هذا التقسيم يبدو غیر صحیح؛ إذ المستعمرون هم فرنسة وفرنسة هي المستعمرون. وهذا صحيح ولكن يوجد اعتبار آخر يسوغ لنا هذا التقسيم، لأن مصالح المغتصبين المستعمرين و مصالح فرنسة لا تكون دائما متفقة كل الاتفاق، سواء أدركت فرنسة ذلك أم لم تدركه، ولأن قسما كبيرا من المستعمرين ليسوا فرنسيين ولاتهمهم مصلحة فرنسة أصلا وإنما هم طالبوا صید.
وقبل أن نطرح مسألة اتفاق هذه الأصناف على بساط البحث ينبغي أن نبين رغبات كل صنف منهم على حدة. نبدأ أولا بذكر مصلحة أهل البلاد ورغبتهم التي عنها يناضلون ولأجلها يحيون أو يموتون.
مصلحة أهل شمال إفريقية:
أهل هذه البلاد اليوم قسمان لا ثالث لهما: أحدهما المجاهدون الأحرار الذين عاهدوا الله وعاهدوا أسلافهم وأمتهم والأحوال الآنية أن يؤدوا واجبهم الوطني بإخلاص وأن لا يصدهم عن ذلك صاد، سواء أكان من المرغوبات الشخصية أم من المرهوبات، والقسم الثاني هم الخالفون القاعدون، إما جهالة أو خيانة وكفرا بالله وكفرا لنعمة الوطن، ومن لا یشكر أسلافه وأمته ووطنه لا يشكر الله. وهذا القسم لا نذكره لأنه لا رأي له ولا وجود في الحقيقة إذ لا يتميز عن الحيوان الوحشي في المعنى.
أما المجاهدون فإنهم لا يريدون ظلما ولا هضما ولا عدوانا على أحد من الناس لا على المغتصبين ـ المستعمرين ـ ولا على فرنسة ولا يتصور ذلك فيهم أصلا. وغاية ما يريدون ويجاهدون لأجله ويتحملون ألوان العذاب بسببه إنما هو رفع الأذي ودفع الضرر الحسي والمعنوي الواقع عليهم. وذلك أنهم درسوا تاريخهم من أوله إلى آخره، ثم درسوا تاريخ أمم الأرض كلها فوجدوا أن كل أمة من بني آدم، ما لم تمسخ قردة وخنازير وتخرج عن دائرة الإنسانية. لها تراث مقدس، ورثته عن أباء صدق لا يقوم وجودها إلا به، ولا تحيا بدونه، ولها بقعة من الأرض أنبتت أبناءها وبناتها، كما أنبتت حيوانها ونباتها، وأن هذه البقعة وما أخرجته وتخرجه من ثمراتها وخيراتها هو حق لأهلها، لا يشاركهم فيه أحد، وعلموا علم اليقين أن الأرض الواحدة كفرنسة أو إيطاليا أو بريطانية أو شمال إفريقية لا تسع لأمتين اثنتين ولدولتين وأدبین وعصبيتين متضادتين: وهذا الحق لا ينازع في صحته أحد له شرف وإنصاف واحترام مقدسات الأمم حقوقها كما يجب أن تحترم حقوق أمته ومقدساتها.
ووجد المجاهدون من أهل الشمال الافريقي أن أسلافهم خلفوا لهم ثروة حسنة وأخرى معنوية قلما خلف مثلهما آباء لأبنائهم، وخلفوا لهم أرضا يقدسون ترابها، بعد الأماكن المقدسة الدينية. وهذه الأرض وإن كانت من أخصب بلاد الله وأحسنها موقعا، فإنهم لا يقدسونها لذلك فقط. بل لأنها مع ذلك أمهم التي ولدتهم وولدت قبلهم آباءهم الأولين، ومدفن أسلافهم، و مخزن كنوز آثارهم، ومجرى عواليهم، ومجری سوابقهم، ومحتوی آیاتهم الخالدة، وهي على ذلك أمانة في أعناقهم أودعهم إياها الله ثم أسلافهم، ولا يحترمهم بعد تضييعها أحد في الأرض ولا في السماء، وأول من يحتقرهم إذا ضيعوها هم الفرنسيون أنفسهم؛ لأن كل من يحب وطنه ويقدسه يحتقر من يعق وطنه ويخونه. سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله.
إن الأمة المغربية الممتدة من برقة إلى شنقيط أمة تبوأت مجدا أمميا ونالت شرفا عالميا، سجله التاريخ البشري من قبل تكون إيطالية إيطالية و فرنسة فرنسة، وأن الأسلاف المقدسين ذادوا عن حمى ذلك الشرف بالقنا والقواضب ومنعوه أن تدنسه قدم أجنبية تملك أرضه وتعبد أبناءه ألفا وثلاثمائة سنة حتى وصلت النوبة إلينا أهل هذا الجيل، سلموا لنا الأمانة كما تسلموها، فمن يلومنا إذا نحن فديناها بنفوسنا وأدينا في ذلك فريضتنا جهدنا؟
فالإيطاليون والفرنسيون والإسبانیون إما أن بسلموا بأننا داخلون في دائرة الإنسانية نشعر ونفكر ونريد ونكره ولنا حق يخصنا كما لهم تماما. فيجب أن يعاملونا بما يحبون أن تعاملهم به الأمم الأخرى. لا نريد أكثر من ذلك ولا أقل.
وإن زعموا أننا لا نعتبر من بني الإنسان وليس لنا أي حق من حقوق بني آدم وإنما نحن حيوان خلق ليُملَك ويُستغَل ويُستخدَم حسب إرادة مالكه المتسلط عليه وأنه يجب علينا أن ننسى مجد آبائنا وتضيع الأمانة التي خلفوها لنا ونرغم أفكارنا على أن تعتقد أننا ما خلقنا إلا لفرنسة وإيطالية وإسبانيا لنكون لهم كلابا تحرس ما بریدون حراسته و تنبح وتعض من يريدون نبحه وعضه وأن نكون حميرا نحمل كلما حملونا ولا نطالبهم بحق أصلا، فنحن نشهد الله وملائكته وأهل الأرض أننا عن تلبية رغبتهم عاجزون وأننا نعتقد أن مجدنا القومي إن لم يكن أجل من مجدهم فهو لا يقل عنه، وإن العهد الذي في أعناقهم يجب عليهم الوفاء به لأمتهم ووطنهم هو نفسه علينا وهو الذي يدفعنا إلى ما نحن عليه من الجهاد والنضال.
وإذا نزلوا بنا إلى دركة البهائم فليس لهم حق أن يتهمونا بسوء النية لأن الحيوان لا نية له أصلا. فعليهم أن يمعنوا في قهرنا وتسخيرنا بالعذاب والنكال وعلينا أن نجاهد ونناضل ونتحمل أشد العذاب في سبيل غسل العار حتى يفتح الله بيننا وبينهم بالحق وهو خير الفاتحين.
من الأدلة على شعورنا
كل الناس يعلمون أن القوى الثلاث فتحت المغرب الأعظم بالقهر والقسر بعدما عاهدته معاهدات ضيعها المعاهدون وضربوا بها عرض الحائط. فحينئذ انبرى أبناء المغرب للدفاع عن أحسابهم وقاتلوا وهم شراذم ثبات متفرقين في عقر دارهم و بين عيالهم وأبنائهم تلك القوی الثلاث عشرات السنين، ولم تبق بقعة من بقاع المغرب الشهيد إلا خضبت بدم المغاربة ودماء الفاتحين. هذا والمغاربة كما قلنا ضعفاء شراذم عزل من السلاح الجديد إلا ما غنموا، ومتجردون من كل عتاد. و بين أيديهم أطفالهم يموتون جوعا، فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على ما ندعيه من الشعور بالإنسانية ومجد الآباء والأجداد وأن الاستيلاء على المغرب لم يكن من المصادفات ولم يكن كمأة وجدها واجد في برية خالية.
مثل نضربه للفرنسيين
ضربنا لكم مثلا بغزوة البريطانيين أرضكم فرنسة وبقائهم فيها فاتحين قاهرين مائة عام، ودفاعكم عنها إلى أن طهرتموها منهم وغسلتم العار عن أمتكم ووطنكم، وسواء أكان ذلكم مستندا إلى خرافة المرأة جان الآركية أم إلى همم الرجال الأبطال أباة الضيم كما هو الحقيقة. فهل كان ذلكم النضال والجهاد منكم جرما وخيانة للجند البريطاني؟ على أنه يجب أن نلاحظ الفرق العظيم بين القضيتين وهو من وجوه، أحدها أن البريطانيين متفقون معكم في الدين والأدب والأخلاق وأكتر العادات. وثانيها أنهم جيرانكم وأوربيون مثلكم. ثالثها اختلاط ملوككم مع ملوكهم بالمصاهرة وإرثهم بسبب ذلك قسما كبيرا من أراضي الإقطاع. رابعها أنه لو دام استيلائهم على أرضكم حتى الآن لما كانت بلادكم اليوم مستعمرة مستعبدة لأصحاب رؤوس الأموال، لا شابه خليط ممن هب ودب من متشردي أوربة مهانا أهلها محرومة من جميع حقوقها الإنسانية بل كانت تكون اليوم على أقل تقدير دومینونا شريفا مثل حكومة كندا أو حكومة (سود أفريكا) جنوب إفريقية، أضيف إلى ذلك انكم معا كنتم في يوم من الأيام الخالية رعايا حكومة واحدة إلى غير ذلكم من المناسبات التي لا يوجد منها شيء بيننا وبينكم.
وإن زعمتم أنكم لا تريدون اليوم فتحا ولا قهرا ولا استعبادا ولا استعمارا، مع أن أعمالكم الموجودة حتى الآن تكذب هذا الزعم. إن زعمتم أنكم رأیتم شعبنا انحط وغلب عليه الجهل وعجز عن القيام بشئونه كلها وصار عرضة لاستيلاء الأمم القوية الطماعة. وأنكم سبقتم إليه ووضعتم يدكم في يده لتتعاونوا معه فتقدمون له من الإرشاد ما يحتاج إليه وتتشفعون بالمعاملة وتبادل التجارة معه وأنكم تقومون عليه قيام الوصي على اليتيم بأمانة وشرف وإخلاص، وأنكم لا تدخرون وسعا في تهيئته للرشد، ومتی رشد سلمتم له شئونه وبقيت الصداقة بينكم وبينه وتبادل المصالح والاحترام، قلنا أهلا وسهلا وياليتكم تكونون كذلكم! إذا فما معنى مئات الألوف بل قد يزيدون على المليون من المستعمرين وهم ليسوا فقط من فرنسة بل من أشابة أمشاج من جميع أجناس أوروبة؟ وما معنى دعوتهم إلى بلادنا و الترحيب بهم فيها وجعل جميع المصالح والمرافق بأیدیهم ومضايقة أهل البلاد ومطاردتهم في كل ناحية من نواحي عيشهم في البيت، في الحانوت في المدرسة في الدين في الصناعة، في الفنون والآداب والتعليم في الزراعة الخ، ولم يكفهم هذا الخناق القاتل حتی طمعوا في الحكم والاستبداد وصرحوا بأنهم يريدون أن يعملوا أمة أخري وحكومة أخرى يسمونها فرنسة الإفريقية مع أنها في الحقيقة ليست من فرنسة في شيء لأن المستعمرين أكثر من نصفهم ليسوا فرنسيين ولا تهمهم فرنسة أصلا، والفرنسيون منهم لا تهمهم فرنسة في الدرجة الأولى لأنهم متكالبون ومتنافسون في تضخيم رؤوس الأموال وتوسيع نطاق الإقطاع. وما هذه الأحزاب والدعايات الفتاكة؟ أحدها يسمي المغرب كاثوليكيا والآخر يسميه شيوعيا والثالث يسميه فرنسيا وكل حزب بما لديهم فرحون ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون. وكل منهم حر في مضارباته الاقتصادية، حر في ميدان مقارعاته السياسية، حر في تربيته وتعليمه وصحافته ونواديه، له ضمانة من حكومة فرنسية في برلمانها. وله قوانين مسطرة بينة واضحة لا يخشى معها إرهاقا ولا اضطهادا. أما أهل البلاد منهم بعكس ذلك كله، كل الأبواب مسدودة في وجوههم إلا باب دفع الضرائب والسخرة والغرامات والعذاب بدون شرع ولا قانون ولا نظام؟ فهل تقدرون أن تجيبونا بدون مواربة بل بتصريح وإيضاح عن هذه الأسئلة؟ وهل تلك الأعمال تدل على حسن النية منكم؟
امتحان
إن صوغ العبارات المزوقة والخطب الفارغة المزخرفة أمر سهل ولا قيمة له، أما الحقيقة فهي شيء آخر. إن زعمتم أيها الفرنسيون أنكم حسنو النية وأنكم عزمتم على أن تبدلوا سیرتكم وتميلوا إلى حسن النية فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا وهي معاملة بريطانية حليفتكم وصديقتكم والتي هي أقوى منكم وأعرف بمعاملة الشعوب المحمية والمستعمرة فنحن نقبل منكم أن تعاملونا فقط بمثل المعاملة التي عاملت بها الشعوب التي استولت عليها مع انها لم تكن عادلة ولا منصفة حق الإنصاف.
وعلى ذلك فإنا واحد من أهل المغرب الذين عاهدوا الله ثم الوطن العزيز أن يجاهدوا في سبیله حتى النفس الأخير. لم أعرف قط بالتساهل في حقوق الوطن، أتحداكم أن تعاملونا معاملة بريطانية لمحمياتها وأكون أنا أول المصافحين لكم وأضمن لكم مصالحة بل ومصافاة جميع المجاهدين من أهل المغرب الأعظم، شمال إفريقية أجمعين وتعاونهم الصادق معكم ودفاعهم في حدود بلادهم إذا هجم عليكم هاجم وبقاؤهم على العهد والتحالف معكم في حال قوتكم وحال ضعفكم على السواء، ولا أكذب عليكم وأخدعكم كالمنافقين الذين لا ذمة لهم، وإنما هم عبيد اللقمة. ولا اقول لكم اعتمدوا على أبناء شمال افريقية أن يدافعوا عن فرنسة فذلك قرض ملقى على عواتق أبناء فرنسة أنفسهم. ولكننا ندافع عن التحالف معكم إن حالفتمونا بالصدق في حدود بلادنا كما هي الحال بين بريطانية ومصر.
فإن زعمتم أنكم أجل من بريطانية وأعظم أو أننا نحن أقل وأنزل درجة من أهل مصر وأهل العراق وأهل جميع البلدان التي تربطها مع بريطانية رابطة تضمن لها حريتها في بلادها وتدفع عنها عادية الاستعمار والاستعباد، فقد أبطلتم وكشفتم عن سوء النية. فاعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون. وقبل أن أختم هذا البحث أقول لكم: إنكم لن تجدوا قوة في الأرض ولا في السماء تحفظ علاقتكم مع أهل شمال إفريقية ولو حشرتم من الجنود والأساطيل البحرية والجوية ما لا يأتي عليه الحصر، لن تجدوا إلا قوة واحدة وهي تحرير أهل البلاد وإرضاؤهم باختصار سلوك الطريقة البريطانية معهم.
التهم السخيفة
وهنا ينبغي أن نعرض لبيان بطلان وسخافة التهم التي يلفقها المستعمرون للمغرب ولفرنسة جميعا على السواء.
الإلقاء في البحر
قد اعتاد الاستعمار أن يتهم كل وطني مجاهد شريف بتهم خبيثة لا تخرج إلا من ادمغتهم الخسيسة. منها أن المغاربة يجاهدون لأجل إلقاء الفرنسيين في البحر. وهذه تهمة مغفلة سخيفة لأن الاستعماريین إما أن يؤوبوا إلى رشدهم ويتخذوا أهل المغرب الأكبر أصدقاء ويتركوا فكرة استعبادهم وابتزاز بلادهم وحينئذ تبعد الخيانة والغدر ونقض العهد عن المجاهدين كبعد الأرض من كبد السماء.
بل يكونون خير الأوفياء في الشدة والرخاء وأما أن پغمطوا حقوق أهل المغارب ويعاملوهم معاملة من هو في دركة الكلاب. أعني كلاب أهل البادية. وأما كلاب أهل الحواضر فهي مكرمة ومدللة. وحينئذ يضطروننا إلى الدفاع عن أحسابنا.
الدعاية إلى إيطالية وجرمانية
هذه الكذبة هي من أدل الدلائل على أن المستعمرين فارغو الذمم لا شرف لهم ولا ضمائر وأنهم يحاربوننا بالكذب عمدا. فأنا الآن أقيم في جرمانية منذ سنتين ونصف لم أر ولم أسمع ولم أشم أي رائحة لميل جرمانية إلى بث دعاية في شمال إفريقية. وأنا أصرح بأن الاستعمار كله ملعون وخزي وأن من يميل إلى استعمار إيطالية أو جرمانية إن كان في المغرب الأكبر من هو هكذا ولا أظنه فهو ليس من المجاهدين وليسوا منه وهو عندنا خائن خسيس سواء مثل من يميل إلى استعمار الفرنسيين والأوباش الذين أتوا بهم وبثوهم في المغرب الأكبر ليؤذوا أهله فحاق بهم مكرهم ورجع الأذى عليهم. ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فنحن معشر المجاهدين لا نريد غسل الدم بالدم ولا قضاء الدين بالدين وليس لنا إلا غرض واحد وهو التحرر من العبودية والضيم والهوان و نيل حقنا الطبعي كاملا. نريد استقلالنا ونضرب على أيدي العابثین. إن أرادت فرنسة فبالتدريج المسالمة وحسن النية كما تفعل بريطانية مع محمياتها. وإن أبت واختارت سبيل الفي فإنا نجاهد حتی نخلص حقنا أو نموت دونه. هذه عقيدة كل مجاهد وطني في المغرب الأكبر من برقة إلى شنقيط -أي ما بين مصر وسينكال من جهة وما بين البحرين الأبيض والمحيط والصحراء الكبرى من جهة أخرى- لا نسمح بشبر واحد منه لأجنبي، هذه أمانينا القومية التي عليها نحيا وعليها ولأجلها نموت وعليها نبعث يوم يبعث من في القبور. وكل من يستهزئ بها أو يهضمها فهو عدو للمغرب الأكبر وأهله. حي الله الحبيب بورقيبة! مصالي الحاج! علال الفاسي!!.
المستعمرون في هذه البلاد قوم دفعهم الكسل والإفلاس من أوربة فنزحوا إلى بلادنا ليعيشوا فيها معيشة – فوق القانون – أطفالا في حجر القوة الغاشمة، حيث يوجد قومان، قوم يؤدون جميع الواجبات ويؤدون فوقها كل ما يفرض عليهم من الظلم والإرهاق والسخرة ويمتثلون قسرا كل ما به يؤمرون، أما الحقوق فليس لهم منها شيء البتة، لأنهم وما ملكوا مملوکون مقهورون، ليس لهم قول ولا فكر ولا رأي، وقوم سادة قاهرون صائلون جبارون عالون، لا يجب عليهم شيء أصلا، ولهم كل ما يشاءون وما يشتهون، يترنمون أبدا بقول الشاعر:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم
ولا ينكرون القول حين نقول
ومعلوم أن هذه العيشة الشاذة، التي لا وجود لها، في غير بلادنا، إلا في عالم الأماني والأحلام، لا يمكن أن يجدوها في أوربة حيث “ليس للإنسان إلا ماسعى وأن سعيه سوف يري ثم يجزاه الجزاء الأوفی وأن إلى (القانون) المنتهی” والقانون في أوربة واحد. وهو صارم، لا يخطر ببال أحد أن يطمع في استثناء أو امتياز فيه.
وساعدهم على جشعهم في بلادنا أن الحكومة منهم وإليهم فإن اتفق أن أحدا من المقيمين ـ الممثلين لفرنسة ـ كانت فيه شهامة أو إنصاف، أو كانت فيه خنزوانة و جبروت، واستنكف عن الخضوع لهم، وعزم على معارضتهم وايقافهم عند حدهم، كادوا له كيدا، وأجمعوا أمرهم وتآمروا عليه وحذفوه ورموه إلى فرنسة مذموما مدحورا. والأمثلة كثيرة. ولیوطی مع كونه من جبابرة المقيمين، لم يقدر أن ينجو من كيدهم، وكان صريع الخيل عندما أراد معارضتهم، لا حبا للرفق بأهل البلاد كما زعم، ولا محافظة على معاهدة الحماية كما ادعي، ولكن ربا بنفسه وشمخ بأنفه أن يخضع لهم، فكانوا هم الغالبين. وكيف ولهم رؤوس أموال و(زبائن) في فرنسة، كثير عدهم وعددهم وعظيم نفوذهم، فصار المقيمون يخافونهم ويتآمرون معهم على أهل البلاد اليتامى الذين لا ناصر لهم، ولا قانون يحميهم. فالمستعمرون لذلك يعيثون في بلادنا فسادا، ويخربون في الوقت نفسه أمتهم ويفعلون بفرنسة ما لا يفعله أعداؤها بها، قد وضعوا أيديهم على الزراعة برمتها، وبقي الفلاح الوطني المسكين تحت رحمتهم، وأني لهم الرحمة؟ فانتزعوا منه أجود أراضيه. وما بقي له فهو في عبد مقهور، قد ملئت نفسه رعبا من المغتصبين، لكثرة ما رأى منهم من الأذى والشراسة والقسوة والظلم، ولانه لا ملجأ له ولا مغيث ولا راحم، وقد جرب الشكوى إلى ولاة الأمر، ولكن… فإلى من يشتكي “إنما أشكو حزني إلى الله”.
والتجارة بأيديهم إصدارها و إيرادها. فالوطني المسكين لا يقدر أن يبيع ما يحصل له إلا بعد بيعهم ما يریدون بیعه، وإلا بواسطتهم. ولا يقدر أن يرسل بصناعته إلى بلد آخر غير فرنسة، لأن التشريع ومنه المكوس في أيدي المستعمرين، وكذلك إیراد البضائع في أيديهم، فهم أحرار والوطني عبد مقید بهم ليس له اختيار. والضرائب خاضعة لتصرفهم. بل حتى جني الثمار وقطافها لا رأي له فيه. ولا يستطيع أن يجني ثمرته إلا بإذنهم. فلا غرابة إذا نزل التاجر الوطني إلى الحضير وأفلس، وخرجت الأموال إلى أيدي هؤلاء المغتصبين، وبقى الأهالي يموتون جوعا، كما وقع في مراكش (القطر) في السنة الماضية. فلا يعلم إلا الله كم خلائق ماتت جوعا، وكم بيوت اضمحلت، ولم يبق لها ذكر، ولم يشعر بوجود تلك المسغبة أحد من الغرباء.
وقد استولوا على العقار من البيوت والحوانيت والبساتين وصارت كلها بأيديهم، لأن قانون الكراء والإجارة هم مشرعوه ومنفذوه، والوطني يرى السماء أقرب إليه من الوصول إلى حقه في ذلك. فميدان الكراء بين الغرباء العادين وبعض اليهود ولا مجال فيه للوطني.
وميدان العمل اليومي والاستئجار في أيديهم وتحت تصرفهم. فهم يستخدمون العامل المسكين كيف شاءوا، ولا يدفعون له إلا شيئا حقيرا لا يصح أن يسمى أجرة، ومن تنحنح من العمالة ضرب بالعصی حتى يتقطع لحمه وطرد.
ووسائل النقل والسفر كلها في أیدیهم، كسكك الحديد وشركات السيارات وعجلات الحمل والبواخر والسفن والزوارق وما أشبه ذلك.
واستحوذوا على التربية والتعليم. فنفقات التعليم والتربية الطائلة الثقيلة، التي تؤخذ من عرق جبين الأهالي المساكين تنفق كلها، إلا جزءا ضئيلا، على أولاد هؤلاء المتلصصين، ولا يبقى طفل منهم ولا طفلة إلا ويربى أحسن تربية ويعلم أحسن تعليم، كما يشاء والداه، يتقلب في نعمة إدارة المعارف، ويتمتع بعنايتها ويستظل بظلها. وإلى جانبه الطفل الوطني المسكين يفتك به الجهل بعد الفقر والقهر، والجزء القليل الذي يتعلم من أطفالنا، حال تعلمه وتربيته سيئة، قاعدة مقعد اليتيم القصي ذي القاذورة المقلى، لا يعرف والداه ما يتعلم ولا كيف يتعلم ولا حق لهم أن يسألوا عن ذلك.
ولم يكن هؤلاء ذلك حتى استبدوا بأمر التعليم والثقافة، وحرموا على الوطنيين أن يتعلموا وأن يتربوا حتى على نفقاتهم في مدارس أهلية خاصة لهم، قالوا لأن ذلك ينافي العبودية والذلة، فلم يجيزوا لأولادنا أن يتعلموا العلوم النافعة على الطريقة القومية المطابقة لدينهم وتراثهم القومي وآدابهم المعنعنة، مخافة أن ينشأوا على الشهامة والشجاعة وكرم الأخلاق، فلا يكونون عبيدا أذلة كما يريدون. والمدارس الوطنية التي أغلقت وحبس معلموها والمتولون أمرها، وحق المتبرعون لها في مراكش (القطر) لا تزال إلى الآن مغلقة. ومدرسة جماعة العلماء الجزائريين بتلمسان وأخواتها لا تزال معطلة والنكبات التي نكب بها الأهالي بلا ذنب إلا حبهم لتعليم أولادهم كما يريدون كثيرة لا تحصی.
أما الوظائف والمناصب فقد حرمها هؤلاء المسيطرون ما عدا وظيفة الكنس وما أشبهها. والوظائف الأهلية الخاصة تحت مراقبة ضبط شديد.
أما الأمور الحربية فهي وقف على المستعمر في التصرف والرقي وتسلم المناصب العليا. وليس للأهالي ولا للحكومة المحلية جنود. ولا للأمة حق في شيء من أمر الدفاع إلا في أمر واحد. وهو الموت والقتل.
كتب القتل والقتال علينا
وعلى الأدعياء جني الثمار
قلنا في الحظ الأوفر فالوطني – إذا أحمر البأس وحمي الوطيس يقدم وقودا للنار:
وإذا تكون كريهةً أُدعى لها
وإذا يُحاس الحَيْس يُدعى جندب
فإن سألت عن القتلى والجرحى والمكسورين تجدهم من الوطنيين. وإن سألت عن الألقاب والرواتب الضخمة، والمناصب العالية، والأرزاق الخصبة، والرواتب الفخمة، والرتب السامية فلا تجد إلا الماريشال مسيو فلان والجنرال مسيو علان، والكماندان مسيو كذا وكذا.
وحتى في الجمعيات الأدبية والرياضية يحس الوطني بأنه غريب في مكتوف اليد منبوذا ظهريا. فهذا شأن هؤلاء القوم معنا.
ومع ذلك يحبون أن يقال لهم أنهم غمروا بلادنا وسكانها باحسانهم، فأغنوها من فقر، وأطعموها من جوع، وأمنوها من خوف، ومدنوها بعد التوحش، وعلموها بعد الجهل، ورقوها بعد الانحطاط. الخ الخ…
فإذا تجرأ متجرئ ونطق بالحق وشرح خبائث أعمالهم، مما ذكرنا بعضه أعلاه، ورمت أنوفهم، واستنفروا واستحقروا، وبرقوا ورعدوا، وتذمروا وتنمروا. وقالوا (إنتي فرانسي) والله يعلم أن هؤلاء المغتصبين هم أولى من يستحق هذا اللقب “انتى فرانسي” لأنهم أعداء فرنسة اللاعبون بشرفها، المدنسون لاسمها، المتجرون بسمعتها. البائعون صيتها بثمن بخس. وياليتهم، هذا كله فرنسيون. والحقيقة أنهم، كما قدمنا في القسم الأول من هذا المقال: ليسوا من فرنسة في قبپل ولا دبير، وإنما هم نصابون، يجرون الربح لأنفسهم، ولا يبالون بفرنسة أقامت أم قعدت.
أما نحن فلقب “انتي فرنسي” لا يضيرنا إلا كما يضير الفرنسي لو قيل له أنتي مغربي أو نتي من شمال إفريقية لأننا أولا وقبل كل شيء مغاربة، يجب علينا حب قومنا ووطننا والإخلاص له، كما يجب على الفرنسيين حب وطنهم. والأمة الفرنسية إذا سلكت معنا سبيل الإنصاف والتعاون فقط، كما تفعل بريطانية مع من ابتلوا بها، لا أكثر. فإن عملها وحده يجبرنا على ولائها ومصافاتها مصافاة متكافئة، مصافاة سید لسيد، لا مصافاة عبد لسيد. أما إذا ظنت أن الحب يفرض فرضا بالقهر والقسر بالسجن والجلد والأشغال الجبرية التعذيبية، فإن جنونها يفوق كل جنون، لأن كل شيء يمكن الجبر عليه إلا الاعتقاد والحب وما أشبهها من أعمال القلوب، فمن المحال الجبر عليها ولا تجيء إلا طوعا واختيارا.
فرنسة
أما فرنسة فهي في غمرة، فمن أهلها من يقول بنصرة المستعمرين، ويقبل منهم كل ما زعموہ بلا تمحيص، ويعدهم فخرا لفرنسة، ويزعم أنهم بنو لها (امبراطورية) ومجدا عظيما، بل أنشئوا لها فريسة جديدة فيما وراء البحار، وهذا هو الضلال البعيد. أبالظلم والقهر والضرب والتعذيب والنكال والأغلال تبنى الممالك؟ لقد كذب الخراصين ظنهم. إني لأتمنى وأنصح هؤلاء ومن يظن ظنهم أن يجولوا في المملكة البريطانية الكبرى ويدرسوا الطريقة التي بنى بها البريطانيون مملكتهم فيما وراء البحار. مع تكرار أن بريطانية ليست على هدى ولا استقامة في معاملتها، وإنما تمدح عند مقابلتها بأعمال هؤلاء المستعمرين المغتصبين المتعسفين، وأنا الضامن لهم أنهم لا يتجولون إلا قليلا حتى تنكشف لهم الحقيقة ويعلمون أن طريقة الاستعمار في شمال إفريقية ليست من البناء في شيء، وإنما هي هدم لشمال إفريقية ولفرنسة نفسها.
ولا أقول هذا حبا للبريطانيين فلا موجب لذلك كيف وهم خصوم العرب والمسلمين؟ ولنا معهم حساب غير يسير، ولا سيما نحن المغاربة، فإن البريطانيين هم الذين قسموا بقية بلادنا الشهيدة مراكش، ومسخوها وفعلوا بها ما فعلوا ببلاد الشام المظلومة. ولكني جلبت على الإنصاف. مع الصديق والعدو، ورأیت الفرنسيين والمتفرنسين من شذاذ أوربة ومشرديهم في مراكش والجزائر. ورأیت أعمالهم. ثم رأيت الهند والعراق ومصر وعمان وغيرها مما كان أو لا يزال تحت الحكم البريطاني المباشر وغير المباشر. فرأيت الفرق بين المعاملتين بل بين الظلمين بعيدا بعد السماء من الأرض، وأنا أؤدي هذه الشهادة بصدق وشرف جريا على مذهبي وإن كره من كرهه.
ومن الفرنسيين سكان فرنسة من لا يهمه أمر أهل شمال إفريقية ولا يبالي بهذه البلاد أصلا ولا يفكر فيها، وهم الأكثر.
فإن وجد بعض عقلاء أحرار فهم مغلوبون على أمرهم. لا يعبأ بهم.
وهذه الحالة هي التي جرأت إيطالية وأطمعتها في شمال إفريقية وفي شرق إفريقية ـ جيوتي، بل وفي فرنسة نفسها ـ نيس.
والدليل على ذلك
الدليل على ذلك أن إيطالية طمعت في جيبوتي. ولم تطمع أو لم تبد طمعها في الصومال الذي تحت يد بريطانية. وهذا القسم من الصومال أهم عند إيطالية من تونس ومساو لجيبوتي. ولكنها لم تبد طمعها فيما تحت يد بريطانيا لأنها تعلم أنه ليس في سجون بريطانية وتحت أنكالها وعذابها آلاف مؤلفة من الزعماء والأشراف الوطنيين أمثال الحبيب أبي رقيبة ومصالي الحاج وعلال الفاسي ورفقائهم المجاهدين. الذين لا ذنب لهم إلا إخلاصهم لوطنهم وإرادتهم الإصلاح الذي تستفيد منه فرنسة قبل شمال إفريقية. ولكنه ليس في صالح الانتفاعيين قطعا وإذا ذكرنا هؤلاء الزعماء نقول نضر الله وجوههم وبيضها يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
فلتعلم إيطالية أن بريطانية تحترم أهل البلاد التي لها بها علاقة وتعطيهم بعض حقوقهم وتفضل التفاهم معهم على القهر إلى حد بعيد. ولأن إيطالية درست أحوال البلدان التي بينها وبين بريطانية علاقة فوجدت إيطاليا أن بريطانية احتالت على أهل تلك البلدان بدهائها وسياستها حتى أفهمتهم أنها لا تريد إلا التعاون معهم على المصالح المشتركة بين الطرفين. ولأنها لم تمكن أحدا من الاستغلال الدنيء من أبنائها البريطانيين الأفخام، فكيف بمن هب ودب من لصوص أوربة. ودليلنا على ذلك أن في بريطانية نفسها اليوم مليونين من العاطلين. يتضورون من الجوع ويعملون مظاهرات، بل وإرهابا. فلو سلكت بريطانية سبيل الجشع والاستئثار لكان حل هذا المشكل عليها هينا. فلا تحتاج إلا إلى عزل قسم من الموظفين في البلدان التابعة لها وتجعل أولئك البريطانيين الجياع العاطلين في وظائفهم، ولكن بريطانيا لها نظر بعيد وتعلم أن القهر والقسر أجله قصير. وأنه إذا جد الجد لا ينفع التملق والتودد المصطنع. بل يذهب جفاء. وإنما تبقى وتدوم المودة المبنية على تبادل المصالح التي تؤمن بها القلوب وتطمئن إليها الأفئدة.
أفما آن لفرنسة أن تعتبر بغيرها؟ عجبا لفرنسة! يدعي أبناؤها الديمقراطية ويريد كل واحد منهم دیكتاتورا جبارا عاتيا فرعون في بلادنا. فما هذا التناقض؟
وهذه كلمة صريحة طاهرة منزهة عن الغش والخداع، وفي المثل: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. وفيه: صديقك من صدقك لا من صدقك، ولو خاطبنا فرنسة بغير هذا لكنا مخادعين لها ولأنفسنا.
وإن أرادت فرنسة أن تصلح أغلاطها وتتلافی هفواتها فإن الوقت لم يفت بعد. فليحيي المغرب الأعظم من حدود مصر إلى حدود سينغال حرا عزیزا.
بن (جرمانيا)
تقي الدين الهلالي
جريدة تونس الفتاة: عدد 12 – السنة 2 – ص: 7 و 31


