عرفتُ حال هذه الفرقة الجديدة التي تمخض بها فولدها هذا الزمان المجيب منذ سنين، وما كنت أحفل بشأنها، ولا كنت أظن أني سآخذ القلم في يوم من الأيام لأخطَّ شيئاََ عنها، ولم أزل أقرر -كلما جرى ذكرها- أن وجودها من نتائج الجهل باللغة العربية، والاعتماد على ما يترجمة المترجمون من كتب الدين، وأستشهد على ذاك بأن هذه النحلة لم تجد أُذُنا صاغية في بلاد العرب المتحضرة، مع بذل دعاتها جهودهم في الدعوة، ومع ضعف الدين في هذا الزمان؛ لأن من يعرف اللغة العربية لا يمكن أن يصدق أن القرآن والحديث يدلاَّن على أن غلام أحمد القادياني هو المسيح والمهدي، وأنه نبی ورسول إلى الناس جميعا، وأن علماء العرب والعجم لا يمكنهم أن يأتوا بمثل ما جاء به من معجزات البلاغة في تآليفه العربية، ولم أعنَ بكتابة شيء عنهم حتى في أيام الضجة التي قامت حين نشروا ترجمتهم للقرآن بالانكليزية ومنعت الحكومة المصرية دخولها إلى مصر، ولا في الأيام الأخيرة التي نشطت فيها دعايتهم في فلسطين واستأجروا قلم رجل سوء هو أبو (الحصين) في اسمه وعمله:
وقلما أبصرت عيناك ذا لقب ** إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
فقام بعض علماء مصر والشام والعراق برد شبهاتهم، وكان للفتح من ذلك النصيب الوافر. ولكن تلك الضجات حرکت همتي إلى إعادة النظر في شأنهم، فنظرت فإذا حركتهم أمر مدهش: فإنهم رفعوا أصواتهم، وأجروا أقلامهم باللغات المختلفة، وأيدوا دعوتهم ببذل المال في المشرقين والمغربين في مختلف الأقطار والشعوب، ونظموا جمعياتهم وصدقوا الحملة، حتى استفحل أمرهم وصارت لهم مراکز دعاية في آسيا وأوربا وأمريكا وإفريقية تساوي علما وعملا جمعيات النصارى، وأما في التأثير والنجاح فلا مناسبة بينهم وبين النصارى، فالقاديانيون أعظم نجاحا لما معهم من حقائق الإسلام وحكمه التي يروجون تحت ستارها شبهاتهم ومبتكراتهم في العقائد، بخلاف النصارى فإن بضاعتهم في علوم الدين مُزْجَاة، وخرافاتهم أكثر وأوضح من أن تخفى إلا على البُلْه الذين هم كالأنعام السائمة. والذي يرى أعمالهم المدهشة ويقدر الأمور حتی قدرها لا يملك نفسه من الدهشة والإعجاب بجهاد هذه الفرقة القليلة التي عملت ما لم تستطعه مئات الملايين من المسلمين، وقد جعلوا جهادهم هذا ونجاحهم أكبر معجزة تدلُّ على صدق ما يزعمون، وساعدهم على ذلك موت غيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام.
وقد كتب بعض الأفاضل إلى صحيفة (الفتح) يستعطفها على إحدى فرقتي القاديانيين -فرقة كمال الدين نزيل لندن وإمام مسجد ووکنگ- وينفي عنه أتباع القادياني. فأجابه الأستاذ الحكيم السيد محب الدين الخطيب جوابَ الواقف موقف المنع. ثُم أخيرا كتب سعادة الأمير عادل أرسلان في هذا المعنى مقالا نفيسا، وأقام شواهد على أن كمال الدين وجماعته ليسوا قادیانيین، فلم يغير شيءٌ من ذلك موقف الأستاذ صاحب الفتح مع الأحمدية.
ربما يحيك في النفس أن صاحب الفتح -وهو من أقطاب الاعتدال- قَسا على الأحمدية أو تعصب عليهم، وقد تعجبت من أخذه بالعزيمة واحتياطه في شأن هذه الفرقة إلى هذا الأسبوع. فبينما أنا جالس في إدارة مجلة “الضياء”(1)، إذ رأيت صحيفة للأحمدية الكمالية أعني أتباع خوجه كمال الدين تسمى Light النور، فجعلتُ أقرأ فيها، فوجدتها محتوية على مقالات نفيسة في نصرة الإسلام والدفاع عن النبي ﷺ، وقد كتب على أول صفحة منها بحروف كبيرة ما معناه “دين محمد لا غير” فزادني ذلك عطفاََ عليهم، أضف إلى ذلك أني وقفت على مجلة خوجه كمال الدين ورأيت فيها ما يسرُّ كل مسلم من الجهاد الحقيقي في تنزيه القرآن والرسول عما يعتقده ويشيعه الأعداء. ثم نظرت في باب الرسائل فوجدتُ مقالا طويلا يدعو صاحبه الحكومة الهندية إلى تحريم تعدد الزوجات، ويرمي المعَدِّدين للزوجات بالعظائم. وعلق عليه صاحب الصحيفة تعليقا مؤيدا. فساءني ذلك إلا أني قلت: ربما يكون له مقصد حسن، على أن تعدد الزوجات غير موجود في الهند بطبيعة الحال. ثم نظرت في باب الفتوى فرأيت سؤالا وجوابه فدهشت دهشة عظيمة وقلت: إن وراء الأكمة ما وراءها. ونص السؤال والجواب بعد الترجمة:
(س)- أنتم تعتقدون أن عيسى المسيح كان له أب، ولكن القرآن يقول (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسَسْني بشر ولم أك بغيا. قال كذلك قال ربك هو على هين).. [القرآن سورة 19 آية 20) فأي هذين هو الصواب؟
أمين الدين……
(ج)- کانت مريم حين جاءتها البشارة بغلام لا تزال عذراء. ولما كانت وقفت نفسها على الكنيسة وحرَّم عليها الزواج من أجل ذلك دهشت لهذا النبأ، وأن يقال لراهبة سيكون لكِ ولد، شيء مدهش في الحقيقة. ولما كان الزواج خارجاََ عن المسألة لم يبق سبيل للولد إلا الأمر المحرم، فنفته مريم عن نفسها وقالت أنها حَصَان طاهرة. فلذلك جاء التوكيد من الله أنه سيسهل الأمر أي ستتزوج. انتهى مترجما من صحيفة «لايْتْ» الصادرة يوم 16 سبتمبر الجاري.
وهذا كما ترى تفسير عجيب. وقوله في مفتتح الصحيفة دين محمد لا غير أعجب وأغرب. ولا أدري بماذا يجيب عن قوله تعالى حكاية عن مريم (فأتَتْ به قومها تحمله. قالوا يامريمُ لقد جئت شيئا فَرِيّا. يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيّا) فليت شعري إذا ولدت مريم ولدها (عليهما السلام) وهي ذات بعل فما معنى قولهم لها لقد جئت شيئا فريّا الخ
وأي ريبة في أن تلد امرأةٌ مُتَزَوجة ولدا؟ ولكن إذا لم تستح فقل ما شئت…
إذا رُزق الفتى وجها وقاحا ** تقلَّبَ في الأمور كما يشاءُ
فسبحان الله العظيم، كذلك زينّا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعُهم فينبئُهم بما كانوا يعملون.
ومما يؤسف له أن صاحب هذه الجريدة الأحمدية جعل فيها بابا للفتاوى فترد عليه الأسئلة في العقائد ومسائل الحلال والحرام ويجيب عنها بما يتخيل! ولا ريب أن أكثر السائلين يأخذون أجوبته قضية مسلمة فيعتقدونها ويعملون بها. وهذه إحدى الطرق التي انتشرت بها هذه النحلة، وأكثر السائلين هم من الطبقة المتفرنجة التي لا تقرأ إلا ما يكتب باللغة الإنكليزية.
ثم تناولتُ مجلة للقاديانيين أيضا لكنها للفرقة الأخرى التي يرأسها بشير المعين، وهذه المجلة أهمها “تنقيح الدين The Review of Religion” وهي باللغة الإنكليزية، ولهم أخرى في حجمها بلغة أردو واسمها “تشحيذ أديان” ومصدرها قادیان بلدة من بنجاب (الهند)، وهي كذلك مشحونة بالمقالات في مختلف العلوم وأكثرها مقالات دينية فيها بیان مزايا الإسلام ومعجزات النبي ومكارم أخلاقه وشمائله السَنِية، وفي آخرها ترجمة فاتحة الكتاب وتفسيرها تفسيرا مطولا، ورأيت في آخر صفحة منها ما ترجمته:
حركة الأحمدية
حركة الأحمدية أنشأها حضرة أحمد المسيح الموعود والمهدى والرسول المتوقع لجميع الأمم!! The Promised Missiah and Mehdi and the expected Messenger of all nations
ثم قال: جاء في روح جميع النبيين السابقين، وقوة جميع النبيين السابقين، ليخدم ويبين تعاليم الله الأخيرة الخالدة التي وضعها في القرآن. فهذه الحركة تمثل الإسلام الخالص الحقيقي وترقي البشرية وتقرُّ السلام في العالم كله. مات أحمد سنة 1908 ورئيس الحركة الأحمدية الحالي هو خليفته الثاني حضرة بشير الدين محمود أحمد الذي يدير شئون الإرساليات القائمة بالحركة الأحمدية في كثير من أقطار العالم، وهذه عناوين بعض المراكز:
لندن (انكلند). شيكاغو (أمریكا) والبحيرة المالحة على ساحل الذهب (افريقية). نيجريا (افريقية). روزهل (موتیوس) برث (استراليا). نيروبي (كينيا). حيفا في (فلسطين). بتافيا (جاوه) بادنك (سومترا).
فهذه الحقائق تنفي ما يتوهم من تشدد صاحب الفتح مع فرقة الأحمدية، وتثبت أنه أعلم بحالهم وأن موقفه كان موقف حكمة وصواب.
ورأيت أن كلتا الفرقتين تسميان بالأحمدية، ولا ينقضي عجبي من هؤلاء الرجال الذين بلغوا في علو الهمم والعلوم الكونية مبلغا لم تبلغه حتى الآن أية فرقة إسلامية كيف انخدعوا ما اخترعه غلام أحمد القادياني من الحيل والمخارق؟
هل يستفيد الإسلام من الحركة القاديانية؟
هذا سؤال خطر ببالي بعد الوقوف على مبلغ هذه الحركة. وجوابي عنه أن الإسلام يستفيد ويتضرر في وقت واحد من أعمال هذه الفرقة. أما ضرره فمن العقائد الباطلة التي ينشرونها، وأما نفعه واستفادته فلأن أھل أوربا وأمريكا وكثيرا من أهل الشرق غير المسلمين لا يعرفون من دين الإسلام وسيرة نبي الرحمة عليه السلام إلا أساطير خلقها تعصب القديسين الأعمى وزادتها الحروب الصليبية التي لا تزال آثارها تهدم صرح الإسلام حتى الآن وأكثر المسلمين غافلون لا يعملون شيئا من ذلك، وأكثر المطلعين في التاريخ من المسلمين يظنون أن الحروب الصليبية كانت فبانت وانمحى أثرها، والملحدون الخائنون يزعمون تأييدا لسادتهم القسيسين الأوربيين والفاتحين الأوربيين أن الحروب الصليبية وقعت حين كان الأوروبيون منحطين متمسكين بالخرافات الدينية، وأما الآن جميع الأوربيين يرون الحروب الصليبية همجية وخرافات، والله يعلم إنهم لكاذبون. ثم أهل العلم يعلمون أن الحروب الصليبية لا تزال نيرانها مشبوبة في قلوب الأوربيين إلا النادر منهم، ومن ارتاب فليراجع كتب التاريخ والقصص التي تدرس الآن في مدارس الأوربيين لا في بلادهم فقط، بل في بلادنا أيضاََ، يرى بعينه أكثر مما نقول.
وقد ترجم أخيرا بعض المجاهدين الصادقين فقرأت من كتاب التاريخ الذي يدرس في فلسطين نفسها ونشر ذلك في (الفتح) (2) فانكشف بذاك بعض ما يمكرون. ومن وقف على أدنى شيء من كتب التاريخ الإنكليزية يرى من ذلك شيئا كثيرا فوق ما يتصور.
أفلا يجب على المسلمين والحال هذه أن يزيلوا عن أذهان أھل أوروبا وأمريكا تلك العقائد الفاسدة التي يعتقدونها في دينهم ونبيهم؟
هذا فرض على أمراء المسلمين وعلمائهم وأغنيائهم وفقرائهم أيضا؛ فمن ذا الذي يقوم اليوم بتبديد تلك الأوهام؟ لا أحد إلا القاديانيون وحدهم، هم الذين يبذلون في ذلك الأموال، الأنفس ولو قام المصلحون يصبحون حتى تبح أصواتهم ويكتبون حتی تنكسر أقلامهم، ما جمعوا من الأموال والرجال في جميع الأقطار الإسلامية عشر ما تبذله هذه الشرذمة القليلة. ألا ترى أن العسكري الذي يساق من أوربا إلى ديار المسلمين ليبیدهم وهو متشبع بعقائد السوء التي تشرَّبها مما ينشره أعداء الإسلام من القبائح والمفتريات التي إذا سمعها المسلم الصادق تُظلم الدنيا بين عينيه ولا يسوغ له طعام ولا شراب، إذا قدم الجندي على تلك الحال يكون شره أعظم وتدميره أكثر لأنه يعتقد أنه منقذ للإنسانية ومحسن لجميع البشر بإبادة أهل الإسلام، بخلاف ما إذا سيق لذلك وهو عارف حقيقة الإسلام وسيرة النبي عليه السلام فلابد أن يوبخه ضميره -إن قليلا وإن كثيرا- على ما يرتكبه من إهلاك المسلمين.
لا يقال إذا دخل الأوربي أو الأمريكي في مذهب القاديانية أو بقي نصرانيا فذلك سواء ما لم يسلم إسلاما حقيقيا، لأنا نقول يكفينا أن يزول من قلوب جمهور الأوربيين ما علق بأذهانهم من تشويه سمعة الإسلام، سواء أسلموا إسلاما صحيحا أو فاسدا. إذََا فلا ينبغي لنا أن نهمل حركة القاديانيين بل ينبغي أن نتتبعها باهتمام فنقرَّ منها ما كان حقا ونهدم ما كان باطلا وأنى لنا ذاك وقد عجزنا عن النفقة على (الفتح) و(المنار) وأمثالهما مع اعتقادنا أن هذه الصحف وما أشبهها كالروح لجسد الإسلام ولكن ضعف إيماننا وتخاذلنا هو الذي أوصلنا إلى هذه الخسة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لكنو (الهند)
محمد تقي الدين الهلالي
———-
(1) (الفتح) إن مجلة الضياء رصيفة عربية شهرية جديدة صدرت في هذا العام بمدينة لكنو (الهند) لمنشئها صديقنا الفاضل مسعود عالم الندوي، ويشرف على تحريرها العلامتان العظيمان: السيد سليمان الندوي رئيس جمعية دار المصنفين وخليفة مولانا السيد شبلي النعماني مؤسس دار الندوة، والسيد محمد تقي الدين الهلالي الذي عبق أريج فضله في بلاد العرب والعجم. وقد تأخرنا في التنويه بهذه المجلة، وسننتهز لذلك في فرصة أخرى.
(2) العدد 304.
مجلة الفتح: العدد 315، السنة 7، الخميس 20 جمادى الأخرة سنة 1351هـ، (ص:8)


