ملخص
“يستعرض هذا المقال تاريخ الاستعمار الفرنسي في دول شمال إفريقيا (الجزائر، تونس، والمغرب)، كاشفاً عن السياسات القمعية والمخططات الرامية لطمس الهوية الإسلامية وتفكيك البنية الاجتماعية لهذه الشعوب، كما يسلط الضوء على ازدواجية المعايير التي انتهجتها فرنسا في التعامل مع مختلف الطوائف، منتقداً في الوقت ذاته حالة الجمود التي اعترت بعض النخب الوطنية، وداعياً إلى اليقظة ومواجهة الأطماع الاستعمارية المستمرة.”لما خلط المسلمون في دينهم ومالوا إلى الدعة وأعرضوا عن سيرة أسلافهم وضيعوا المفروض ـ ومن أهمه الجهاد والرباط والدعوة إلى الحق – أخذت الأمم تلتهمهم قطر بعد قطر. ولشقاوة أهل المغرب الأقصى والأوسط کانوا من حظ شر المغيرين وأجشع المبتلعين المفترسين ألا وهم الفرنسيون . فافترسوا الجزائر وانتزعوها من أيدي الترك الذين كانوا قد تغلبوا عليها زمانا منذ أكثر من مائة عام وهم يذيقون أهلها أنواع العذاب، وقلت أهلها بمعنى المالكين الشرعيين لها لا بمعنى السكان. فأهلها هم المسلمون من العرب وبني مازيغ المستوطنين بها عند أحقاب. ومن عجائب الخبث والكيد أن الفرنسيين على ما فيهم من طيش و غرور وضيق عطن وغطرسة يتسامحون قليلا مع من وقع في قبضتهم بشرط أن لا يكون مسلما. وسواء أكان وثنيا كبعض السودان الفرنسي أم يهوديا كيهود الجزائر أو بروتستانيا أم غير ذلك. أما مع المسلم فقد عاهد كل فرنسي نفسه عهدا لا يخلفه أبدا أن لا يبقي على إنسان يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن يتفنن في تعذيبه ولا يدخر في ذلك وسعا. ومما يوضح لك ذلك أن الفرنسيين لم يلبثوا في الجزائر إلا أربعين سنة حتى فرقوا بين اليهود والمسلمين، فرفعوا العذاب عن اليهود وساووهم بأنفسهم، وضاعفوا العذاب على المسلمين ولم يزالوا ولن يزالوا كذلك إلا إذا وقع المحال واتفق مسلمو الجزائر وصدقوا الله في منابذة العدو. ومن شواهده أن الفرنسيين أعطوا للسنغاليين من الحقوق منذ زمان ما لم يعطوه ولا يريدون أن يعطوه مسلمي الجزائر حتى الآن. ووالله لو ارتد أهل الجزائر (أعاذهم الله) لبادر الفرنسيون إلى تخفيف العذاب عنهم . ولا تظن أن هذا حدس وتخمين فدونك البرهان:
منذ زمان طويل أخذ الفرنسيون يبذلون جهودهم في إخراج أهل الجزائر من الاسلام فسنوا قانون “اندجينه”، أي القانون الوطني، وشرح هذا القانون الشيطاني يطول خطبه، وإجمال القول فيه أنه جمع ألوان العذاب المهين، وسنوا إلى جانبه التجنس، فمن تجنس بالجنسية الفرنسية – أي ترك دينه وأمته، هذا معنى التجنس، والا الجزائر كلها محكوم عليها بأنها فرنسية وجميع الواجبات على الفرنسيين ملقاة مع أضعافها على كواهل أهل الجزائر دون أن يكون لهم ولاحق واحد إلا سد الرمق ليعيشوا لخدمة فرنسا – فمن تجنس يرفع عنه العذاب في الحين، وهاهم الآن يصرحون لأهل الجزائر أنهم أقسموا بشيطانهم جهد أيمانهم لا يعطون الجزائريين حق الانتخاب إلا إذا تركوا ما بقي عندهم من الإسلام، وهو الزواج والطلاق والميراث. أما اليهود والكاثوليكيون والبرونستانيون فإن أديانهم محترمة ولهم الحق أن يتحاكموا إليها في هذه الأمور لا إلى القانون العام الفرنسي، ولا يضيرهم ذلك وحقهم موفر كامل.
إغارتهم على تونس
ثم أغاروا على تونس منذ ما ينيف على خمسين سنة، وسموا استيلاءهم عليها حماية. وقد صدقوا فهو حماية لهم ومنع من كل خير. وبمجرد تغلبهم انتشروا في أرضها مثل الجراد كعادتهم في كل بلد يحلونه، وجلبوا المعمرين لبيوتهم المخربين لبيوت الوطنيين – لا من الفرنسيين فقط بل من جميع الأوربيين ـ وشجعوهم وأعانوهم على اغتصاب أراضي الوطنيين وظلمهم واضطهادهم، وفي برهة قصيرة استولوا على كل شيء من حكم وزراعة وتجارة وصناعة، أقول “وصناعة” لأنهم يحرمون على الوطنيين كل صناعة تزاحم صناعاتهم. ولا يزالون إلى الآن يعذبون أهلها.
إغارتهم على مراكش
كان بقاء مملكة مراكش حرة سالمة شجى في حلوق الفرنسيين وما زالوا منذ استولوا على الجزائر يكيدون لها سرا وعلنا حتی استيلاؤهم عليها منذ نحو خمس وعشرين سنة. وكان استيلاؤهم عليها أنهم خدعوا السلطان في ذلك الوقت مولاي عبد الحفيظ (الذي مات بباريس في هذا الأسبوع غريبا طريدا) فقبل حمايتهم فجمعوا جموعهم من جنودهم وفرقة الجنود المختلطة من صعاليك العالم وجزائريين وسينغاليين وصينيين (هندو شين) وزحفو إلى المغرب فأخذوا يفتحون كورة بعد كورة وناحية بعد ناحية يجتمعون على ناحية واحدة بجميع من ذكر من الجنود ويقطعون عنها المواد والماء ويسلطون عليها القذائف من السماء والأرض ولا يرحمون إنسانا ولا بهيمة إلا أرسلوا عليها قذائفهم، فإذا غلبوا على ناحية أباحوها لجنودهم ثلاثا ثم جمعوا أشرافها وأخذوهم إلى خدمة “الكرفي” ثلاثة أيام. وخدمة الكرفي كنس الأقذار والأزبال إعانة لهم. ثم عاقبوهم بغرامة ثقيلة جدا يأخذونها حتى من قوتهم اليومي. وأما الزعماء والرؤساء فيقتلون رميا بالرصاص. وقد تم فتحهم لها في هذه المدة، إلا شيئا قليلا في الجنوب الغربي لا يزال إلى الآن لم يفتح.
سموا هجومهم على مراكش (حماية) وكتبوا بذلك عهودا وعقودا أن لا يتدخلوا في حكم البلاد الداخلي بأي وجه من الوجوه ولما تمكنوا نقضوا عهوده واستولوا على كل شيء – حتى المساجد والأوقاف – وعرفوا أهل المغرب جميعا عن الحكم. بل وصل بهم الأمر إلى أنهم حجروا على السلطان فلا يزوره أحد إلا بإذنهم.
فالحكم الفرنسى شيء واحد وهو الخنق والاضطهاد لا يختلف معناه وإن اختلفت أسماؤه . وأنا أريد فضيحة أمة سلطت عليها فرنسا فالإنكليز إذا هجموا على بلد وسموا هجومهم (حماية) يتركون لعهودهم ولحمايتهم سترة ضئيلا، ولا كذلك الفرنسيون فإنهم يهتكون كل ستر ويفضحون من ابتلى بهم فضيحة تامة ومهما عملوا من تعذيب وصلب فهم عطاش إلى الزيادة، لا يزالون يتلاومون عليها، بلوم بعضهم بعضا على التقصير في ذلك.
إلغاء جمعية العمل الوطني بمراكش
في هذا الأسبوع ألفت فرنسا جمعية العمل الوطني في المغرب، وزعمت أن وجودها ضار مصلحة فرنسا، وهذا هو الذي حملني على كتابة هذا.
قبل شهرين قام بعض الناس في المغرب مظاهرات احتجاج وخنق حريتهم، فهم ممنوعون من الاجتماع والصحافة منها الأنواع الخنق الاخرى – كعدم السماح لأحد بالسفر من بلد إلى در داخل الوطن الا واز:- يطول شرحها، فقبض على مئات منهم وألقوا في السجن أياما ثم أخرجوا ووعدوا بإجابة بعض مطالبهم وعجل لهم إباحة تأليف الجمعيات وإنشاء الصحف بإذن الفرنسيين طبعا فأنشأوا صحيفتين أحدهما بالفرنسية والأخرى والعربية وقد رأيت الصحيفة التي بالعربية فوجدها لا تزيد على البكاء في حيطة وحذر أبرد من الثلج مع ما فيها من مدح الظالمين وتعظيمهم وهذه الجمعية على برودتها و خودها وحذرها لم تبق إلا أقل من شهر وقد ألغيت. والآن ذكرت كلمة حكيمة سمعتها من رجل حكيم عليم بأسرار الطبع الفرنسي قال لا فض فوه “فرنسا كالجوزة لا يوصل إلى لبها إلا بكسرها” ولقد صدق والله، وليس اللوم على الفرنسيين فذلك دأبهم وطبعهم، ولقد صدق الانكليز الذين يقولون أن للفرنسيين في الاستعمار سياسة خرقاء وأنهم منذ قرنين يحاولون أن يقلدوا الأمة البريطانية في الاستعمار فيخونهم طبعهم.
إنما اللوم والخزي على القوم الأموات النائمين على الهون في حين أنه لم تبق أمة صغيرة ولا كبيرة مستعمرة أو محمية إلا وهي تغلي غليان المرجل في الدفاع عن نفسها. فهذه الهند تفور والشام وفلسطين ومصر بل وتونس والجزائر أيضا كل يعمل على حسب وسعه لينال العتق أو بعضه وأهل مراكش يهمسون بل قليل منهم فقط يهمس همسا بأن التصرف في الأوقاف والمحاكم الشرعية وانتزاع الاراضي ودفعها للصوص المستعمرين والاستيلاء على الزراعة وغير ذلك مناف لنصوص الحماية، وفرنسا منصفة عادلة كريمة نريد من فضلها وكرمها وأجرها على الله تطبيق نصوص الحماية أو تطبيق بعضها. ومع ذلك يعاقبون على هذا التضرع والابتهال ويقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون، وهم مع ذلك خامدون صابرون في الموضع الذي يقبح فيه الصبر لا يسمع لهم زئير ولا نكير. نسمع ونقرأ في كل يوم أخبار دفاع الأمم المهضومة عن نفسها و مراکش لا يجرى لها ذكر كأن أهلها قد أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم خامدين. هذه فلسطين فيها قبضة من العرب تحاربهم أمتان عظيمتان إحداهما أمة اليهود عظيمة بعلمها ومالها والأخرى بريطانيا وكفى بذكر اسمها. ومع ذلك حركوا أسلاك البرق وشغلوا محطات الراديو وأقلام كتاب العالم وقدروا أن يجعلوا بريطانيا تفكر في أمرهم، وأهل مراکش عشرة ملايين في أغنى بقعة من الأرض يغطون في نومهم. فهل نصلى عليهم صلاة الغائب. ولكن هل تجوز الصلاة على من خذل دينه ووطنه؟
مررت بدمشق في الصيف الماضي وأقمت هناك في ضيافة العلامة المصلح الأستاذ محمد بهجة البيطار 17 يوما فرأيت أهل دمشق كلهم في هياج عظيم: ففي البيوت والأندية والمشارب والأسواق لا تسمع إلا المفاوضة في شأن استقلال البلاد والاستعداد للثورة لأول نبأ يبدو بأن الفرنسيين رفضوا طلب الوفد، وسمعت هناك خطبا من شباب الشام تضطرم نارا سخطا على الفرنسيين وتهديدا لهم وأبراقا وأرعادا، وكتائب ذوى القمصان الحديدية تخترق الشوارع، والفرنسيون نائمون كأنهم غير موجودین يسمعون وكأنهم لا يسمعون و يبصرون وكأنهم لا يبصرون وهیجان الصحف لا يقل عن ذلك. فتسليت قليلا بما رأيت من حماستهم وتوثبهم للجهاد، فلله أبوهم. هذا وأهل الشام حسب التوزيع الاستعماري ـ هم ما عدا لبنان وفلسطين – لا يكونون ربع أهل مراكش في العدد.
و لقد صدق ذلك الشامي المتهور الذي كتب مقالا قال فيه للفرنسيين: أتظنون أننا كأهل مراکش والجزائر وتونس، ولذلك أردتم أن تعاملونا كمعاملتهم؟ ولقد أخطأ ظنكم، فستعلمون أي القوم نحن. نعم قد أغضبني هذا القول حين علمته ولكن الأيام أثبتته، والإذعان إلى الحق حق، فيحق للعالم أن يضرب المثل بأهل المغرب لأنهم وضعوا أنفسهم في منزلة لا يرضى بها أحد سواهم. ومن هانت عليه نفسه كانت على الناس أهون.
منذ هجم الفرنسيون على مراكش وهم ينهبون ويسرقون سرا وعلانية حتى سرقوا الساعات الأثرية القديمة من المساجد والثريات والكتب وكل أثر نفیس وصلت إليه أيديهم. وأخذوا كل ما في المغرب من ذهب وفضة بأنواع الإرهاق والحيل، منها أنهم أجبروا الناس على دفع ما بأيديهم من النقد الحسني والعزیزي زاعمين أنهم يريدون تجديد السكة لتكون للمغرب سكة واحدة، وكانوا يدفعون عوض النقد قراطيسهم البنكية الزائفة ويتهددون من لم يدفع ما بيده من النقد إلى مدة كذا وكذا أنهم يصادرونه متى رأوه. فإذا انقضى الأجل مددوه مرة أخرى حتى لم يبقوا بيضاء ولا صفراء وكنزوا ذلك في بلادهم لينفقوه في مصالحهم. ثم زعموا أن خراج المغرب لا يقوم بنفقاته، وأخذوا يكتبون القروض على الدولة المراكشية التي لها اسم بلا مسمی، والآن لما وقعت المسغبة في مراكش وأخذ أهلها يموتون جوعا أظهروا عطفا كاذبا ووزعوا لقيمات حقيرة على أقل القليل من الفقراء وراحوا يتشدقون بأنهم رحماء محسنون لأهل المغرب. ومن يشك في عطفهم ورحمتهم، وهل جاءوا وتعنوا من ديارهم البعيدة إلى مراكش إلا رحمة لأهلها وبرا بهم !؟ رأوا أن مراکش فقيرة فجاءوا ليرفهوا عيشها. بخ بخ لهذه المروءة. إذا فما معنى سلب الحلي من أعناق النساء وأيديهن وآذانهن، وما معنى الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية وأكلها؟ وما معنى انتزاع كل أرض خصيبة وسلكها في سلك الاستعمار الرسمي مع زعم أن البلاد ليست مستعمرة؟ وما معنى التضييق على الفلاح المراكشي بالضرائب التي لا يشاركه فيها أي فلاح أوروبی؟ وما معنى اغتصاب مياه الري وجعلها بأيدي الذئب المستعمر يتصرف فيها كما يشاء ولا يرسل للفلاح المغربي إلا ما فضل عن سقيه وإن هلكت مزروعات الفلاحين المراكشيين كلها ووقعوا في مجاعة كهذه فلا بأس! وإن ذهب جماعة من الفلاحين إلى رءيس الصوص يستغيثون هاجت اللصوص كلها وماجت وعدت هذه مظاهرة ووقاحة وانهالوا على المراكشيين بالجلد والحبس والسب أيضا. والفرنسيون كما يعمل كل من اتصل بهم سبابون صخابون لا أدري أيوجد من الأوربيين من يضاهيهم في الصخب والشتم أم لا، وما معنى التحجير على المراكشيين حتى في جني غلاتهم إلا في وقت معين يعينه أحد رؤسائهم والفلاح الفرنسي والأوربي حر يجني ثمرته متی شاء؟؟؟ ولو ذهبنا نستقصي ما في هذا الباب من الحيف لطال الخطب.
وبعد فإن الأمر بيد المراكشيين إذا شاءوا أن يغيروا ما بأنفسهم وإن أستحبوا العذاب المهين وخزي الدنيا وعذاب الآخرة فليستمروا في سباتهم، وما ربك بظلام للعبيد.
بن (ألمانيا) 26 المحرم 1356
تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 456، السنة 11، الخميس 11 صفر سنة 1356هـ، (ص:6)


