نشرت صحيفة «الفتح» بجزئها الصادر يوم 12 صفر 1351 مقالا تحت هذه الترجمة بتوقيع الأستاذ الشيخ سيد علي البخاري، يستدعي تعليقا يكشف ما فيه من الإشكال.
قال الأستاذ: إنه سمع أستاذا من أولى العلم ينفي علم الغيب عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الكلام ابهام إذ لم يبين ما هو المراد بعلم الغيب، أهو القضايا الجزئيات التي أطلع الله عليها نبيه فكانت معجزات له، وهذه لا ينكرها أحد من أهل الإسلام كإخباره بأنه سيظهر أمره ويعلو دينه ويخذل أعداؤه، وسينتشر دين الإسلام والسلام حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، وإخباره أصحابه بأنهم سيدخلون المسجد الحرام آمنين كما في سورة الفتح وغير ذلك من الغيبيات التي لا تحصى. والذي ينكر هذه المعجزات لا يعد من أولى العلم بدين الإسلام، بل هو إما جاهل أو جاحد.
لكن ليست تلك القضايا هي علم الغيب لأن المتبادر المعروف من هذا اللفظ أنه صفة توجب لمن اتصف بها انكشاف جميع المعلومات على ما هي عليه، وهو بهذا الاعتبار خاص بالله تعالى والآيات والأحاديث وأقوال الأئمة في ذلك أظهر من أن يحتاج إلى ذكرها والأدلة التي ساقها الأستاذ الشيخ سيد في إثبات علم الغيب للنبي صلى الله عليه وسلم، كلها صريحة في أنه لا يعلم الغيب وإنما يطلعه الله عند الحاجة أو حين يشاء الله على ما شاء ومن كان من الذين ينكشف له بعض الأمور الغيبية لطفا من الله كالملائكة والأنبياء أو بأسباب يتعاطونها كالكهنة أو بالإلهام ككثير من الناس، فلا يجوز أن يقال في واحد منهم أن عنده علم الغيب أو هو عالم الغيب، وإنما يسمى ذلك وحیا وكشفا ونحو ذينك مما يشعر بأن الموحى إليه والمكاشف لا يعلم الغيب، فعلم الغيب صفة من صفات الله التي لا يشاركه فيها أحد كما صرح بذلك القرآن في مواضع كثيرة كما في قوله تعالى: (قُل لَّا یَعۡلَمُ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَیۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ) وقال: (وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَیۡبِ لَا یَعۡلَمُهَاۤ إِلَّا هُوَۚ) وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المفاتح بالخمس التي في آخر سورة لقمان: (1) إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ (2) وَیُنَزِّلُ ٱلۡغَیۡثَ (3) وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡأَرۡحَامِۖ (4) وَمَا تَدۡرِی نَفۡس مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدا (5) وَمَا تَدۡرِی نَفۡسُۢ بِأَیِّ أَرۡض. رواه البخاري ومسلم.
وقد فسر أئمة التفسير والحديث ما جاء في هذا الباب على ظاهره، ولم أر أحدا منهم صرف ذلك عن ظاهره لو كان ذلك ممكنا، فكيف ودلالات القرآن على نفي علم الغيب عن غير الله كدلالته على توحيد الله وأنه الخالق الرازق المحيي المميت المعبود بالحق والبعث والثواب والعذاب وغير ذلك مما يشترك في معرفته العالم والمتعلم، وأما الاطلاع على بعض الغيوب فهو واقع من هو دون الأنبياء بمراحل حتى أن الكهنة والشياطين يحصل لهم شيء من ذلك كما في حديث استراق الشياطين للسمع وحديث ابن صياد حين خبأ له النبي صلى الله عليه وسلم خبأ فقال ابن صياد هو الدخ يعني الدخان أي صورته.
فتبين الفرق العظيم بين علم الغيب والاطلاع على بعض الغيب، وهذا مراد الأستاذ الشيخ سيد إلا أن تعبيره بعلم الغيب فيه التباس على كثير من الناس فلذلك قمت بهذا التعليق خدمة لحضرته. لكن إذا كان الأستاذ الذي أثر عنه الشيخ سيد ينفي علم الغيب من علماء المسلمين لا يتهم بإلحاد ولا ردة ولا انتقاص لجانب النبي صلى الله عليه وسلم فالأولى التفاهم معه بمكاتبة خصوصية. وإن خشيت الفتنة أو العداوة وجب ترك تلك الجزئية والاشتغال بما هو أهم ولا سيما في صحيفة كالفتح، فإن قراءها لم يتعودوا أن يروا فيها خصومات بين علماء المسلمين وفرقهم لأنها صحيفة جهاد ينبغي أن لا نشغل إلا بجهاد الكافرين والمنافقين المعتدين الذين لم يكفهم ما نشروا وينشرون في بلادهم أوربة من البهتان والزور على نبي الإسلام والسلام ودين الإسلام وأهل الإسلام حتى هاجمونا في عقر ديارنا علانية في غير خفاء ولا حياء.
فليس عندنا الآن لحظة ولا قطرة حبر ولا قرطاس ولا فلس “مليم” ننفقه في الخلافات الداخلية. فأرجو أنا ومن يشعر بما أشعر به من إخواني المسلمين أرجو من الأستاذ الشيخ سيد علي البخاري وسائر أفاضلنا أن يصرفوا عنان أقلامهم إلى أولئك الأعداء المكاشحين والملاحدة الخائنين.
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 302، السنة 7، الخميس 17 ربيع الأول سنة 1351هـ، (ص:12)


