نبذة
يتناول الدكتور تقي الدين الهلالي حال المدارس والمعاهد العلمية الإسلامية، مركزًا على وضعها في الهند بشكل مفصّل. ويوضح أن هذه المدارس، رغم كثرتها وتوزيعها على مستويات (ابتدائي، ثانوي، وعالٍ)، تعاني من مشكلة رئيسية تتمثل في عدم دمجها للعلوم العصرية. ويصفها بأنها “المدارس الميتة السائرة إلى الوراء” بسبب الافتقار إلى أساتذة يجمعون بين الكفاءة في علوم الدين والدنيا معًا.بقلم العلامة الكبير الشيخ تقي الدين الهلالي المراكشي رئيس أساتذة الآداب العربية في دار العلوم
هذا موضوع واسع مترامي الأطراف شاسع الأرجاء لا يستوفي البحث فيه إلا مجلدات، وليس مقصودنا في هذه العجالة أن نتصدى للكلام إلا في ناحية واحدة من نواحيه، ألا وهي حال المدارس العربية الإسلامية اليوم، وهذه الناحية أيضا واسعة، إذ يحتاج الخائض فى لجتها أن يعلم عدد المدارس العربية فى المعمور وما يدرس فيها وكيف تدرس العلوم فيها، وما هي درجات رقيها أو دركات انحطاطها، وما هي أدواؤها وأدويتها. وإني لعاجز عن تحقيق هذا المرام لقلة ما أعلم منه.
اذا سوف ينحصر بحثي فيما أعلم من أحوال المدارس الإسلامية على وجه الإجمال في خارج الهند وعلى التفصيل في الهند، وإني لجد معترف بقلة معلوماتي في هذا الشأن وليس عندى كتاب أراجعه فيه، ولو كان عندي ما وجدت وقت لمراجعته، وكل هذا يمهد لي سبيل المعذرة عند من يقف عليه من أهل العلم وما تصديت لهذا الا امتثالا لامر من لا تسعنى مخالفته ألا وهو المصلح العظيم العلامة السيد سليمان الندوي أطال الله بقاءه وأدام ارتقائه.
المدارس الاسلامية في الهند كثيرة جدا مبثوثة في أنحاء البلاد في المدن والقرى حيث يوجد جماعة من المسلمين سواء كانوا قليلا أو كثيرا، وعددها غير معلوم، لأن المسلمين ليس لهم مجمع علمي، يقوم بإرشاد هذه المدارس وتوحيد مناهج التعليم فيها، والسعي في ترقيتها، فهم أشتات في التعليم كشتتهم في الدين والسياسة والمبادئ والآراء، جمع الله شملهم ولم شعثهم وأقال عثارهم.
وإذ لم يكن في الإمكان بيان عدد المدارس الإسلامية فإني أضع بين يديك مثلا يقرب لك الأمر: زرت في رمضان الماضى بلد مئو من أعمال أعظم گر، فنزلت عند مدير مدارس أهل الحديث هناك الأستاذ الشيخ محمد أحمد فسألته عن عدد المدارس التي هي لأهل الحديث فقال لي مدرستان، طلبة الكبرى منهما 150 ومدرسوها 15 وطلبة الصغرى 100 ومدرسوها 10، تدرس فيها اللغة العربية وعلوم الدين، فقلت ومن يقوم بنفقة المدرستين؟ فقال جماعة من المحسنين، وقد اشترى ابن عمي محمد گرهاست أرضا بثلاثة ألاف روبية ووقفها على مدارس أهل الحديث، وقد شرعنا في بناء دكاكين فيها، لأنها في أحسن بقعة للتجارة في هذا البلد، ويبلغ عد الدكاكين خمسين دكانا يكون كراء الدكان الواحد منها شهريًا من 10 الى 15 روبية وحينئذ يتسع مورد المدارس، ولا يخشى عليها أن تقع في أزمة مالية كما وقع لكثير من المدارس فى هذه السنة الشديدة.
وليس مقصودي بذكر أهل الحديث أن أقول أنهم أكثر تأسيسا للمدارس ونفقة عليها من غيرهم من المسلمين، وإنما قصدي أن يعلم القراء الكرام أن عدد القائمين بهاتين المدرستين خمسمائة بيت فقط، وهذا نموذج يسهل علينا معرفة عدد المدارس الإسلامية في الهند إذا علمنا أن عدد المسلمين فى الهند نحو مليونا، يكون لكل ألف نسمة مدرسة نحو 125 طالبا، وعليه يكون عدد المدارس الإسلامية في الهند على وجه التقريب ثمانين ألف مدرسة تضم بين جدرانها عشرة ملايين من أبناء المسلمين. ولا تظن أن هذا عدد طلبة المسلمين لأن القسم الأعظم منهم يتعلمون في مدارس الحكومة.
العلوم التي تدرس في المدارس الإسلامية في الهند التعليم الابتدائي. أول ما يتلقاه الطالب من الدروس في السنتين الأولين من سني التعليم -وهي ما بين ثمان سنوات إلى 12 سنة- دروسا في أدب لغة أردو التي هي لسان المسلمين الديني والقومي في الهند، ومبادى اللغة الفارسية والحساب وتحسين الخط وشيء من الرسم والتصوير، وتجويد القرآن بعد معرفة قراءته كله نظرا في المصحف، وآداب الأكل والشرب واللباس والمعاشرة، ومبادئ الجغرافية وشيء من العقائد والعبادات.
التعليم الثانوي ويسمى درجة العالمية سنواته أربع أو خمس. في درجة العالمية يتعلم الطالب النحو والصرف العربيين بلسانه أردو أو الفارسية في كتب صعبة موحشة يكد الطالب فيها ذهنه ثم لايكاد يخرج منها بنتيجة. والنادر لا حكم له، ويقرأ كتب الفقة والمنطق والبلاغة والكلام والفلسفة القديمة وعلم الهيئة والحساب والجبر والهندسة وأصول الفقه والتفسير والحديث-
التعليم العالى ويسمى درجة الفضيلة وسنواته أربع أو خمس، يتلقى فيه الطالب العلوم المذكورة نفسها بتوسع واستيفاء
الامتحان
يمتحن الطلبة في آخر كل سنة، وتكون الأسئلة والأجوبة بلغة أردو في جميع العلوم، ثم يتقدمون للامتحان النهائي عند انتهاء سنوات العالمية فمن نجح في هذا لقب بالمولوي الفاضل.
من أي طبقة طلبة هذه المدارس
طلبة المدارس المذكورة في الغالب يكونون من الفقراء العاجزين عن دفع نفقات التعليم في المدارس الانكليزية، وأما أولاد الأغنياء والأعيان فقليل منهم من يعرج على هذه المدارس، بل يدخلون في الكليات والجوامع الانكليزية التي تكون شهادتها معتبرة عند الحكومة ووسيلة للوظائف. أما المتخرجون في المدارس الإسلامية فبعضهم يحترف بالتجارة أو المزارعة أو غيرهما من الحرف، وبعضهم يقضي سنتين أو ثلاثا بعد الخروج من المدرسة في تعلم الطب القديم الإسلامي لا اليوناني كما يزعمون ويحترف به، وبعضهم يتولون التعليم في المدارس الإسلامية، وأما مناصب الدولة فلا حظ لهم فيها.
المدارس الإسلامية الجامعة بين الدين والدنيا
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
فكر كثير من عظماء المسلمين فى تأسيس مدارس وكليات وجوامع تجمع بين علوم الدين وبين العلوم العصرية، يتخرج فيها الطبيب والمحامي والمهندس والأديب والعالم الكيمياوي وغيرهم. كما يتخرج فيها العلماء الدينيون المتضلعون من العلوم الدنيوية التي لا يمكن المحافظة على الدين بدونها. فأسس السيد أحمد خان ومساعده جامعة عليگر، وأسست جامعة في بنجاب للغرض نفسه ومنذ عهد قريب أسست الجامعة الملية في دهلي بهذا القصد وأسست ندوة العلماء لذلك أيضا ولكن إلى الآن لم يصل المصلحون في هذا الأمر إلى مطلوبهم، ولم يظفروا بأمينتهم، لأن عدد هذا النوع من المدارس فى علوم الدنيا تضاءل فيه الدين حتى لم يبق إلا اسمه، والناجح في علوم الدين تضاءلت منه علوم الدنيا وأعرض طلابها عنه. وسبب ذلك هو المدرسون والمديرون إذ قل أن يوجد فيهم من يوثق به في علمي الدين والدنيا معاً. فإما أن يكون أحدهم عالماً بالدين خاليا من علوم الدنيا أو بالعكس. فإذا غلب القسم الأول على مدرسة اضمحلت علوم الدنيا منها، وإذا غلب القسم الثاني على معهد ضاعت فيه علوم الدين، كما قال:
أصبحت فيمن له دین بلا أدب ** ومن له أدب خال من الدين
بقيت فيهم غريب المشكل منفردًا ** كبيت حسان في ديوان سحنون
وتسميتنا لذلك عالماً بعلوم الدين إنما جرينا فيها على حسب العرف، وإلا فإن العالم المسلم المحمدى لابد وأن يكون عالماً بما يتوقف عليه حفظ الإسلام من علوم الاقتصاد والحرب والسياسة والجغرافية بأنواعها والتاريخ والمخترعات. وفقدان مثل هذا العالم هو أحد أسباب سقوط المسلمين في هوتهم السحيقة التي لم يبلغوا قرارها حتى اليوم.
ومما قدمناه يتبين لك أن المدارس الإسلامية في الهند وإن كانت كثيرة والأغنياء ينفقون عليها أموالا طائلة إلا أنها تعد في نظر القادة وأولي الحل والعقد من المدارس الميتة السائرة إلى الوراء، وسنكشف النقاب عن أدواء هذه المدارس ونبين الأدوية الناجعة بإذن الله في الأجزاء المقبلة من هذه المجلة وبالله التوفيق.
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الضياء: العدد 1 – محرم الحرام 1351هـ – مايو عام 1932م – ص: 9.


