وقعت في هذه الأيام حوادث في إيالة كشمير تذوب لها القلوب كمدا، وتذرف لها العيون وجدا. جاءت هذه الحوادث شافية لحوادث طرابلس فكانت ضغثا على إبالة. ألمت هذه البلايا بإخواننا المسلمين المعذبين منذ أوائل سبتمبر الماضي ولا تزال نارها متسعرة إلى الآن. وأنا ملخص هنا ما بلغني من أخبارها من الصحف الإسلامية الهندية، خصوصا صحيفة «انقلاب» اللاهورية.
ولما علم الأستاذ الأجل الدكتور السيد عبد العلي ناظر ندوة العلماء أني أريد أن أكتب مقالة في حوادث كشمير تفضل بكتابة نبذة في تخطيطها «جغرافيتها» وهذه ترجمة ما كتب:
کشمیر مثل فرنسا سهول وأودية حذاء جبال هملايا الشهيرة، ترتفع عن البحر نحو خمسة آلاف ذراع، وأرضها خصبة جدا، وهي من البلاد الباردة، والفواكه والثمار فيها كثيرة جدا. ومن حاصلاتها الزعفران وهو كثير وجيد هناك. عدد سكانها 3200000 ثلاثة آلاف ألف ومائتا ألف نسمة: المسلمون منهم 2800000 والوثنيون 400000 فقط. وأهل هذه البلاد على غاية الذكاء والفطنة، وفيها تنسج الثياب الصوفية بكثرة، والأدوات الخشبية كالخزائن والمناضد والكراسي تصنع هناك أجود صنعة. وكان ملوكها من المسلمين – من عهد فتحها إلى زمن استيلاء الإنكليز عليها – كسائر البلاد الهندية وذلك منذ مائة سنة تقريبا، وبلغت البلاد في زمان ملوك الإسلام إلى الدرجة القصوى من الرقي، وفي سنة 1819م استولى عليها الإنكليز وعزلوا ملكها المسلم، وعند ذلك طمع فيها راجا إيالة «جمون» وكان ممن أذعن للإنكليز وقابل فتحهم بالقبول والطاعة فسأل الانكليز أن يضموا ولاية كشمير إلى مملكته وبذل لهم أموالا فاستهواهم، وباعوا منه هذه البلاد الخصيبة التي كل أهلها إلا النادر مسلمون. ومن ذلك الحين صار المسلمون تحت حكم الوثني ملك جمون إلى الآن، ولم يزل ملوك الوثنيين يعاملون رعاياهم المسلمين في كشمير أسوأ معاملة.
فلما وصلت النوبة إلى الملك الحالي المسمى «مهاراجا سرهاريسنگ» ووزيره المسمى «راجاهر بكشن کول» تفاقم الشر والظلم والبغي على المسلمين من هاریسنگ ووزیره ونظروا إلى الناس في جميع البلاد يتمتعون بقليل أو كثير من حقوقهم الطبيعية وهم محرومون من كل شيء إذ لا توجد في بلادهم مدارس لتعليم أولادهم، ولا يوجد مسلم واحد يتولى وظيفة أو منصبا من المناصب! لا في العسكرية، ولا في المالية، ولا في أي إدارة. ورأوا أن أحوالهم الاقتصادية في غاية الاختلال، فعقدوا مؤتمرا وقرروا فيه رفع عريضة إلى الملك المذكور تلخص فيما يلي:
1- تأسیس مدارس لتعليم النشء.
2- توليتهم المناصب التي هم محرومون منها في الإدارات وهي خاصة بالوثنيين.
3- النظر في أحوالهم الاقتصادية والعمل على إصلاحها.
4 – (وكان حقه أن يكون الأول) أن يعطيهم الحرية في العمل بأحكام دينهم.
فلما بلغته العريضة تعجب منها وعدها جرأة ووقاحة وزجر رافعيها وتهددهم بالعقاب الصارم إن عادوا إلى التفكير في مثل هذه الأمور، شأن كل مستبد عات. فعند ذلك دبر رؤساؤهم مظاهرة عظيمة سلمية اشترك فيها الرجال والنساء والأطفال، فصدر الأمر من الوزير هريكشن كول للعساكر أن يرموهم بالرصاص فرموهم وقتلوا منهم خمسة وعشرين وجرحوا مائة وخمسين، وكانت هذه الواقعة يوم 13 جمادى الأولى (25 سبتمبر) الماضي وأحضر الوزير رؤساء المسلمين، فلما حضروا أخرج مصحفا كان قد أعده ووضعه على الأرض ووطئه برجليه وقال للحاضرين: هذه هي الحرية الدينية التي تطلبون!؟..
وكان في السنة الماضية صدر أمر من رئيس الشرطة لإمام المسجد الجامع بمنعه من خطبة العيد، وهكذا وقع في سائر المساجد فصلوا صلاة العيد بغير خطبة: وفي مدينة “سير بناکر” منع رئيس الشرطة المسلمين من صلاة العيد أصلا فلم يصلوا وأقفل الشرطة عشرة مساجد، وصدر الأمر بأن من ذبح بقرة يسجن سبع سنين.
وفي شهر سبتمبر الماضي صدر الأمر بأن لا يجتمع اثنان من المسلمين فصاعدا، وكل مسجد ظن أنهم يجتمعون فيه صدر الأمر بإغلاقه، فلم يبق من المساجد مفتوحا إلا القليل ومتى رأی شرطي جماعة ولو ثلاثة اتهمهم بالمؤامرة والسعي في المظاهرة، فيقبضون عليهم ويزجونهم في السجون فامتلأت السجون بالأبرياء المظلومين.
ومن أحكام ذلك الطاغوت أن من أراد أن يدخل في الإسلام من الوثنيين تصادر الحكومة جميع ما عنده من المال، وتنزع منه زوجته وأولاده. وإذا ارتد أحد من المسلمين ينعم عليه. وقد وقع هذا مرارا كثيرة حتى صار كل من انشرح صدره للإسلام يخاف أن يظهر إسلامه. فامتنع الناس من الإسلام والويل لمن تطلع الحكومة على أنه يدعو إلى الإسلام من العلماء.
ومنها أن من يملك غنما من الوثنيين يدفع من كل رأس نصف ربية، أما المسلم فإنه يدفع روبيتين ونصفا عن كل رأس.
ومن الاعتداء الفظيع على مسلمي کشمير بل على جميع المسلمين ما روته جريدة “انقلاب” الصادرة يوم 14 جمادى الأولى (26 سبتمبر) الماضي أن شرذمة من الجند سمعوا المسلمين يقولون: الله أكبر، فأوجعوهم ضربا وقالوا لهم لا تعودوا إلى قول “الله أكبر” وقولوا بدلها “جی مهاراجا هريسنگ” يعني: مهاراجا هريسنك أكبر!.
ومنها أن مسلما مركبيا “عربجيا” مر على جندي فاستوقفه الجندي وأنزله من مركبته وماذا قال له بعد ذلك؟ قال له: اسجد لحذائي !!! وقل: مهاراجا هرينسك جي، ولا تسجد لله، وعاهدني على أنك لا تسجد لله بعد هذا اليوم أبدا. فأبى المسلم ذلك فنزل عليه ضربا بالسياط حتى أغمي عليه. وكان ذلك في الساعة 12 نهارا يعني في الزوال. واستمر مغشيا عليه إلى الساعة الخامسة بعد العصر فلما أفاق لم يجد فرسه ولا مركبته بل أخذهما الجندي غنيمة باردة.
وروت الجريدة المذكورة بعددها الصادر في 13 جمادی الأولى أن مدينة سيربناکر من مدن كشمير لم يشعر المسلمون إلا وقد انبث الجند في كل بقاعها، ونزلوا على المسلمين ضربا بالعصي ففر الناس من الأسواق وبقيت فارغة ليس فيها إلا وثني أو جندي وصدر أمر لسائقي السيارات أن لا يدعوا أحد يركب في سياراتهم إلا إذا كان معه إذن من مدير الشرطة.
فصار المسلم لا يقدر أن يذهب من محلة إلى أخرى إلا بجواز سفر في المدينة نفسها، فكيف لو أراد سفرا إلى قرية أو بلد آخر.
وروت الصحيفة المذكورة بعددها الصادر في 20 جمادى الأولى (7 أکتوبر) أنه جاء رجل من مدينة سيرنك وأخبر أن أجناد الوثني هريسنك وقفوا بأبواب المساجد يحملون رايات عليها صور آلهتهم وعظمائهم، وصاروا يمنعون كل من أراد الدخول إلى المسجد ليصلي حتى يحيي تلك الرايات ويركع لها، فإن أبى ضربوه وطردوه من المسجد، وكان مكتوبا على كل راية من تلك الرايات “گنیش، هَنُومان، کريشن جي مهاراجا” وهذه أسماء عظمائهم الذين اتخذوهم آلهة يعبدونها منذ زمان طويل. وكانت صورهم وأسماؤهم منسوجة على الرايات بخيوط؛ وكان الأمر الصادر للأجناد الواقفين على أبواب المساجد أن من امتنع من التحية والركوع للرايات المذكورة يجلد عشرين جلدة ولا يمكن من دخول المسجد، فنفذ الجنود الملاعين ذلك الأمر الهمجي الفظيع. قال الراوي: كنت أمام مسجد أنظر، فجيء بشاب وقيل له: حيي العلم واركع. فقال لا أسلم على الأصنام ولا أركع لها أبدا، لأن دين الإسلام منع من ذلك، فشدوا وثاقه بحبل، وجلدوه حتى أغمي عليه فلما أفاق عادوا إلى ضربه ثانية حتى أغمي عليه. ثم طرحوه في جانب الطريق فبقي يتململ أربع ساعات ويئن أنينا. قال: وتركته كذلك ولا أدري ما صار إليه أمره بعد.
وروت الجريدة المذكورة بجزئها الصادر يوم 15 جمادى الأولى (27 سبتمبر) أن نساء المسلمين في سيريناکر عملن مظاهرة عظيمة احتجاجا على تلك الأعمال الهمجية، فضربهن الجنود بعصيهم ضربا مبرحا، وجرحوا منهن ثلاثمائة، وجرح في تلك الواقعة طفل صغير لا يزيد عمره على سنتين كانت تحمله أمه فتناولته عصي أولئك السِّفْلة، وجرحت أيضا طفلة صغيرة كانت مع أمها جرحا بليغا كاد يذهب بحياتها. وكان رجل أعمى ذاهبا إلى المسجد فلما وصل باب المسجد ووضع رجله على عتبة المسجد ليدخل صوب إليه جندي بندقيته ورماه فخر صریعا شهيدا على عتبة المسجد. وكان رجل إذ ذاك يتوضأ في المسجد فلما سمع المطلق الناري الذي قتل الأعمى فزع وخرج لينظر ما الخبر فرماه جندي برصاصة فسقط ميتا تحت جدار المسجد، وكان رجل يبيع التمبول في سوق يسمى مايسا من المدينة المذكورة بقرب مسجد أهل الحديث وبقربه صبي لا يزيد عمره على إحدى عشرة سنة كان جالسا في مطعم وهو ابن صاحبه تركه أبوه في المطعم واختفى هو ظنا منه أن الأجناد الوثنيين يرحمونه لصغره فانقض الجنود على الرجل الذي يبيع التمبول والصبي يضربونهما بالسيوف ويطعنونهما بالرماح حتى تركوهما جثتين هامدتين. وكان ثلاثة من المسلمين مسافرين فمروا بتلك المدينة فلما رآهم الجند رموهم بالرصاص وجرحوهم مع أنهم ليسوا من أهل تلك البلاد.
وكانت امرأة مسلمة مارة في حديقة تسمى بسنت باغ في الساعة الثالثة بعد الظهر فطعنها جندي برمحه فأصاب كبدها فقضت نحبها بعد خمس دقائق. وكانت جماعة من النساء يمشين في محلة فتح کول، فأطلق الجند الرصاص عليهن فجرح منهم عشرة وماتت اثنتان. قال شاهد هذه الحادثة رأيت امرأة قتيلة في المسجد الجامع وعلى صدرها طفل رضيع يبكي وامرأة أخرى كانت قتيلة وإلى جنبها طفل يبكي عمره نحو ثلاث سنين وطفل آخر يبكي جنب أمه القتيلة عمره نحو خمس سنين اهـ. ما في الجريدة المذكورة.
ولله در إمام المجاهدين الأمير شكيب أرسلان إذ كشف الغطاء عن نبات الوثنيين وما يضمرونه المسلمين في تلك المقالة العجيبة التي كتبها في القضية الهندية وهو في أوربا وكأنه أقام في الهند سنين ونقب في جميع البلاد ولم يغادر من أخبار الهند حقيرا ولا جليلا إلا أحصاه، ولعله كان يكتب تلك المقالة في الوقت الذي كانت دماء المسلمين تسفك في كشمير فكان في هذا الأمر كما هو في سائر أعماله مثالا لقول الشاعر:
الألمعي الذي يظن بك الـ *** ـظن كأن قد رأى وقد سمعا
لكنو (الهند) 8 جمادى الثانية 1350
محمد تقي الدين الهلالي
(الفتح) هذه الحوادث فظيعة بلا شك، وأفظع منها أن يذهب القديس غاندي إلى لندن مطالبة بحرية الهند قبل أن يرسل صيحة الحق في وجه ابن دينه مهراجا کشمير فيردعه عن ارتكاب هذه الآثام. وأفظع من هذا وذاك التضليل الذي ترتكبه شركة روتر وصحف انكلترا بما تذيعه في الدنيا من أنباء كاذبة عن ثورة كشمير، حتى توهمنا نحن مما قرأناه في برقيات الانكليز عن ثورة إخواننا المسلمين أنها قامت لشهوة نصب أمير أفغاني عليهم بدلا من الأمير الوثني. ولو كان للشعور الإنساني محل في قلوب أولئك الذين اتخذوا إذاعة الأخبار في الدنيا صناعة لهم لأشاروا إلى هذه المظالم التي تثير الجمادات فضلا عن البشر
إن ملكت القلوب فابغ رضاها ** فلها ثورة وفيها مضاء
يسكن الوحش الوثوب من ** الأسر فكيف الخلائق العقلاء
مجلة الفتح: العدد 276، السنة 6، الخميس 2 رجب سنة 1350هـ، (ص:5)


