رفعت من قبل إلى إخواني قراء (الفتح) كلمة في سيرة الدكتور جرمانوس وإسلامه، ووعدتهم بالسعي في الحصول على خطبته النفيسة التي ألقاها بلغة القرآن في دهلي في محفل عظيم. ووفاء بذلك الوعد كتبت إلى حضرة الدكتور راجيا منه أن يتحفنا بتلك الخطبة لتنشر على أعمدة الفتح وتقر بها أعين القراء الكرام وتسخن بها أعين أعداء الإسلام والسلام، فبعث جوابا لطيفا يفيض محبة وأخوة وإن لم يشتمل على ألفاظ الخطبة التي خطبها في دهلي فقد اشتمل على معناها وزيادة. وها أناذا مرسل بجوابه نفسه بخط يده إلى الفتح لينشر بنصه عقب هذه السطور.
لكنو (الهند)
محمد تقي الدين الهلالي
***
بسم الله الرحمن الرحيم
أستاذي المحترم!
أيها الأخ في الإسلام السلام وبركة الله عليكم. أما بعد، استلمت كتابك اللطيف مكتوبة باللسان العربي الذي تعلمته من نفسي بلا أستاذ لي وبدون معاونة من الناطقين بالضاد. كان لي أستاذ كريم الشأن عظيم دخل في قلبي أول ما أخذ بدماغي وألهمني لأتوفر لتعلم كلمة الله، وكان هذا الأستاذ: القرآن الكريم وحديث النبي ﷺ. إني غير عارف اللسان العربي إلا قليلا ولا أتكلمه قط. كنت شائقا إلى تاريخ الشرق منذ شبوبتي، وهذا الشوق ساقني إلى تتبع التواريخ والأديان الشرقية، وخلال تحرياتي أثر فيَّ الدين المبين الإسلام تأثيرا عميقا لا يقبل تعريفا وجذبني إحساس الأخوة الذي يحيي ويقوي في قلوب المسلمين وكان تحت هذا التأثير أني ابتدأت تعلم لسان القرآن الكريم، معرفتي في اللسان قليلة جدا، أما حبي للدين وللمسلمين فبدون حد وتكون هذه المحبة التي ساقتني إلى دهلي وجعلتني أورد خطبة في محفل الجامعة الإسلامية وبعده في اللسان العربي أمام جماعة في مسجد الجمعة بعد صلاة الظهر. ليس لي فضل على أحد لا في علم ولا في معرفة، وإن اكتسبتُ ألطاف الناس ولفتُّ أنظارهم إليَّ فقد صدر هذا من تجانس إحساسنا، وإن جذبتْ خطبتي تقدير السامعين وأخذت خاطرهم فإن الفضل لهم لا لي.
يلهم الإنسان الود والاعتقاد وكانت هاتان القوتان الوازع الكبير الذي حركني في كلامي وقربني من قلوب إخواني المسلمين. كتابكم العزيز القيمة سرني تمام السرور ووثق العرى بيني وبين العلماء المسلمين وعقد محبتي لجماعتكم المتعلمة. خذوا تشكري من صمیم قلي. أما ما يختص بمتن خطبتي التي ألقيتها في مسجد الجمعة فأتأسف كل تأسف لأني أملك منها نسخة كتبتها على كاغذ أخذه مني بعد إلقائها أحد الحاضرين ليرسلها إلى مكة المشرفة لجريدة، ويحتمل أن قد نشرت فيها. كانت زبدة خطبتي أن محمدا ﷺ كان نبياََ أنار ظلمة المصور بنبوته. وإن أردت برهانا مادياََ لهذا انظر إلى تاريخ البشر برهانا.
أجل، إنَّه نَشَر الدين بسرعة البرق وحرر الأمم من جهلهم وأعطاهم مدنية تفوقت وأكملت المدنيات القديمة وظل الإسلام قوة حية في وجدان الناس، هذب أخلاقهم، أمر ونهى ورفع الإنسان من درجة سفيلة إلى رتب الإنسانية العلى وأصبح الإسلام سائقا لتكامل العلوم والفنون والصنائع النفيسة.
تاريخ الإسلام طريق طويل من أحول الهمجية نحو حالة التدين والتمدن. لا يعقل أن تبدلا فجأة كهذا يمكن أن يحدث بغير وحي إلهي يتمركز في ذاتية النبي ﷺ وكما كان في الماضي ينبغي في المستقبل، إن الإنسانية تبنى على بنية التقوى والتدين اللذين لا يخالفان بل يعاونان الترقي الإنساني. تراءى لي أنه كان من واجبي إلقاء وبث آراء كهذه لأجل أن أشدد حسيات الدين في قلوب المسلمين في حين أن نشر الشك والريب فيهم يضرهم ويدمر أخلاقهم أولا ويزلزلهم ثانيا.
يا أستاذي المحترم. كان هذا كنه خطبتي وإن ظننتم أن ذيوع هذه الأراء يفيد مصلحة المسلمين فانشروها في أي شكل وفي أي مكان أردتم وأنا شاكر لكم.
ومن البعد الذي يحول بيني وبينكم أحس أن قلوبنا تخفق بالمودة وإن أخطأت في الصرف والنحو اغفروا لي، فإني ما أخطأت قط في صميمية حسياتي نحوكم. أرجو من الله تعالى أن ينزل بركاته عليكم في جهدكم لتهذيب الأخلاق وتنوير العقول.
كتبه الفقير المخلص طالب العلوم التاريخية
دوکتور جولبوس جرمانوس
مجلة الفتح: العدد 287، السنة 6، الخميس 4 شوال سنة 1350هـ، (ص:8-9)


