بلغني أن أهل قرية من قرى جبل العلم تسمى (سريف) لما قحط المطر أمرهم أحد الدجاجلة بذبح فرس وكتابة آية من القرآن العظيم، وهي قوله تعالى في سورة الشورى ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ على جبهته بعد قطع رأسه وتعليقه في شجرة عالية استنزالا للمطر بزعمه، ففعلوا ما أمرهم به وخيب الله سعيهم، فلم تنزل عليهم قطرة واحدة، وذلك في سنة 1364هـ، فقلت في ذلك القصيدة التالية :
بكى قوم على جاه ومال ** وأعدل آخرون من الهزال
وبعضهم بكى في إثر خل ** بعيد الأنس آذن بارتحال
وبعضهم ينوح على شباب ** تولى ثم بدل باعتلال
ودين الله أصبح في ضياع ** ولا باك عليه ولا مبال
بدهر صار فيه العرف نكرا ** ونور الحق غُطي بالضلال
وسنة خير خلق الله أضحت ** تنادي أين أنتم يا رجالي؟
طغى، وبغى عليها ذو ابتداع ** خبيث سالك سُبل الخبال
ولما شاهد الغرباء هبوا ** لنصرتها توعد بالقتال
وغرته جموع وافرات ** حواليه توالي من يوالي
وساعده عموم الجهل حتى ** لقد شمل الأسافل والأعالي
وحزب الله يغلب كل حزب ** وينصره المهيمن ذو الجلال
فَيُصْلِت من كتاب الله بيضاََ ** مُهَندةََ تضيء دجى الليالي
ومن سنن الرسول له سهام ** ومن حجج الأصول له عوالي
وأهل الرأي كلهم بغاث ** يتامى في الحديث، ذوو اختبال
ومن يعرض عن السنن العوالي ** يذق ذل الهزيمة في النزال
ويكسى الخزي في دنياه دوما ** وفي أخراه يقرى بالنكال
ومن سنن الرسول ومقتفيه ** سؤال الغيث من مولى النوال
من الرحمن لا يدعون شيئاً ** سواه مخلصين في الابتهال
إلى أن جاء بعدهم خلوف ** دعوا أهل المقابر باهتبال
وقد ذبحوا لهم بقراً وشاءََ ** وقد ذبحوا السمان من الجمال
ومن يذبح لغير الله يلعن ** مقال المصطفى خير المقال (1)
وأعجب بدعة فيما سمعنا ** وأعرق في الجهالة والخبال
أمور عن «سريف» قد أتتنا ** تواتر نقلها بين الرجال
فقد عمدوا إلى مهر كريم ** من الخيل المطهمة الغوالي
فحزوا رأسه بالسيف ظلماً ** ولم يذنب إلى أحد بحال
وقد كتبوا بجبهته سطوراً ** من القرآن يالك من ضلال
وتلك إهانة للذكر جلت ** صفات الله عن هذي الخلال
ولو تبعوا الكتاب وعظموه ** مع السنن المطهرة العوالي
لأسقاهم إله الناس ريا ** بلا ذبح لخيل أو بغال
ومن يعرض عن القرآن يسلك ** عذابا (2) قول ربك ذي المعالي
والاستسقا بذبح الخيل بدع ** غريب لم نرى له من مثال
أأهل سريف اتئدوا وتوبوا ** إلى الرحمن من هذا المحال
وفي السنة نفسها نادى المنادى في مدينة القصر الكبير شمال المغرب بأمر من الحاكم، وكان يدعى القائد الملالي؟ أيها الناس، اسمعوا، ولا تسمعون إلا خيراً إن شاء الله، إن القائد -يعنى الحاكم المتصرف في المدينةـ قد عين باتفاق مع القاضي يوم كذا وكذا للخروج لطلب الغيث والذبح على (سيدى على بو غالب) وغيره من الأولياء، فلا يتخلف أحد عن الخروج.
فلما كان ذلك اليوم خرج الحاكم المذكور والقاضي وجميع أهل المدينة حفاة حاسري الرؤوس تتقدمهم الثيران، وأكبرها الثور الذي سيقدم لأكبر الأوثان، علي أبي غالب، والأوثان الصغار الذين لا يستحقون العجول ذبح على كل منهم كبش، وخرجوا خاشعين متذللين يقولون : (جئنا قاصدين، لا تردونا خائبين، يا أولياء الله الصالحين) ومع ذلك ردهم الله خائبين.
وأناس آخرون قاموا باستسقاء عجيب، وذلك أن بعض الجهلة من الذين يدعون العلم أخبره أنه رأى في كتاب أن الناس إذا قحط عليهم المطر فجمعوا سبعين ألف حصاة، وقرأوا الآية السابقة ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ الخ الآية، ثُم جمع الحصا وجعل فى كيس وربط بحبل وأنزل إلى قعر أحد الأنهار الجارية، وربط طرف الحبل بشجرة لا يكاد الكيس يستقر فى قعر النهر حتى يأخذ المطر في النزول ويبقى كذلك نازلاً بغزارة حتى ينزع الكيس من قعر النهر، فإن لم ينزع بقي المطر كذلك أبدا حتى يغرق كل شيء، ويكون طوفان مدمر. فجمعوا جماعة من القراء ووزعوا عليهم الحصا فقرأوا على كل حصاة الآية المذكورة، وأنزلوا الكيس إلى قعر النهر، وكنت أقول لكل من يزورنى: “آمنا بالله وكفرنا بأحجارهم”. وكنت كلما رأيت سحاباً في السماء أخاف أن يمطروا فيصدقوا باطلهم فأدعو الله أن لا يمطرهم. وبعدما مضى على ذلك شهر زارني جماعة من أهل تلك المدينة وقالوا لي: نريد أن نغسل هذا العار الذي صنع أهل بلدنا بأن نصلى صلاة الاستسقاء، ونريد أن تؤمنا فيها.
وأخبرني بعضهم أن من العقائد الفاسدة التي شاعت في المغرب أنه متى صليت صلاة الاستسقاء يموت السلطان، ويموت الإمام الذي صلى بالناس، ولذلك لا يستطيع أحد منهم أن يتقدم للإمامة، لأن زوجته وأولاده يتعلقون به ويبكون، فقلت لهم أنا غريب ومريض، وليس لي هنا أولاد فدعوني أموت، وخرجنا، وكان عدد المصلين (40) رجلاً، وكان أحدهم معلماً للصبيان فأخرجهم معه من الكتاب، وكان عددهم (50) صبياً فخرجنا إلى مصلى العيد، وصليت بهم صلاة الاستسقاء كما جاءت في كتب السنة، فجاء المطر بإذن الله. ولا يزال بعض أولئك القوم أحياء في مدينة القصر الكبير يشهدون بهذا كله.
وكل قوم تركوا كتاب الله وسنة رسوله وعبدوا الأوثان لابد أن يقعوا في أنواع الجهالة والضلالة، فنسأل الله أن يحيينا مسلمين ويتوفانا مسلمين.
مكناس
الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
———-
(1) الإشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم (لعن الله من ذبح لغير الله) ـ الهدى النبوى.
(2) الإشارة إلى قوله تعالى (ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعداً) ـ الهدى النبوى
مجلة الهدي النبوي – العدد الثاني – المجلد 31 – صفر 1386هـ – ص:32


