وقع في يدي كتيب نشرته جمعية الرسالة الدينية بلندن واسمته Jales of Bible Heroes قصص أبطال التوراة فتصفحته لأعرف نغمته في الدعوة إلى النصرانية فوقفت فيه على نوادر أحببت أن أترجم للقراء الكرام إحداها، وهذا نصها:
عنز الفداء
كانت العادة في زمان موسى (عليه السلام) أن تجعل كفارة لذنوب الناس في كل سنة. ومن أعمال الفداء أن يؤتى بعنز إلى المعبد حيث كان بنو اسرائيل يعبدون الله في ذلك الزمان. فيضع هارون وهو رئيس الأحبار پديه كلتيها على رأس العنز ويعترف بذنوب الأمة جميعا. وأي ذنوب كان هارون يعترف بها؟ هي آثام توجب العقاب للناس أجمعين. فيذكر رئيس الأحبار الخطايا كلها على رأس تلك العنز وحينئذ تقاد إلى القفار حيث لا أنيس في صحراء ليس فيها كلأ ولا شجر وهناك تترك لأنها أخذت جميع ذنوب الناس.
هذه صورة تريك ما قاساه يسوع المسيح بعد ذلك. جاء الى الدنيا ليحمل عنا خطايانا ويذهب بها. فحملها كلها في جسده المصلوب على ربوة الصليب. فمات لنتخلص من ذنوبنا ونحيى حياة أبدية في السماء التي أعدها الله لكل من أحبه(1). مع وجود ذنوبنا على ظهورنا لا نستطيع أن نكون سعداء لا على الأرض ولا بعد الموت، لكن يسوع المسيح ابن الله يخلصنا من ذنوبنا، ويفتح ملكوت السماء لكل من آمن به وأحبه.
هذا العمل العظيم الذي عمله يسوع يوجب علينا أن نسبح بحمده مسرورين. في كل يوم يجب علينا في صلاتنا أن نحمد الله أبانا السماوي لأنه أحبنا حباً عظيما لأنه سمح بولده العزيز أن يموت لأجلنا. لأن الله يحب الناس لأنه وهب ولده الوحيد ليجعل الذي يحبه لا يهلك بل يكون خالداً أبدا. انتهت
هذه القصة تكشف لك الغطاء عن عقائد نصارى أوربة وأفكارهم وإذ امعنت فيها تكثر من الحمد والشكر لله الذي لم يجعلك من أهل هذه الخرافات التي لا يتمكن الإنسان مع اعتقادها أن يستضيء بشيء من نور العقل الذي هو أعظم نعمة أنعم الله عليه بها وبالاطلاع على هذه القصة وأمثالها تزداد علما بمقدار نعمة الإسلام الكبرى التي أكثر الناس عنها غافلون، فلو كتبت عليك الشقاوة وكنت من أهل هذه التصوُّرات لكنت في عذاب أليم في الدنيا وفي خصام ونزاع بينك وبين عقلك. إذ كيف تقدر أن تخضع عقلك وهو السلطان القاهر أن يسلم بأن العنز البائسة البريئة تحمل ذنوب جميع بني إسرائيل وتترك في الفيافي لا ماء ولا كلأ حتى تموت شر موتة جوعا وعطشا من غير ذنب عملته ولا جناية جنتها.
والقوانين الشرعية والوضعية لا تبيح أن يعاقب أي مجرم بذلك العقاب الشديد وإن بلغت جنایته ما بلغت. وكيف تقدر أن تجبر عقلك المفطور على حب العدل أن يعتقد أن موسى وهارون عليها السلام وهما هما كانا يتقربان إلى الله ويلتمسان مغفرته لبني إسرائيل بتعذيب تلك العنزاء المسكينة، وماذا تقول جمعيات الرفق بالحيوان في هذا العمل الذي يجب على كل نصراني أن يعتقد أنه حق وعدل وإن شك في ذلك أو تردد في قبوله أو ترك عقله يفكر فيه يحرم من الغفران ويصير كافرا خالدا في اللعنة والعذاب.
وبالنظر في هذه القصة وأمثالها تزداد إيمانا بقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ). فكل من يعظم موسی وهارون ويؤمن بنبوتهما ويحفظ لهما كرامتهما لا يستطيع بوجه أن يصدق قصة العنز. فليت شعري من واضعها أهو من الأحبار أم من الرهبان. ثم رتب حضرات المؤلفين من أهل تلك الجمعية حكاية الصلب والفداء على حكاية العنز وهو ترتيب عجيب يشهد ببراعتهم في حسن الدعوة وفتح ممالك العقول، فلله دَرُّهم كيف قاسوا ابن الله الوحيد بزعمهم تعالى الله عن ذلك بولد التيس والعنز. ومهما كانت القصة الإسرائيلية عجيبة فقصة الصلب أعجب وأغرب وأدهى وأمَر. وما قدروا الله حق قدره اذ دعوا له ولدا ثم جعلوه وحيدا ولم يسمحوا له ولو بأخ واحد. والواحد منهم لا يرضى بنفسه إلا بأولاد كثير من بنين وبنات. ثم الطامة الكبرى في إنزالهم إياه منزلة شاة اضحية، فلعمري هكذا يكون التعظيم والتبجيل للآب والابن وإلا فلا.
فمثلَ هذه المضحكات المبكيات تخاف أيها المسلم الطاهر على عقيدتك؟ لا تُرَعْ فإن دينا قصارى عقائده قصة كالقصة المتقدمة لا يقدر أن يزعزع وثنية قوية، فكيف بجبال التوحيد الراسيات التي من تعرض لإزالتها بمثل ذلك فهو
كناطح صخرة يوما ليوهنها ** فلم يضرها وأوهی قرنه الوعل
ومن أراد أن يعارض عقائد التوحيد بمثل تلك الأباطيل فما أحمقه!
أرى العنقاء تكبر أن تصادا ** فعاند من تطيق له عنادا
نعم أحذرك من شيء واحد إن نجوت منه نجوت ألا وهو الإعراض عن لآلىء الدين الحنيف وكنوزه الثمينة والتعرض لمخشلب النصارى وسخافاتهم. آه يا حسرتي على المسلمين، أمن عنده القرآن والحديث النبوي يحتاج إلى التهذيب الأوروبي المبني على الوثنية اليونانية ضمت إلى الوثنية الأوروبية فتولدت عنها النصرانية الحاضرة. والله لو ظفر الأوروبيون بظل التهذيب المحمدي فضلا عن حقيقته لما عرجوا على فيلسوف ولا عالم ولا قسيس من أسلافهم، وما التارك لخزائن المحمدية الآخذ بحثالة المدنية الأوروبية إلا كما قال الله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیۡنَـٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّوا۟ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَـٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ * وَنَجَّیۡنَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُون). وان لم تصدقني فاقرأ هذه الرسالة فهي تحرير أحد أكابر علماء أوروبة وهو الدكتور جرمانوس الذي نشرت ترجمته في الفتح من قبل.
لكنو 23 ربیع الثاني عام 1351هـ
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 310، السنة 7، الخميس 14 جمادى الأولى سنة 1351هـ، (ص:4)


