تحت هذا العنوان كتب الأستاذ محب الدين الخطيب مقالة أبان فيها ما جرى في ذلك المجلس الحافل الذي ضم عددا غير قليل من العلماء والنبلاء لغرض شريف. ولما رأيت أن الاستاذ محب الدين أوجس في نفسه خيفة من ذلك الاجتماع مع ما يلوح عليه من لوائح الرشاد قلت لأرافقن الأستاذ بفكري لأعلم هل أحتراسه هذا في محله أم لا. فرافقته ولم يربني رائب إلى أن وصلت إلى خطاب الأستاذ لطفي جمعة فرأيت فيه من المغالطات ما لم استطع معه صبرا ولم أجد بدا من كتب كلمة مختصرة في التنبيه على ما ظهر لي في خطبته من المراوغات والمداعبات الحالة في غير محلها منها قوله: إن الدكتور منصور فهمي لم يذنب في إلحاده حين كان ملحدا ولم يتب منه وإنما اقتنع بشيء فكتبه وطبعه ثم تحول عن اقتناعه وعاد إلى إيمانه.
هذا الكلام بالهزل أليق منه بالجد لأن الدكتور إن كان في اقتناعه محقا فكيف يتحول من الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، وإن كان مبطلا كما تبين له وهو الواقع فكيف لا يكون تائبا من ذنب؟ وكونه مخلصا غير محاذق ولا منافق في الأولى ولا في الثانية لا يقلب الحقائق فيجعل الحق باطلا والباطل حقا والضلال هدى والهدى ضلالة هذا إذا كان الكلام في القضايا الجزئية التي قد وضح برهانها وسطعت حجتها فكيف إذا كان في أصل الأصول الذي هو كل شيء في هذا الكون إذا تؤمل أدنى تأمل يرى برهانا قاطعا وآية بينة تنادي بثبوته.
وكيف يصح في الأذهان شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل
ولو قال أن الدكتور تاب من ذنبه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، عفا الله عما سلف لكان مسددا.
ومنها وهي أمر وأدهى مما قبلها مغالطته في الكلام على أديسن وهل هو مرحوم من أهل الجنة أم مبعد من أهل الشقاء.
فأقول: يا حضرة الأستاذ: إن كنت ترى أن المحفل الذي كنت فيه جد لا هزل والناس الذين نخاطبهم رجال لا أطفال بل هم من صفوة أهل الفضل والعلم وكنت تدري الغرض الذي وقع الاجتماع من أجله فبالله عليك أي مناسبة لذکر موت أديسن ورحمته أو عذابه وأي علاقة له بالغرض الذي جمعتم له؟ ألا ترى أن ذكرك له بالتشغيب والتسويق والتشويش أليق منه بالخطابة في غرض شريف انتظم له عقد الأفاضل. فلو حضر ذلك المجلس قسيس متعصب أو أوربي من حزب الاستعمار بل الاستعباد، لربأ بنفسه أن يسلك مسلكك وإن كان يسوءه هو أيضا أن يفضي البحث بأولئك الأشراف إلى نتيجة حسنة، إلا أن تربيته وأدبه يمنعانه من ذلك اللبس والتخليط ولا سيما بعدما أحسن به ظنه صاحب الدعوة واعتقد أنه من أركان الإصلاح وبناة المجد ولذالك دعاه. فإن لم يحمله الحياء على المساعدة على البناء فلا أقل من أن يكف يده فلا يبني ولا يهدم وإن أراد الهدم فغير ذلك المقام أولى به كأن يدس دسیسته في صحيفة أو مجلس آخر. وأسألك أيضا هل أنت الاستاذ لطفي جمعة المحامي صاحب الشهاب الراصد في الرد على من جمع له بين العميين مقدم طائفة الهادمين فإن كنت إياه ولا أظن أن تكونه فماذا بدا مما عدا. ألم تنكر على جامع المنقبتين!!.
سلوك هذا الطريق من التذبذب المريب والمواربة الشائنة؟ أم تطورت أنت أيضا – ولا غرو فهذا زمان التطور – بل هو زمان التدهور والخلط والخبط. ولعل بعض غلاة الفرنسيين حين قال ما معناه أن العرب أطفال كبار رأى بعض أفراد هذه الطائفة التي تتلون في كل يوم ألوانا عديدة : فلا هم شرقيون ، ولا هم غربيون. ولا علماء، ولا سياسيون. فلا يزالون يبنون على غير أساس وسرعان ما يهدمون ما بنوا وينقضون ما أبرموا.
كريشة في مهب الريح طائرة *** لا تستقر على حال من القلق
وكلهم كما قال أبو الطيب: خلو من البأس مملوء من النزق لعله رآهم فظن أن العرب كلهم مثلهم فسماهم أطفالا كبارا بل الأطفال أعقل من هؤلاء. ثم نرجع إلى كلامه على أديسن ودخوله الجنة أو عدم دخوله على أن المراد بذكر الجنة والرحمة وادیسن والطماطم والبيض ليس شيء من ذلك مقصودا لذاته ، بل المراد بذلك أمر واحد وهو الإساءة إلى الإسلام والعبث بمعتقداته، احتج الأستاذ لطفي جمعة لدخول أديسن الجنة ورحمته باختراعاته التي نفعت العالم، وكانت إحسانا إلى الإنسانية. ولعل الأستاذ جمعة لا يعرف العقيدة الإسلامية ويظن أن المسلمين يدخلون من كان منهم ورضوا عنه الجنة بحدسهم وأمانيهم ومن سخطوا عليه أنزلوه دار العذاب. فليعلم أن هذا ظن فاسد، وإن عقيدة المسلمين أن لا يقطعوا لأحد منهم بالجنة وإن بلغ من الصلاح کل مبلغ إلا إذا نص الله على شخص بعينه أنه يدخل الجنة فإنهم يؤمنون بذلك. وأما من لم ينص الله عليه ولا نص عليه رسوله الذي لا ينطق عن الهوى فإنهم يسكتون عنه ويكلون أمره إلى الله. لكن إن كان في حياته من أهل الأعمال الصالحات رجوا له الجنة والسعادة ولم يقطعوا. وإن كان على خلاف ذلك خافوا عليه من العذاب ولم يقطعوا. ودليل هذه العقيدة الحقة أن العمل وحده لا يكفي لسعادة العامل حتى يكون معه الإخلاص ويستمر عليه صاحبه إلى آخر لحظة من حياته “ولا يتطور” ولما كان العلم البشري عاجزا عن معرفة المخلص من غيره على وجه اليقين، وكذلك هو عاجز عن معرفة الخاتمة وجب أن لا يقطع لأحد بالجنة فمن عمل بما بلغه من الحق وأخلص في عمله سعد، ومن لا فلا وتحت هذا القانون العادل يدخل أديسن وسائر الناس ودليله من القرآن قوله عز وجل في سورة النساء: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا. وأما الذين يحتكرون الرحمة والمغفرة ويبيعونها بالمزاد فأولئك لا تستطيع أن تعبث بعقائدهم لأن وراءها ما يروعك وهو الجنيه والمدفع . وحضرات المتطورين لا يخضعون لحق وإن كان مثل الشمس ولا يشمئزون من باطل وإن كان ظلمات بعضها فوق بعض، وإنما يخضعون ويذلون ويصغرون للجنيه والمدفع فهذا الحق ليس به خفاء، فدعني من بنيات الطريق -ونهج سبیلي واضح لمن اهتدى- ولكنهما الأهواء عمت فأعمت أبصار المتطورين.
لكنو (الهند) 15 رجب 1350
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 281، السنة 6، الخميس 7 شعبان سنة 1350هـ، (ص:10-11)


