمة، داعياً بحماسة إلى نشر وتعميم كتاب الأمير شكيب أرسلان ‘لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم’ وجعله منهجاً دراسياً وتربوياً. كما يطرح اقتراحاً استراتيجياً بضرورة إحياء اللغة العربية وتوحيدها كلغة للدين والعلم والسياسة بين شعوب العالم الإسلامي، معتبراً إياها الوسيلة الوحيدة للتعارف والتعاون الحقيقيين وتجاوز عقبة التشتت اللغوي التي تعيق وحدة المسلمين.”خطر ببالي أن أعرض هذين الاقتراحين على إخواني المسلمين قراء صحيفة (الفتح) الغراء لما أرى فيها من الفائدة العظيمة:
أولهما أنه يتحتم على كل من شرفه الله بالجهاد في سبيله لِكَفِّ عادية أعداء الإسلام أن يسعى في نشر مقال رئيس المجاهدين الأمير شكيب الموسوم بـ (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم). فينبغي أولا أن يعتني بتصحيح المقالة وضبط ما يحتاج إلى الضبط منها بالشكل التام ليستوي في قراءتها اللغوي والعامي والصغير والكبير وينبغي أن تطبع بحروف واضحة طبعا نظيفا وتكثر نسخها حتى تكون عند كل مسلم يحسن القراءة، نسخة لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء والصغار والكبار، ويتنافس أغنياؤها في شراء هذا الكتاب وتوزيعه على الفقراء المعدمين الذين لا يستطيعون إلى شرائه سبيلا، وينبغي للمدرسين في المدارس الإسلامية قولا وفعلا أن يدرسوه للطلبة في جميع الفصول ويجعلوه داخلا في الامتحان دخولا أوليا، وينبغي للخطباء أن يخطبوا به مدة طويلة، يكررونه ويحللونه ويشرحونه ويضربون الأمثال للناس إلى أن يعلق بأذهان العامة ويرسخ فيها. ولا أرى بعد كتاب الله وحديث رسوله أنفع للمسلمين من درس هذا الكتاب، مع أن الكتاب لم يخرج عما دل عليه الكتاب والسنة بل جميع ما فيه مأخوذ منها إما لفظا أو معنى، ثم بعد أن ينشر النشر اللائق به بلغة القرآن والإسلام ينبغي أن يسعى في نشره بكل لغة يتكلم ويكتب بها جماعة من المسلمين كلغات الهند والتبت والتركستان والصين وبخاری وقازان والترك والسودان والجارى وغيرها.. وقد سعيت في ترجمته إلى لغة أردو فترجم وتبرع أحد المجاهدين بنقود لنشره، وجاء أوان سفري إلى العراق قبل أن نشرع في نشره وأنا عازم على الاستمرار على العمل لنشره بعد رجوعي إلى الهند إن شاء الله تعالى(1).
الاقتراح الثاني
على أمير البيان وأمام المجاهدين الأمير شكيب أرسلان فأقول: يا جناب الأمير إن بين جنبي همََّا نابغيا ملك عليَّ شعوري لما له من الخطر، ولما أرى في إهماله من إخفاق المجاهدين العاملين لاتحاد المسلمين وإیقاظهم، وذلك هو إحياء اللغة العربية وجعلها لغة الدين والعلم والسياسة بين جميع المسلمين.
لا يتعاون المسلمون إلا بعد التعارف، ولا يتعارفون إلا إذا اتَّحَدَتْ لغتهم في الدين والعلم والسياسة.
من المعلوم الذي لا ريب فيه أن التواصل ببعث الوفود قد صار في حكم المستحيل لأمور: منها ضعف همم المسلمين، ومنها أنهم أسرى في أيدي الأجانب فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة في بلادهم إلا بإذنهم فضلا عن السفر إلى لقاء إخوانهم المسلمين في سائر الأقطار، ولو هَمَّ وفد من المسلمين أن يسافر إلى قُطْر من بلاد المسلمين لقامت قيامة دول الاستعباد لا الاستعمار ورموه بكل حجر ومدر من ثورة واشتراكية وبلشفية ومؤامرة ونحو ذاك، وهب أنه سمح لهم ببعث الوفود فبأي لسان يتبادلون أفكارهم، وعجز الزعيم “شوكت علي” عن الجواب بلغة القرآن لا يزال القراء منه على ذكر.
فلم يبق للمسلمين نَفََس يتنفسون به إلا هذا العدد القليل من الصحف الإسلامية، على أن يد الاستعباد توضع خلالها إيقافا وتعطيلا وخنقا لحريتها، فهذه صحيفة جمعية الهداية الإسلامية وهي الصوت المسلم الوحيد في العراق عطلت تعطيلا نهائيا في سنة واحدة ثلاث مرات إرضاء للمنفرين من النصارى والملاحدة السفهاء: ظهرت أولا باسم (الهداية الإسلامية) فعطلت، ثم ظهرت باسم (صدى الإسلام) فعطلت ثم ظهرت باسم (تنوير الأفكار) فعطلت ثم ظهرت في الأسبوع الماضي باسم (الاعتصام) ولا أدري ما يفعل بها بعده، بل بعد كتب ما تقدم عطلت أيضا.
وإذ لم تبق للمسلمين وسيلة تعارف وتعاون يتبادلون فيها آلامهم وآمالهم إلا الصحف فينبغي لنا أن نهتم بنشرها فيما بينهم. إلا أننا نجد أمامنا عقبة كؤودا هي التي حملتني على كتابة هذا الاقتراح ألا وهي اختلاف لغات المسلمين وجهل كل أمة منهم لغة الأمم الأخرى، فبلاد الهند من أوسع البلاد التي يكثر فيها المسلمون، ولهم من الغيرة على دينهم والحمية ما هو مشهور، ولكن اللغة العربية ماتت عندهم منذ زمان، فلا يوجد بين علمائهم من قرأ صحيفة (الفتح) مثلا إلا قليل. هذا في العلماء فكيف بغيرهم. وقد كتب إليَّ العلامة السيد رشيد رضا حفظه الله يسألي عن مقدار تأثر المسلمين في الهند بالنكبة البربرية، فأجبته أن أهل الهند لم يعلموا بوقوع تلك النكبة فضلا عن أن يتأثروا بها فلم يطلع عليها إلا القليل منهم، ولذلك انبعثت الاحتجاجات من جميع أقطار المسلمين إلا من الهند فلم يظهر منها إلا شيء ضئيل في مالابار، وسبب ذلك هو الجهل باللغة العربية لا غير، ولولاه لقام المسلمون في الهند باحتجاجات واسعة ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر، فالدعوة إلى أمر ما بغير لسان أردو أو الانكليزية لا تصادف إلا الإخفاق، وقد بلیت اللغة العربية بجماعة من العلماء شرعوا يترجمون كتب العلم منذ مائة سنة فبدءوا بالقرآن ثم بالتفاسير ثم كتب الحديث والفقه والعقائد والتصوف. ثم جاء من بعدهم خلف جعلوا همتهم في الترجمة فزادوا في الطين بلة وظنوا أنهم يمكنهم الاستغناء عن اللغة العربية بما ترجم منها فترجموا كتب الأدب أيضا. فبعيني رأيت المدرسين يدرسون المعلقات والحماسة والمتنبي بترجماتها، وههنا مدارس عربية اسما تنفق عليها أموال طائلة ولا يوجد في مدرسيها – وهم يدرسون شعر الجاهلية والإسلام وكتب البلاغة – من يستطيع قراءة صحيفة (الفتح) وفهم معانيها إلا النادر، لعقم التعليم وجعله باللغة الأردية.
ومنذ حللت بهذه الكلية (كلية ندوة العلماء) وأنا جاد في تنبيه الناس إلى تعلم اللغة العربية بالعربية من أول درس تعلما صحيحا في مجالسي ودروسي وخطب الجمعة وقد أخذوا يشعرون بما نبهوا له. وقد تبين لي أن التمسك بالإسلام مع فقد اللغة العربية نفخ في رماد وضرب في حديد بارد.
فألتمس من جنابكم كتابة مقالة ضافية تقيمون فيها الأدلة الكافية على أن نهضة المسلمين وتعاونهم واتحادهم كل ذلك يتوقف على توحيد لغة الدين والسياسية، وتبطل فيها ما يزعمه بعض الأغرار من أن الترجمة تغني عن العربية التي هي لغة القرآن والرسول ودول الإسلام التي بلغ مجدها الفرقدين، وأن اللغة العربية لم يصبها عشر ما أصاب العبرانية من التلاشي، وهؤلاء بنو اسرائيل على تشتت شملهم قد أحيوها. وتفنيد قول من يزعم أن نشر اللغة المحمدية بين جميع المسلمين حتى تكون لغة الدين والسياسية بينهم من المحال. والله يجازيكم عن المسلمين بأحسن الجزاء.
الزبير في 24 المحرم 1350
محمد تقي الدين الهلالي
أستاذ اللغة العربية في كلية ندوة العلماء
— — —
1- (الفتح). لقد علم القراء ما نشرناه قبل أن هذا الكتاب النفيس طبعته مطبعة المنار، وأن منه نسخا في إدارة صحيفة الفتح، وثمن النسخة خمسة قروش غير أجرة البريد.
مجلة الفتح: العدد 258، السنة 6، الخميس 23 صفر سنة 1350هـ، (ص:4)


