بين الكتاب الفرنسيين والكتاب المسلمين
حقائق علمية مهمة لم يسبق نشرها
المراد بالعرف هنا قوانين سنت لبلد أو قبيلة واصطلح عليها أهلها. لقد كتب كثير من الكتاب الفرنسيين من جهة والمسلمين من جهة أخرى في موضوع العرف البربري المسمى باللغة البربرية (إيزرف) فزعم الفرنسيون أن إیزرف شريعة بربرية موروثة من قبل دخول الإسلام إلى إفريقية لم يزل البربر يتحاكمون إليها حتى يومنا هذا ولم يذعنوا قط الشرع الإسلامي ولا رضوا به وإن الزمهم به بعض سلاطين الدولة المراكشية العربية في القرون المظلمة قرون الجور والاستبداد، فكيف يليق بفرنسا أم المدنية ومنبع الحريات والعدل والإنصاف أن تلزم هؤلاء البربر المساكين بالشرع المحمدي في عصر النور وهم له كارهون. ثم إن فرنسا حين بسطت حمايتها على المغرب الأقصى وجدت هؤلاء البرابر عصاة خارجين عن سلطة السلطان فردتهم إلى الطاعة بجيوشها الجرارة، وتحملت في ذلك خسائر غير قليلة. فكيف يحسن في نظر المنصف مع ذلك أن يرى فرنسا تجبر البربر على التحاكم الى غير شريعتهم الموروثة عن آبائهم وهم لا يبغون بها بدلا؟ وكيف يليق بأم الحريات أن تجبر شعبا يعد بالملايين ويعمر أغلب القطر المراكشي المترامي الأطراف على الخضوع لسلطان عربي وشرع عربي لم يزل البربر منذ 14 قرنا إلا خمسين عاما يقاسون الأمرَّين تحت نير استعباده؟ أما آن لهم أن يتخلصوا من هذا الرق الممقوت ولا سيما وهم جميعا تحت راية الأم الحنون؟
وقال كتاب المسلمين: على رسلكم أيها الخاتلون الماكرون، أتظنون أن المسلمين بلغوا في الغباوة إلى حد يجوز عليهم فيه هذا المكر الكبار والخداع المبين؟ قد ضلوا إذا وما كانوا من المهتدين. فتح المسلمون -وهم خير الفاتحين- بلاد المغرب كغيرها مما فتحوا، ونشروا فيها لواء المدنية والعدل وأخرجوها من الظلمات إلى النور، فأقبل البربر يدخلون في دين الله أفواجا كغيرهم من الأمم التي تشرفت بالدين الحنيف – دين إبراهيم وموسى وعيسى- بل ما دخل فيه العرب أنفسهم بعد أن كانوا عنه معرضين. ومنذ آخر القرن الأول الهجري والمسلمون جميعا -عربیهم وبربريهم- أمة واحدة لم يذكر التاريخ قط أن واحدا منهم ارتد بعد إيمانه ولا استبدل شرعا أو عرفا بشرعه، ولا خطر في قلب أحد من البربر ذلك وقد أعاذهم مما زعمتم.
ولنضع أمامكم شاهدا واحدا من الشواهد اليقينية التي تفند دعاويكم وتقوض دعائم بهتانكم ألا وهو المدرسة العنانية التي يزورها كل سائح وهي قائمة في قلب مدينة فاس مكتوب عليها من النقوش بحروف عربية ولسان عربي مبين ما يخجل هؤلاء الكتاب الماكرين لو أنهم يستحون. من شيد تلك المدرسة الباهرة يا ترى؟ لا حاجة إلى أن نبحث عنه في كتب التاريخ، قف عند باب المدرسة وارفع رأسك وانظر تر اسم (أبي عنان المريني) مسطورا على جبين جدارها يقرؤه كل من يعرف حروف الهجاء وعنده من قوة البصر ما يبصر به طريقه، لأنه مكتوب بحروف كبيرة واضحة. والدولة المرينية من البربر ولهم من المساجد والآثار الإسلامية في بلاد المغرب ما يكاد يساوي آثار العرب. وتاریخ جهادهم في الأندلس في أوربة نفسها عندكم لا في إفريقية وإقامتهم للشرع الإسلامي وقيامهم به خیر قیام وتآليفهم النفيسة في فنون العلم ما هو مخلد في الدفاتر مترجم إلى جميع اللغات التي عنيت بترجمة العلوم والفنون. وهنالك شاهد آخر لا أستطيع إغفاله على ضيق المقام إلا وهو الثريا الصفرية التي في الجامع الكبير بمدينة تازى التي تبعد عن مدينة فاس إلى الشرق بميلة إلى الشمال نحو 155 كيلومتر، وهذه الثريا رأيتها معلقة في وسط المسجد المذكور في سنة 1340 وهي كبيرة جدا مكتوب عليها بحروف ناتئة أبيات لا أذكر منها إلا ثلاثة وهي:
أنا الثريا التي تازی بي افتخرت
على البلاد فيها مثلي الزمان يرى
أفرغت في قالب الحسن البديع كما
شاء الأمير أبو يعقوب إذا أمرا
في عام أربعة تسعون تتبعها
من بعد خمس من المئين قد ذكرا
فمن هو هذا الملك الذي ترك هذه الآية الصامتة الناطقة؟ هو أحد ملوك البربر يوسف بن عبد المؤمن الشهير، وفي ذلك الجامع رأينا غرفة الساعات ولقينا هناك الشيخ عبد الرحمن التازي المؤقت وأخبرنا بتواريخ الساعات وأسماء الملوك الذين أهدوها، ثم تنهد وقال لنا: أن أحد الحكام الفرنسيين نهب أحسن الساعات وأقدمها وأخذها من المسجد بلا حياء وبعثها إلى فرنسا غنيمة باردة.
ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول: أيها الكتاب الفرنسيون المهذبون المتمدنون هب أن رجالكم هدموا جميع الآثار الإسلامية البربرية التي تركتها دول البربر في المغرب من الملثمين والموحدين والمرينيين وغيرهم وقوضوها ولم يبقوا ولم يذروا كما هدموا بمدافع عيار 75 قرى أهل “تافيلالت” على رؤوسهم ورؤوس أطفالهم حتى اضطروا من بقي حيا منهم أن يسكنوا في المغارات.
فهل في إمكانكم أن تجمعوا التواريخ من خزائن الأرض كلها في مشارق الأرض ومغاربها وتمحوا منها آثار دول البربر الإسلامية؟ أم أنتم قوم تلبسون وتشبهون، وإذا بلغت الشبهات إلى هذا الحد فإنها لا تزيد على أن تجلب للمشبه هزؤ الهازئين وسخرية الساخرين. وهل حجتكم هذه في تنصير البربر أقوى من حجة أبي جعدة على الحمل المسكين حين أراد افتراسه، وكأن الشاعر العربي عَنَاكُم بقوله:
وكنت كذئب السوء إذ قال مرة
لبهم رعت والذئب غرثان مرمل
ألست التي من غير شيء شتمتِني
فقالت: ولدت العام، بل رُمْتَ كذبة
فهاك فكلني، لا يهنّيك مأكل
وكأن ذلك الشاعر وصف شفقة الأم الحنون بقوله:
وكنت كذباح العصافير دائبا
وعيناه من وجد عليهن تهمل
فلا تنظري ليلى إلى العين وانظري
إلى الكف ماذا بالعصافير تفعل
كذلك كانت حجتكم وكذلك كانت رحمتكم وشفقتكم على أهل المغرب كذباح العصافير وعيناه تدمعان، فأقلام كتَّابكم وأفواه خطبائكم عيناه، وأيدي حكامكم وجنودكم يداه.
ومما هو جدير بالذكر من مناقب ملوك البربر رحمهم الله أن اللغة العلمية والسياسية الرسمية في دولهم لم تكن إلا لغة محمد ﷺ كما يشهد بذلك التاريخ والآثار، وقد تنزهوا عن سلوك سبیل بعض ملوك الأمم الأعجمية كالفرس والمغول والهند والترك والأفغان في اختيارهم اللغة الفارسية أو التركية وجعلها لغتهم الرسمية والعلمية والدينية أيضا. أما ملوك البربر وعلماؤهم فإنهم لم يؤلفوا ولا جزءا بلغتهم لا في أمور الدين ولا في أمور الملك، اللهم إلا أنهم يترجمون لعامتهم العاجزين عن تعلم اللغة العربية مشافهة ما لا بد من معرفته من أمور دينهم.
ولما كنتُ من أهل المغرب الأقصى ومن المخالطين للبربر العارفين لغتهم وعاداتهم أردتُ أن أحدثك عن العرف البربري ما رأيته وعلمتُه عِلم اليقين – وما راءِِ كمن سمعا.
فاعلم أيها القارئ الكريم أن (العرف) في بلاد المغرب الأقصى ليس خاصا بالبربر، بل قبائل العرب وقبائل البربر فيه سواسية، بل العرف عندنا معشر العرب أكثر استعمالا، ولا سيما في بلادنا سجلماسة أو “تفيلالت” وهي كورة في الجانب الشرقي من البلاد المراكشية.
والعرف عندنا مدوَّن في كتاب، وأما البربر فلم أر لهم شيئا مكتوبا. فما هو سبب التحاكم إلى هذا العرف؟ أهو الرغبة عن الشرع المحمدي إلى التمسك بالعادات الجاهلية؟ كلا ثم كلا! وسأنبئك من ذلك بما لم تحط به خبرا، وأطلعك على باديه وخافيه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.
السبب الوحيد لذلك هو أن الحكومة المغربية في أكثر الأحيان كانت عاجزة عن تنفيذ الأحكام بدقة في البلاد البعيدة من مقر المملكة، وكان الحكم على علاته مقصورا على الحواضر الكبرى وما قرب منها من البوادي. وتلخيص ذلك أن مملكة مراكش ثلاث مناطق: المنطقة الغربية يحدها شمالا البحر الأبيض وغربا المحيط الأطلانطيقي وجنوبا الصحراء وشرقا سلسلة جبال الأطلس، والمنطقة الوسطى وهي سلسلة جبال الأطلس، والمنطقة الشرقية يحدها جنوبا الصحراء وشرقا بلاد الجزائر وشمالا كذلك. والحكم بضبط ونظام إنما كان منحصرا في المنطقة الأولى فقط وقد يجود الزمان أحيانا ببعض السلاطين الذین جبلوا على الحزم والشجاعة بحيث تمضي على الواحد منهم المدة المديدة وهو كما قال المتنبي:
مفرشي صهوة الحصان ولكن *** قميصي مسرودة من حديد
وحينئذ تحكم البلاد باتقان وتلقى الهيبة في قلوب القبائل. إلا أن ذلك لا يدوم.
ولا يخفى أن هذه القبائل -البربر منها والعرب- تحتاج إلى قوانين يقدر شيخ القبيلة أن ينفذها بغير سجون ولا جنود لحفظ الدماء والأعراض والأموال بقدر الإمكان، ولا سيما مع غلبة الجهل وغارات القبائل بعضها على بعض. فلما كثرت الغارات والحروب بين القبائل ولم يوجد عندهم من ينفذ فيهم أحكام الشرع ويفصل بينهم خصوماتهم، اضطروا إلى وضع قوانين للصلح والهدنة والديات والنهب، فوضعوا من ذلك ما اتفق عليه رؤساؤهم بعد المفاوضات، ولم تكن تلك القوانين عامة في جميع القبائل بل وَضعَت كل قبيلة مع من يجاورها من القبائل ما اصطلحوا عليه، ولهذا السبب عينه أضطرت كل قبيلة أن تضم قوانين داخلية، وسأعرض عليك قوانين الباب الذي نشأتُ فيه وأهله من العرب الخلص.
كل من يعرف تفاصيل البلاد المراكشية يعرف قبيلة (الصبَّاح) بتشديد الباء وهي عشائر تسكن القرى منتشرة في غربي وشمالي سجلماسة (تفيلالت)، والبلد الذي أحدثُّك عنه اسمه (أولاد جلاَّل) من بلاد فزنة في وسط البلد قصر واسع يسمى دار القبيلة وهو على أقسام: قسم الضيوف، وقسم مخازن الطعام من حب وتمر وسمن وغير ذلك، وقسم مجالس للانتخاب والمفاوضات ومجلس خاص للشيخ وآخر يجلس فيه الكتَّاب بدفاتر يقيدون الداخل والخارج من مال القبيلة وجباية المال وانفاقه لها نظام ليس هذا محل بسطه وهناك كتاب القوانين ويسمى “كتاب الشروط” رأيته مجلدا ضخما قد كتبت فيه الأحكام على نحو هذا النمط:
(1) (حكم السارق في داخل البلد) من سرق سرقة قلَّت أو كثرت في داخل البلد ويدفع غرامة قدرها خمسون ريالا، فإن عاد دفع مثلها، فإن عاد الثالثة دفع مثلها وأخرج من البلد، ومن شفع له يخرج معه أيضا.
(2) (حكم الزاني) أن يدفع غرامة قدرها 100 ریال ويخرج من البلد.
(3) (حكم القاتل) النفي من البلد أبدا إلا إذا رضي أولياء القتيل بأخذ الدية فحينئذ يمكنه الرجوع.
(4) (الجروح) من وضع يده على مقبض سيف أو خنجر دفع خمسة أريلة، فإن سلم ولم يضرب يدفع عشرين ريالا، فإن ضرب ولم يؤثر يدفع كذا وكذا، فإن جرح جرحا غير بليغ يدفع كذا وكذا، وأرش الجروح كذا وكذا، وعلى هذا فقس.
(نموذج من قوانين الانتخاب):
(1) مدة تولي الشيخ مشيخة القبيلة سنة واحدة فقط
(2) في كل سنة تكون المشيخة في قبيلة من قبائل البلد وعدتها كذا وكذا وأسماؤها كذا وكذا الخ.
(3) يجمتع الأعيان “في دار القبيلة” عند انتهاء كل سنة وينتخبون الشيخ الجديد.
(4) الشيخ ينتخب (المزاریك) جمع مزراك بكاف معقودة G (جيم مصرية) وهم الأعضاء.
(5) من كل قبيلة مزراك أي عضو.
(6) كل مزراك فهو ضامن لقبيلته ومنفذ لأحكام الشروط وما يحكم به الشيخ على أي واحد منها.
(7) على من انتخبه الأعيان وجب عليه قبول المشيخة.
(8) يجب على الشيخ المحافظة على مال القبيلة (البلد) وعند انتهاء السنة ييرز الحساب فيها أخذه وما أنفقه خلال السنة أمام مجلس الأعيان.
(9) بعد انتخاب الشيخ الجديد يسلم له الشيخ السابق مفاتيح الخزائن ودفاتر الحساب.
(10) إذا خان الشيخ من مال القبيلة يؤدي ما ضيعه من ماله فإن لم يكفه فمن مال قبيلته.
(11) الشيخ الخائن يدفع غرامة مضاعفة ولا يكون بعده ذلك شيخا أبدا ألخ.
هذا نموذج من كتاب الشروط. ولا أدري متى بدىء في تدوين هذه القوانين، لأني خرجت من بلدنا صغيرا ولم أعتن بالبحث عن تاريخ هذا الكتاب ولم يخطر ببالي قط أنني سأحتاج إلى معرفة ذلك في يوم من الأيام لظني إذ ذاك أن الدنيا كلها مثل بلدنا لكل بلد كتاب شروط. وإذا وقعت حادثة لا يعرف حكمها يجتمع الأعيان والمزاریك والشيخ في دار القبيلة ويقرأون كتاب الشروط فإن وجدوا حكمها فيه نفذه الشيخ وإلا تفاوضوا ووضعوا لتلك الحادثة حكما وأثبتوه في كتاب الشروط. ولعل كتاب الشروط بهذه الطريقة وُجد أصله وكبر بتعدد الحوادث على ممر الزمان.
وفي سنة 1339ھ سألني رجل فرنسي عن أحوال بلادنا، فجعلت أخبره حتی وصلت نظام انتخاب الشيخ، فقال لي: إن نظام انتخاب الشيخ عندکم خير من نظام انتخاب رئيس الجمهورية عندنا. فقلت له: وبم؟ قال: لأن الشيخ لا يبقى في المشيخة عندكم أكثر من سنة وعندنا يبقى رئيس الجمهورية بضع سنين، ولأن الشيخ عندكم لا يجوز تجديد انتخابه عند انتهاء السنة وعندنا يجوز.
هذا كله فيما عدا المواريث والزواج والطلاق والبيوع والإمارات والمساقاة والمزارعة وما أشبه ذلك، فإن أحكامها يرجع فيها الى الشرع، والشيخ ينفذ ما حكم به القاضي أو نائبه، والقاضي بعينه السلطان، وهو يعين نوابه. وليس الحكم بالعرف خاصا بالعرب في بلاد المغرب بل كذلك العرب في الجزيرة نفسها، فقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بعض كتبه أن قبائل البادية قبل انتشار دعوته كانوا يتحاكمون إلى شيوخهم الطواغيت ويأبون التحاكم إلى الشرع اهـ. وأخبرني بذلك جماعة من الإخوان من قبيلة حرب حين كنت عندهم سنة 1347هـ أنهم بأنفسهم شاهدوا ما أخبر به الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل أن يتدينوا.
والآن وقد رأيتَ نبذة من (عرف العرب) أضع بين يديك شيئا قليلا من (عرف البربر) حسبما شاهدته وتحققته. أقمت مدة في قبيلة “ایْتْ احَنْدْ” يعني أولاد أحمد (وفي هذا الإسم وغيره من أسمائهم الإسلامية دليل واضح على بطلان ما زعمه بعض الفرنسيين) وهذه القبيلة منتشرة في ناحية (اَزَرْزُو) فرأيت من عرفهم أن المرأة تباع كما يباع المتاع، وقد يكون ذلك في سوق (أگدُودْ) وهي سوق سنوية يقصدونها نساء ورجالا متجملين بأحسن ما عندهم من الثياب فيبيعون ويشترون ويتزوجون بضعة أيام، وأكثر ما تباع النساء بالبقر والغنم، وقد يكون مع ذلك شيء من الدراهم، وتباع المرأة في قبيلتها وفي قبيلة أخرى تبعد من قبيلتها مسيرة يوم أو أيام حسبما اتفق، وإن هربت المرأة إلى أهلها كلفوا بردها وهي تبكي وتستغيث فلا تغاث، وإن هربت إلى حيث لا يدرى يُنذر الزوج أهلها ويضرب لهم أجلا فإن جاءوا بها وإلا ردوا ثمنها؛ فإن وجدوها بعد ذلك أمسكوها عندهم لیبيعوها مرة أخرى، ومع هذا كله يسمون هذا زواجا ويعتقدون أنه جائز شرعا، وقريب من هذا موجود في بعض بادية جزيرة العرب إلى الآن على ما أخبرني به بعضهم.
ومن ذلك أن المرأة لا ترث عند البربر، وهم يعرفون أن الشرع یورثها ويخالفونه اتباعا للهوی لا عنادا للشرع، وكثير من العرب يضاهونهم في ذلك وهم يشعرون بأن منع المرأة من ميراثها فيه إثم ويتمنون لو يوجد فيهم قاض يحكم بالشرع وأمير ينفذ أحكامه. هذا كله في البوادي والقرى الصغيرة وأما مدنهم الكبرى كأغبالو وتنفيت وقصبة أيت ورَّا وخنيفرة وزاوية ايت اسحاق والاقباب بل وبعض البوادي والقرى كمحلة سيدي على امهاوش البربري الصوفي المشهور وقرية أراكو وقرية سيدي الطيب الهواري وغير ذلك من القرى الكثيرة التي فيها شيخ صوفي أو فقيه كلها يقام فيها الشرع في الجملة وأهلها متدينون قريبا من تدين بلاد العرب. ولابد أن الفرنسيين يصادفون صعوبات جمة في في كل من عنده علم وعمل بالدين وباللغة العربية من البربر.
ومن عادات بعض البربر القبيحة التي ما كنا نود ذكرها هنا لولا أن كتاب الفرنسيين ألجؤونا إلى ذكرها أن من رأي رجلا مع زوجته واتهمه يرمي رصاصة في الهواء ليجيء كل من سمع صوتها فإذا حضروا يشهدهم على الرجل فإذا قالوا شهدنا يذهب إلى الحي ويكلم أقارب الرجل المتهم ليجبروه على دفع الأرش وهو ستة أريلة وكبش، وربما جاء الرجل وجادل عن نفسه وكذّب الشهود ليسقط له شيئا من الأرش على وجه الصلح، ولا يعاقب الفاجر بعد ذلك بشيء وليست هذه العادة عامة في جميع البربر فإني أعرف بعض قبائل البربر المجاورين لبلادنا ک(ایت عطه) و(أیت مرغاد) أنهم في العفة والنزاهة مثل العرب. وكذلك أهل دادس وأهل سوس وأهل الريف لم نسمع عنهم شيئا من ذاك. والعادة المذكورة رأيتها في (ايت احند) و(أیت شخمان) و(ایت مكیلد) و(أشقرن) و(أیت إسحاق) وغيرهم.
فانظروا إلى هذا العرف القذر الذي يريد الفرنسيون بناة الفضيلة وأئمة المدنية أن يستبدلوه بالشرع المحمدي الطاهر ولا يستحون على ذلك أن يعيبوا المسلمين بهضم حقوق المرأة ويعيبون الإسلام لأنه لم يسوّ بين المرأة والرجل في الميراث فهكذا تكون المدنية المعكوسة (يحلونه عاما ويحرمونه عاما) فاعتبروا يا أولي الأبصار.
وللبربر قوانين في القتل والمبارزة وغير ذلك، وكل ذلك ناشئ عن الجهل، وليس فيهم أحد يعتقد أن ذلك شرع، بل كلهم يعترفون بأنه جرم. ويبغضون النصارى أعني نصارى أوربا الظالمين ويتأهبون لحربهم ويعاهدون الله أن لا يسلّموا لهم البلاد وفيهم عرق ينبض وفي ذلك يقول بعض شعرائهم (بلغتهم) متأسفا على استيلاء الفرنسيين في كل سنة على بعض البلاد المراكشية:
اوَ اوَ الله اُيولِنُ وَوي عَف إِلِهانْ
اكُيُو سَكَّاسْ اتْشَدْاُرُومِي شاگ تْمِيزَارْ
معناه: أما والله لقد عاف قلبي الملاهي، (لأنه) في كل سنة يستولي الرومي (الأوربي) على بعض البلدان.
وسمعتهم يعيبون العرب ويتهمونهم بالتساهل في حرب الفرنسيين حتى يقول بعضهم (أعراب اَرُومِی اَیْدْگا) يعني العربي والفرنسي شيء واحد، ويعتقدون أن إخراج الفرنسيين من المغرب إنما يكون على أيديهم، ويسب بعضهم بعضا بلفظ “اَرُومي” يعني الفرنسي.
أفمع هذا يزعم حزب التدمير والتخريب -لا الاستعمار- أن البربر لم يتحقق إسلامهم ولم تنشرح له صدورهم. إلى غير التي يسكت بها الأطفال؟
وليس العجب من ذلك الحزب النهم الجشع إلى مص الدماء، وإنما العجب من بعض الصحفيين في مصر إذ صدقوا هذه الترهات وقاموا يدافعون عنها، فسجلوا على أنفسهم الجهل بحال أمة تعيش معهم في قارَّة واحدة وهم الذين يدعون أنهم أحاطوا بكل شيء علما في أوربا وأمريكا وأسيا، وما هذه بأول قارورة كسرت، ولا هي بأول لعبة لعبها الأوربيون على أذقان الشرقيين بتلفيقاتهم الواهية، ولا غرو فإنهم يسمونهم (گْرَانْزَنْفَانَ) يعني أطفالا كبارا فهم يعاملونهم معاملة الأطفال، وسيعلم الذين ظَلموا أي منقلب ينقلبون.
الزبير
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 303، السنة 7، الخميس 24 ربيع الأول سنة 1351هـ، (ص:9)


