لحضرة العالم البحاثة الأستاذ تقي الدين الهلالي المراكشي نزيل الهند
مما يفرج عن القلب الكئيب شينا من غمه، وينفس شيئا من حزنه، أن الخائنين لأمتهم ولربهم ودينهم أخذت مراکزهم تتزعزع، وجعلوا يذوقون جزاء بعض ما يبيتون و يجترحون من الآثام، وإن مكرهم الذي تزول منه الجبال أخذ يظهر لعامة الناس بله خاصتهم، وإن سهامهم التي يريشونها لهذه الأمة صارت تطيش، وإن شبح ذلك اليوم الذي يصلون فيه إلى مقر هوة الهوان بدأ يتراءى لهم من بعيد. ولا أدل على ذلك من قضية الشيخ عبد الحي الكتاني الفاسي المغربي. فمنذ عزم على الحج قبل أيامه بشهرين أخذت الصحف العربية في جميع البلاد الضادية المحمدية تنشر المقالات الطوال في شرح سيرته وکشف خيانته والتحذير من الوقوع في شركه فما كاد يصل إلى الشرق إلا وقد صار التحذير منه والخوض في شأنه حديث النوادي، ولقد صدقت الحملة في قضيته صحفنا الشرقية فكانت حملتها على رجل لم تعرفه من قبل دليلا جديدا على سير العرب الحثيث إلى الاتحاد والاجتماع والتعاضد، فمتى خفق قلب العربي في المغرب الأقصى اضطرب قلب أخيه في مصر والشام والعراق والجزيرة وسائر البلاد العربية، ومتى نادى العربي في مراكش بحياة أمة أو فرد أو موتهما جاوبه صوت أخيه في الشرق بمثل ذلك. وهذا الطريق الذي أخذت الفلول العربية المنكوبة تسير فيه هو الصراط القويم الذي سارت عليه الأمم العزيزة في زمان جهادها فوصلت إلى ما وصلت إليه من العزة القمساء.
نعود إلى الغرض الذي له قصدنا فنقول أن الشيخ عبد الحي الكتاني من بیت علوي شریف، أهله معروفون بالعلم والفضل من قديم، ووالده سيدي عبد الكبير الكتاني كان من كبار العلماء وأفاضل المحدثين في زمانه، إلى ديانة وصيانة وتقوى، وكانت منزلته رفيعة في نفوس أهل المغرب الأقصى والأوسط، وأخوه سيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني كان نابغة في العلوم الدينية والعربية، ونشأ مولعا بالتصوف على طريقة المتأخرين فالتزم الرياضة إلى أن ظهر له أنه فاز بمطلوبه فأنشأ الطريقة الكتانية وإن شئت المجاز لا الحقيقة قل جددها، إذ لم يكثر أتباع الكتانية ولم تدخل في دور منظم ودعاية محكمة كأرقى الطرق في العصر الحاضر إلا بعمل السيد محمد ومن قبل كانت كالمعدومة. ادعى سيدي محمد أن الرسول ظهر له يقظة لا مناما واتحفه بصلاة لها من الفضل والمزايا والخواص شيء لا يأتي عليه الحصر ونصها: “اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا أحمد الذي جعلت اسمه مشتقا من اسمك وصفتك وفجرت ينبوع مادته من عين آنية أنا الله حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه وعلى آله وصحبه وسلم اه” كذا سمعتها من أتباعه وربما يكون فيها تغير قليل جدا في حرف أو حرفين وهذا النوع من الدعایة شاع في المغرب منذ 162 سنة حين ادعى الشيخ أحمد بن محمد التجاني الجزائري أصلا الفاسي دارا و مدفنا، فإن هذا الشيخ أول من ادعى رؤية النبي يقظة وأخذ صلاة تعجز المطابع بله الأقلام و يغني قرطاس الدنيا دون إحصاء فضائلها، قال أن النبي صلى الله عليه وسلم أتحفه بها وجعل ما فيها من الفضائل متوقفا على إذن التجاني والتزام شروطه فكثرت بعده أمثال هذه الدعوى.
ولما ظهر سيدي محمد بهذا المظهر أنكر عليه بعض العلماء واتبعه بعضهم وأعرض عنه بعضهم، ونجح في دعوته وراجت طريقته رواجا عظيما وحصلت له بذلك رئاسة روحية ودولة صوفية لم تحصل لأحد من أسلافه فيما نعلم واستفحل أمره فصار ينازع في أمور السلطنة، وحدثني بعض العلماء من أهل فاس أن سيدي محمد كان يعقد المؤتمرات بضريح مولانا إدريس ويجبر العلماء والأعيان على حضورها بقوة أجناده من القبائل التي تحت سلطانه الروحي، فيخطب ويذكر أعمال الباشوات (الولاة) و يقبحها ثم يذكر فساد أحوال الحكومة وينبه الناس إلى ما فيها من العيوب، فلا يسع الحاضرين إلا الموافقة، وانتهى الأمر بالسير إلى الخروج من فاس إلى القبائل وإعلان الثورة في نحو سنة 1326 هـ فجهز له مولاي عبد الحفيظ (السلطان الذي خلعه الفرنسيون بعدما أدخلهم إلى مراكش وأباحها لهم وهو الآن مقيم تحت رحمتهم بباريس) جيشا لقتاله فانهزم أتباعه وأخذ أسيرا إلى حضرة السلطان، فيقال أنه قتله جلدا بالعصي والسياط ولم يدر أحد الحقيقة في قتله، وأنكر عامة أصحابه موته وزعموا أنه اختفي وسيظهر على حد اعتقاد الشيعة الإمامية في الإمام الثاني عشر عندهم، و بذلك فقدت البلاد عالما من علمائها العبقريين وكانت ثورته وقتله كلها من نكبات البلاد التي نهكت قواها واسقطتها فريسة في يد العادي الغاصب.
أما الشيخ عبد الحي الكتاني فكان إذ ذاك حدثا مشتغلا بطلب العلم ثم مضت الأيام وتوفي سيدي عبد الكبير وصار الشيخ عبد الحي كبير هذا البيت ورأى أن الرئاسة والعيش الخافض والرفاهية لا سبيل له إلا مشيخة الطريقة ولا سيما بعد دخول الأجانب واحتكارهم الرئاسة الحكمية والسلطة ونزعها بغتة من أيدي الوطنيين ولم تبق إلا الرئاسة الغيبية، وهذه أيضا تتوقف على خدمة هؤلاء الأجانب وكون الشيخ آلة صماء بأیديهم قد وقف سلطانه الروحي وصناعته الطرقية على تثبيت أقدامهم وتجريد الأمة من كبير القوى وصغيرها فعلى هذا صارت مشيخة الطرائق أيضا في أيدي الأجانب، وكانت أمام الشيخ عبد الحي عقبات في هذه السبيل أوعرها وجود السيد المهدي بن محمد بن عبد الكبير الكتاني وقد أخذه وسائر أهل بيته بعد قتل والده خالصة المخلصين من اتباع أبيه وهم أهل مدينة سلا وعزموا على اتخاذه خليفة لأبيه فيهم كما هي العادة وأخذوا يعملون له دعاية ليخلفه وتأتيه النذور والفرائض المالية من الكتانيين في سائر البلاد، فأحس الشيخ عبد الحي بالخطر ونظر فلم ير له وليا ولا نصيرا إلا الحاكم الفرنسي فاستغاث به فأغاثه وأصدر أمره إلى الكتانيبن أينما كانوا باتباع الشيخ عبد الحي وترك السيد المهدي وكبر ذلك على جميع أهل المدن من الكتانيين لأنهم لا يعترفون للشيخ عبد الحي بشيء من الولاية ولم يظهر له الرسول يقظة ولا رآه حتى في المنام، ولم يعطه صلوات تضمن السعادة الأبدية لقارئها. وزاد في الطين بلة وفي الطنبور غنة أن الشيخ عبد الحي سلك إلى هذه الغاية مسلكا آخر نفر منه الناس ولا سيما الكتانين ألا وهو تأليفه كتابا في مجلدين ملأه بالطعن في أخيه السيد محمد، ومن جملة ما رماه به أنه كاذب في ادعائه رؤية النبي، وأخذه منه الطريقة وأورادها ومناقبها وقال أن عنده كتابا كان السيد محمد قد بعثه إلى والدهما السيد عبد الكبير يستشيره فيه في إنشاء الطريقة وأورادها ويبين له ما يجني منها من الفوائد واستدل بذلك على أن السيد محمد افتعل الطريقة من عنده، وهناك عقبة أخرى زادت “الفقراء” المريدين نفورا منه ألا وهي طعنه في جميع الصوفية والمشايخ ورميه لهم بالاحتيال والنصب والمخرقة. ولكن السلطة الفرنسية هددت كل من تحدثه نفسه برفض قبول السيد عبد الحي شيخا أو يتردد في إرسال النذور والفرائض السنوية أو يمتنع من حضور المحافل الطرقية بالعقاب الصارم.
أما أهل البادية والبربر سكان الجبال فلم يترددوا في قبوله لأنهم غنم، فأي راع نعق بهم وساقهم انساقوا، وأما أهل المدن فأظهروا القبول خوفا من عذاب الحاكم الفرنسي وأضمروا العداوة في قلوبهم فلو رأيت الشيخ عبد الحي في الزاوية الكتانية بفاس وهو جالس على عرش المشيخة والمريدون حوله يذكرون و يرقصون ويتمايلون وجل دعائهم كان على شيخهم الجديد لرأيت عجبا. الشيخ لا يصدق بمشيخته ولا بمشيخة غيره بل هو على حسب اصطلاح العامة “وهابي” في الدرجة الأولى من حيث الطرق وشيوخها، والمريدون في الظاهر يستمدون منه وفي الباطن يحرقون عليه الإرم ويدعون عليه، وهذه بدعة لطيفة أحدثتها السياسة الفرنسية في جملة محدثاتها. أما الكتانيون في سلا فقد تخلصوا بحيلة لطيفة جدا وذلك أنهم اجتمعوا في زاويته وفكروا في الخلاص فأجمعوا أمرهم على أن يجمعوا “سُبَحَهم” و يبعثوا بها إلى الحاكم الفرنسي مع وفد منهم ليسلمها إلى الشيخ عبد الحي إعلانا منهم أنهم خرجوا من الطريقة ورفضوها رفضا تاما فلم تبق للشيخ أيا كان عليهم سلطة، وكذلك عملوا فبهت الحاكم ولم يحر جوابا وتخلصوا بهذه الحيلة اللطيفة واستمروا في اتباع السيد المهدي.
ولم يبق في بلاد المغرب للشيخ عبد الحي مريد واحد من أهل المدن والكتانيون لا يبلغون مائة ألف فيما أعلم فضلا عن مئات الألوف، فما نشرته صحيفة “العرب” الغراء فيه مبالغة ولكن بقية مشايخ الطرق أيضا في السلطة كالشيخ عبد الحي أو أقبح بل ما فتح المغرب إلا مشايخ السوء فإنهم عملوا للفرنسيين ما لا تعمله القنا والقنابل وعلى هذا يكون قول “العرب” الغراء في المعنى صحيحا فإن في المغرب مئات الألوف لا يمنعها من الجهاد في سبيل الله ومدافعة أعداء الحق والسلام إلا مشايخها قرون الشيطان طهر الله الأرض منهم
لكناو – الهند
محمد تقي الدين الهلالي المراكشي
——
“العرب”: مع هذا المقال الكاشف عن حقيقة أمر الشيخ عبد الحي الكتاني أبيات شعرية ننشرها في فرصة تالية مع كلمة تعليق إن شاء الله
صحيفة العرب الفلسطينية: العدد 51 السنة 2 / السبت 19 جمادى الأولى 1352هـ – 9 أيلول 1933 م – ص: 7-8


