كتب الأستاذ محب الدين الخطيب زاده الله توفيقا مقالا افتتاحيا في «الفتح» تنبيها وتحذيرا لإخوانه المسلمين من مكايد الوثنيين وبيان نياتهم وما يسرون وما يعلنون من مكرهم ذكر في أثنائه أن مكاتب «البلاغ» زعم أن المسلمين في الهند ساءهم ما تكرم به قلم إمام المجاهدين وکاتبهم الأكبر من النصائح الغالية، وكشف اللثام عن القضية الهندية بما لم يسبقه إليه سابق في الهند نفسها فضلا من الخارج. وذلك ما تلقاه المسلمون بالإعجاب والشكر. وزعم أن المسلمين بعدما ترجمت المقالة الحكيمة وقرأوها ظنوا بالأمير الظنون – ظنوا أنه (حاشا له) يسعى ليعوق الهند عن استقلالها!!! كبرت كلمة تخرج من أفواه لا تستحي من الكذب ولا يضيرها أن يقال عنها أنها كاذبة. من ذا الذي يخطر في باله أن الأمير شكيبا يسعى ليعوق أعداءه عن الاستقلال وقد فعلوا به ما فعلوا، فكيف بأهل الهند الذين يعدهم إخوانا ويدافع عنهم كما يدافع عن غيرهم من الأمم المهضومة. لو غير الأمير اتهم بهذا، وأما هو فإن المتهم له يسجل على نفسه الجهل أو الكذب وهما خطتا خسف كلتاهما.
ترجمنا مقالة الأمير بلغة الأوردو ونشرناها في أعظم جريدة إسلامية وهي جريدة (انقلاب) وقد علقت على المقالة كلمة شكر لمترجمها وأظهرت إعجابها ونوهت بها وكفى بذلك تكذيبا لمكاتب البلاغ، هذا بعدما قرأها كل من يعرف اللغة العربية من أصدقائنا هنا بنصها العربي فأظهروا غاية الإعجاب وشكروا للأمير خدمته للإسلام خاصة ولأهل الهند عامة، ولم نر منهم من خطر بباله شيء مما زعم مكاتب «البلاغ»، بل خطر ببال بعض الذين يعرفون الحقائق ويقولون ما يعتقدون ضد ما زعم ذلك المكاتب، وذلك أنني كنت أفاوض أحد أفاضل الكتاب المشاهير ممن يكتب باللسانين الإنكليزي وأردو في ترجمة مقال الأمير إلى الانكليزية فأوجس خيفة من نشره باللغة الانكليزية وقال أنه اشتمل على حقائق لا تسمح السياسة الانكليزية في الهند بنشرها، فقلت له أننا نشرناه في جرائد أردو ولم يقع شيء مما تتوقع، فقال فرق عظيم بين ما ينشر بالأردو وبين ما ينشر بالانكليزية وإن كان للحكومة رجال كثير يقرأون جرائد أردو إلا أن ما ينشر باللغة الإنكليزية أشهر وأظهر وأكثر تأثيرا. وهذا الفاضل الذي قال هذا الكلام من أكابر الكتاب وله تآليف يتنافس الناس في اقتنائها، ليس كمكاتب البلاغ الذي لا يعدو أن يكون هیان این بیان يكتب ما يملى عليه ليعيش ولو بالكذب والهوان، ونحن نربأ بأنفسنا أن نسلك خطة ذلك الكاتب فندعي أن كل من ينتسب إلى الإسلام هنا يسره ما تفضل به الأمير في تلك المقالة فإن المسلمين هنا متفرقون في كل شيء – كحالهم في غير هذه البلاد مختلفون في الدين وفي السياسة وفي الأذواق والمشارب: فمنهم الغانديون أتباع غاندي وأكثرهم ليس لهم من الإسلام إلا اسمه بل ربما ظهر من تضاعيف كلامهم أنهم ينظرون إلى الإسلام بالعين التي ينظر بها إليه أتباع رام (اسم أكبر آلهة الوثنيين). وهؤلاء يرون واجبا هدم كل ما يظنون أنه يمنع من بناء (السوراج) أو الاستقلال فهم سوراجیون قبل كل شيء، ومما يدل على ما ذكرناه عنهم أنك لا تجد سوراجيا مسلما على مذهب غاندي تسره الدعوة للجامعة الإسلامية بل تسوء هم إلا القليل، إلا أنهم يستترون تحت ستار دعوى الاستحالة غالبا وبعضهم يقول إن الإسلام علاقة بين العبد والرب فلا حاجة له إلى جامعة ولا حاجة له إلى لغة العرب وكل إنسان يدين الله بلغته، وتراهم يرفضون اللغة العربية ويصدون الناس عن تعملها ويعدونه مضرا بالسوراج وتضييعا للوقت، بل صرح لي بذلك بعضهم وهو من أرباب الصحف منهم، فناظرته حتى انقطع، وإنما انقطع لأنه أستحى أن يدافع بحجج الحادية في مجلسي، ثم بلغني أنه ملحد وأنه وراء ما أبدى عندى حججا خارجية. فهؤلاء في قلوبهم مرض ولا شك أن الشاب المتهوس الذي لقيه الأمير في برلين وتكلم معه في القضية الهندية فقال الهندي له «والمسلمون أيزا زالمون» هو من هذا الصنف فإن من شأنهم أن ينسبوا كل قبيح للمسلمين وكل حسن للوثنيين.
والوثنيون يظهرون لهم العطف لأنهم يساعدونهم على هدم الإسلام لكنهم يسخرون منهم ويحتقرونهم في أنفسهم كما يفعل الأوربيون مع «المجددين» في بلاد العرب، أعني مصر والشام والعراق. وهؤلاء المسلمون الغانديون أو الراميون يتغنون دائما بمناقب الوثنيين ومثالب المسلمين ويزعمون أن خلاص الهند لا يكون إلا على يد الوثنيين ويجعلون معاملاتهم في التجارة وغيرها معهم، زاعمين أن المسلمين يكذبون ويغشون بخلاف الوثنيين، لكن هذا كله في زمان السلم وأما إذا وقعت الحرب في مدينة أو قرية فإنهم يكونون أذل من النعام ويخافون من الوثنيين أشد الخوف ولا يجرؤون على الخروج من بيوتهم ما دامت رائحة الحرب موجودة، ولا يستحون أن يدخلوا تحت حماية المسلمين (الهمجيين بزعمهم) ليدفعوا عنهم عادية الوثنيين (المهذبين) ولو ذهبت أقيم الحجج على هذا لطال الكلام جدا، ولكني أذكر هنا قضيتين وقعتا في هذه السنة:
أحدهما – أنه حين تم الصلح بين الحكومة والزعماء، وكان من شروطه إطلاق المسجونين، أطلقت الحكومة أكثر المسجونين فأقيمت لهم احتفالات وجعلوا يدورون في المدينة أفواجا ويزورون خواص الغانديين في بيوتهم فيسمعوا منهم كلمات الثناء والإكبار والتهنئة، وكان لي جار من خاصة الخاصة من الغانديين فبينما أنا أقريء الطلبة إذ قال طالب منهم: اسمعوا. فاستمعنا فإذا الوثني يقول لخادمه إذا جاء زائر من المسلمين فقل له أنني لا أحب لقاءه، وإن كان من قومنا فقل له إن سيدي نائم فتعال في وقت آخر!!!
الثانية – أن أحد الطلبة ذهب ليغتسل صباحا في النهر ومن عادة الوثنيين أن يبنوا المعابد على الأنهار تكون فيها أصنامهم فيعبدونها صباحا في وقت الفجر فإذا فرغوا من صلاتهم اغتسلوا في النهر وتكون لهم جلبة وزجل بتسبيح رام وکلهم يقول سبحوا رام يا إخواني قولوا معي ليقدس رام. وعلى ذكر رام أخبر القراء أن كمية الوثنيين فيما بينهم سبحان رام أو تمجيدا لرام وهم أشحاء بهذه التحية لا يبغون بها بدلا، على حين أن كثيرا من المسلمين تركوا «السلام عليكم» واستبدلوه بتحية الوثنيين المسلمين وهي «أد برز» وأصلها «أدب عرض» يعني أعرض الأدب، فانظر كيف تحرف اللغة العربية وليس لها جزاء إلا الكفران. ثم نرجع إلى قصة الطالب فنقول بينما ذلك الطالب يغتسل مس ثوبه جسم أحد الوثنيين فاستشاط الوثني غضبا وقال له يا خبيث يا نجس لماذا تمسني بثوبك القذر وتنجس بدني؟ ولم يبق في جرابه من السب والشتم شيئا إلا صبه عليه وهو ساكت لأنه ضعيف في نفسه وكان بين جماعة من الوثنيين وهم متحمسون حول صنمهم وفي وقت صلاتهم.
ومن ظلم الوثنيين الذي هو عادة مستمرة في كل سنة وكثيرا ما تكون سببا للحرب، أن لهم عيدا يوافق مارس من السنة الشمسية يعدون فيه أواني مملوءة من ألوان الأصباغ. ما بين أحمر وأصفر وأزرق فلا يبقى أحد منهم إلا صب عليه من تلك الأصباغ على ثيابه وبدنه ويخرج كذلك ويستمر ذلك أياما فلا ترى أحدا منهم إلا وهو أرقط الثياب، وياليتهم اقتصروا في صب هذا الصبغ المقدس عندهم على أنفسهم بل من عقائدهم أنه يستحب أو يجب صبغ كل من قدروا عليه من المسلمين أيضا فأكثر ضعفاء المسلمين يستعدون لذلك بلبس أخلاق الثياب إلى أن تمضي تلك الأيام. ومن كان ذا نخوة من المسلمين يخرج بثيابه المادية متسلحا ومستعدا لقتال كل من يصب عليه شيئا من ذلك، ولعل معمودية النصارى مأخوذة من هذه المادة، إلا أن النصارى أعقل وأحسن أخلاقا بكثير من هؤلاء، وإن كان النصارى أيضا قد يعمدون من قدروا عليه، على رغم أنفه لكن ذلك غالبا يكون بعقل فلا يفضي إلى حروب الشوارع والبيوت وهدم المساجد والكنائس وقتل الأطفال وبقر بطون الحوامل كما فعل الوثنيون في كانبور، وإن كان الغانديون لا يزالون يرددون أن المسلمين (زالمون) فذرهم وما يفترون، ونحن نشهد الله أننا لو رأينا المسلمين ظالمين لما سترنا عليهم ولما وافقناهم على ظلم جيرانهم، فإن الإسلام دين العدل والمرحمة.
وقد ذكرت الأن قضية وقعت في هذه السنة لا يسعني إلا أن أذكرها، وذلك أن أحد الطلبة خرج صباحا من كلية الندوة فرأى عند مدخل المدرسة قرطاسا فنظر فيه فرأى صورة مشوهة في غاية القبح مكتوب تحتها بحروف عربية (الله) تعالى الله وتقدس عن ذاك عن صدور هذه الصورة وكتب تحتها الإسم الشريف؟ نكل الجواب للمسلمين الغانديين.
ونحن كما قال الأستاذ صاحب الفتح معجبون غاية الإعجاب بغاندي وبأعماله العظيمة التي رفعت من شأن أمته وجمعت كلتهم وأوقدت فيهم نيران الحماسة وجعلتهم يضعون تمثاله إلى جنب أعظم الأصنام عندهم. ونعترف بحماستهم ونشاطهم وبذلهم النفائس في سبيل رقيهم وأنهم فاقوا المسلمين الهنديين في ذلك، ولكننا لا نعترف ولن نعترف عوض بأنهم يضمرون للإسلام خيرا وأن المسلمين ظالمون لهم.
فهذا الحق ليس به خفاء ** فدعني من بنيات الطريق
لكنو (الهند)
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 288، السنة 6، الخميس 18 شوال سنة 1350هـ، (ص:10-11)


