هاتان الكلمتان لم تكن تستعملهما العرب بهذا المعنى الذي يقصده بهما كتاب العصر الحاضر، لأنهما مما ترجمه المترجمون باللغة العربية، ناقلين له من اللغات الأوربية، فتلقاه كتاب العربية واستعملوه في كلامهم وكتبهم، والرجعية: نسبة إلى الرجعي، وهو مصدر، رجع يرجع رجعا، أي عاد إلى مكانه الذي كان فيه، أو إلى حال كان فيها، وفعله بهذا المعنى لازم.
قال ابن منظور في لسان العرب: ومصدره لازما: الرجوع، ومصدره واقعا: الرجع، يقال: رجعته رجعا فرجع رجوعا، اه.
والرجعية عند المعاصرين صفة الرجعي الذي يرجع في أفكاره وعقائده إلى الزمان الماضي، وهو زمان الانحطاط والجهل والظلم والاستئثار، والإصرار على الخرافات والأوهام التي انقشع الظلام فيها عن بصائر المتقدمين والمتمدنين السائرين حثيثا في ركب الحضارة، الطالبين للحقيقة. لا يمنعهم منها مانع من عقيدة أو عادة يتعصب الرجعيون لها، فهم – أغنى المتقدمين – دائما في طليعة هذا الركب، أغنياء أقوياء سعداء علماء، سائرون إلى الأمام، متعاونون مع الشعوب التقدمية، ينظرون إلى آبائهم وأسلافهم نظرة ازدراء، أو رحمة وشفقة، ويسخرون منهم كلما ذكروا أحوالهم.
بداية عصر النهضة والتقدم وكيف كانت الحال قبل ذلك:
ينبغي أن نذكر هنا كيف كانت الحال قبل النهضة ليعرف فضلها، ويتبين لكل ذي عينين الفرق الشاسع بين التقدميين والرجعيين، الذين يصرون على تقديس العصور المظلمة، على حد تعبير خصومهم قال جوزيف مَككِيب (Joseph Mccabe) في كتابه (مدنية العرب في الأندلس).
الفصل الأول
لقد أطلقت لفظ (العصور المظلمة) كسائر المؤرخين في تويليفي هذا على أكثر عصور الممالك النصرانية انحطاطا على العموم، وخصوصا القرن العاشر المسيحى، تنصرت الممالك الأوربية قبل ذلك.
1 – وقد ترجمته وعلقت عليه، وطبع في بغداد سنة 1369هـ 1950م، وسبب ترجمتي له أني كنت فى غرناطة في أثناء الحرب العالمية الأخيرة، لأن الفرنسيين نفوني من الأراضي المغربية التي كانت تحت أيديهم، وهي القسم الأكبر، والقسم الذي كان بيد الإسبانيين، كان ممتدا على شاطئ البحر الأبيض، لا يزيد عرضه على 50 ميلا، وكنت ولا أزال مصابا بداء الربو احتاج إلى البعد عن البحر.
وكان الطلبة المغاربة الذين يدرسون في جامعة غرناطة ملتفين حولي، مترددين على زيارتى، وكان الأساتذة الإسبانيون الذين يعلمونهم، لازمة لهم ولا أمانة، وذلك شأن أكثر الأساتذة في البلاد التي تعدم فيها الحرية، ويسود فيها الاستبداد، فكانوا يفترون على التاريخ، ويزعمون أن المسلمين الفاتحين للأندلس من الشرقيين والمغربيين كانوا سيئي الأخلاق جهالا عتاتا، وكان حكمهم جائرا قاسيا، فمحوا كل خلق كريم من الشعب الإسباني، وعلموه مساوئ الأخلاق، فكل خلق سيء مرذول يوجد فى الشعب الأسبانى، هو من آثار الحكام المسلمين.
وكنت قد اطلعت على كتابين ألفهما في تاريخ الإسبانيين المؤلف الانكليزي الشهير الذائع الصيت جوزيف ماك كيب، أحدهما كبير، والآخر صغير، فعمدت إلى الصغير فترجمته بالعربية، ليكون سلاحا بيد الطلبة المغاربة وغيرهم من المسلمين، يواجهون به كل عدو جاحد مكابر.
ذلك بخمسة قرون أو ستة قرون تقريبا مضت، من يوم تغلب البوابي، جمع (بابا) والأساقفة على إرادة الملوك، وحملوهم على إبادة كل مصدر من مصادر الإلهام يخالفهم، فأغلقوا المدارس والمعاهد وقضوا على العلم والأدب.
وإذا استثنينا بعض المواضع في أوربا كالبندقية، إذ كان منها بقية تافهة اصطلاحية من علم اليونانيين تخفف من شرهم وهمجيتهم، فإن أوربا كلها كانت فى تباب وخراب اقتصاديا واجتماعيا وعقليا؛ وكان ذلك العهد أشد سوادا وظلمة وانحطاطا من سائر العصور البابوية.
وفي ذلك الزمان أطلق الأساقفة والقسيسون والرهبان والراهبات الأعنة في الدعارة والشهوات البهيمية، ولم يكونوا في ذلك الزمان يتسترون حتى بجلباب النفاق، ولو أن غنيا مليونيا من أهل هذا العصر كان في ذلك الزمان لقدر أن يشترى مملكة بأسرها.
وكان تسعة وتسعون فى المئة خدما يعاملون بأقسى ما يعامل به العبيد، ولم يكن ولا واحد في المئة، ولا واحدة من الألف من النساء يقدر على القراءة، وكان الضعيف مضطهدا مقهورا مسحوقا تحت الأقدام، مغموسا فى الطين والدم، بل حتى القوي كان مهددا بالأوبئة الوافدة والسيوف اللامعة على الدوام، والنجوم ذوات الأذناب فى السماء، وجنود العفاريت الهائلة فى الهواء.
كذلك إن أردت أن تعرف أفكار النصرانية الاجتماعية، فادرس القرن العاشر، فلا زخارف قول الواعظين، ولا كذب المعتذرين، ولا الإذعان السياسي من المؤرخين يقدر أن يخفى عن ذوي الألباب عظم تبعة الكنيسة، ولا سيما البابوية في ذلك الزمان الذي بلغ فيه الانحطاط إلى دركة لا نظير لها. وإنه لفصل من أشد الفصول البشرية شقاء وحزنا من الفصول التي استشهدت فيها الإنسانية، وإنه لأفظع فصل من فصول غضب الله، حقا لقد حطم بولس من ناحية، وأوكستين من ناحية أخرى مدنية الإنسان، فهل هذا هو الذي سمياه – بعيدين عن أتباع الهوى – مدنية الله.
وهذا المؤلف عدو الاديان كلها، وقد ذكرت له ترجمة واسعة في أول الكتاب، إلا أن طعنه في الإسلام أقل وأخف من طعنه في النصرانية، لأن علماء شعبه الذين يرد عليهم من الانكليز، وسائر الأوربيين كلهم نصارى.
وقد أستثقل تفاحش قوله وشتائمه للنصارى، ولكني أضطر إلى نقلها إذا كانت ممزوجة مع اعترافه بفضل المسلمين، وسبب هذا الاستثقال حب الاقتداء بنبينا محمد ﷺ فإنه لم يكن طعانا ولا لعانا، ولا فاحشا ولا متفحشا.
ولما طبع هذا الكتاب، ووصلت نسخ منه إلى تطوان في زمان الاستعمار الاسبانى صادر الحكام الأسبانيون تلك النسخ، وزجوا بالكتبي الذي كان يبيعها في السجن، وليس ذلك بعيدا من أخلاقهم.
وقد حبسوني أنا بنفسي قبل أن ينتشر الكتاب، وقبل أن يعلموا بوجوده، وكان ذلك تهورا منهم وطغيانا لوساوس كان شيطانهم يوسوس لهم بها، ولمقالات كنت بعثتها في البريد الانكليزي بتطوان إلى الأستاذ المجاهد الشهيد الشيخ حسن البنا رحمة الله عليه، فقد اطلعوا عليها بواسطة بعض الموظفين المغاربة في البريد الانكليزي، ثم أنقذني الله منهم، وأنقذ ذلك الجزء من المغرب من حكمهم ونسأله سبحانه أن ينقذ الباقي، وهو سبتة ومليلية؛ ووادي الذهب، والصحراء المغربية. ويوفق المغاربة لغسل هذا العار، إنه على كل شى قدير.
ثم قال جوزيف مككيب في وصف انحطاط الأوربيين قبل فتح المسلمين للأندلس، وبعده بزمان طويل: إعلم أن أمهات المدن الأوربية لم توجد فيها قنوات لصرف المياه القذرة، حتى بعد مضي ستمائة سنة من ذلك التاريخ (أي من سنة 756 إلى سنة 961) فكانت المياه المنتنة النجسة تجري فى طول شوارع باريس ولندن، يضاف إلى ذلك أنها لم تكن مبلطة، أو تجتمع فيتكون منها برك؛ حتى بعدما عملت النهضة في أوربة عملها قرونا طوالا.
أما في مدن المور فكانت الشوارع مبلطة، منورة قد سويت فيها مجارى المياه أحسن تسوية فى أواسط القرن العاشر، قال اسكوت: بعض القنوات التي كانت تحت الشوارع لصرف المياه القذرة في بلنسية، تقدر أن تكتسح سيارة وأصغر قناة منهن تقدر أن تكتسح حمارا، وكانت الشوارع مجهزة أحسن تجهيز بالشرطة، وهذا النظام الصحى السامي كانت تعضده النظافة العامة التي يراها الأمريكيون في هذه العصور شيئا واجبا، ولكنها في ذلك الزمان كانت في نظر الأوربيين أعجوبة من أعاجيب الرقي التام.
فكان في قرطبة وحدها تسعمائة حمام عام، وكانت الحمامات الخاصة كثيرة في كل مكان، أما في بقية بلاد أوربة، فلم يكن فيها ولا حمام واحد؛ وكان أشراف أوربا رؤساء الإقطاع منهمكين في الرذائل إلى حد يحجم الإنسان عن وصفه، ولم يكن لبس الكتان النظيف معروفا في أوربا، حتى أخذت (مودة) طراز لبس الكتان من المحمديين، ولم تكن الزرابي أيضا تصنع هناك.
وكان الحشيش يغطى أرض قصور الأمراء ومصطبات الخطابة في المدارس، وكان الناس والكلاب ينجسون المحلات إلى حد يعجز عنه الوصف، ولم يكن لأحد منهم منديل فى جيبه، وفي ذلك الوقت لم تكن الحدائق تخطر ببال أحد من أهل الممالك النصرانية، ولكن في إسبانيا العربية كان الناس من جميع الطبقات يبذلون الجهود والأموال في تجميل حدائقهم العطرة البهية.
وكانت الفسقيات تترقرق مياهها صعدا في صحون الدور والقصور والأماكن العامة. ولا يزال في صحن الجامع الكبير في قرطبة حوضان كبيران جميلان من مرمر يزينان ذلك الصحن، حيث كان كل مصل يتوضأ قبل أن يدخل المسجد.
ووصفهما اسكوت فى هذا الزمان (679:1) فقال: هذان الحوضان اللذان كانا من قبل متوضأ للمسلمين الغيورين من جميع الآفاق، والآن يمدان بالماء سكان قرطبة النصارى، ذوي المناظر القذرة المنفرة، والأخلاق السبعية، والجهل العظيم بمزايا الشعب الطاهر العاقل المهذب الذي تنتمى إليه هذه الذكريات الفاخرة من الفن والصناعة.
هذان الحوضان يشهدان شهادة مرضية، بأن لا دوام للمدنية العليا، وأن الإنسان دائما يميل بطبعه إلى التقهقر والرجوع إلى أحوال الهمجية؛ وتشهد بما لسلطة القسيسين من المقدرة على فعل الشر، وأن سياستهم التي لن تجد لها تبديلا أسست على قاعدة احتقار مواهب عبيدهم العقلية.
وهذه العُدَد التي أعدها الخلفاء بفرط ذكائهم ظهر أثرها في زيادة خارقة للعادة في السكان، على حين كانت جميع بلاد أوربا لا يتضاعف سكانها إلا بعد مضي أربعة أو خمسة قرون، ولم تنحصر عنايتهم الأبوية في حفظ الصحة والحياة فقط، فمع كثرة النفوس المفرطة، كانوا لا يرون أحدا يصاب بمصيبة إلا نفسوا عنه الكرب وواسوه وهذا فيها لم يمكن إلقاؤه منها.
وكان يساعدهم على اتقاء النكبات اتخاذهم نظاما حسنا في استخدام البطالين فى إصلاح الطرق والأشغال العامة، وكان عبد الرحمن الثاني قد أعلن أن كل من يريد العمل يمنحه، ودوائر العدل التي خلفتها محاكم التفتيش، وغرف التعذيب، كما أثبته المحققون، كانت منزهة عن كل ريبة أو فساد، وكانت المعارف والتعليم أحسن مما كانت في ممالك الروم، ولم يكن يضاهيها إلا ما بلغه اليونانيون من المعارف العالية في أرقى أيامهم.
والخلفاء أنفسهم شيدوا المشافي (جمع مستشفى) ودور الأيتام، كما كان يفعل ملوك اليونانيين، ومنذ زال ملكهم زالت هذه المؤسسات من أوربا، وكان الأعيان والتجار لا يألون جهدا ما اقتفوا آثار الخلفاء في العمل بهدي القرآن، في مثل هذه الخيرات، وكان الخلفاء أنفسهم يعودون المرضى ويبحثون عن المكروبين لينفسوا كربهم.
والنساء اللائي كن نزلن إلى دركة الخدم في بلاد أوربا لكراهية القسيسين للزواج، وإيثارهم العزوبة كن على خلاف ذلك عند المور مكرمات مالكات حريتهن، والكرم إن لم نقل البذخ والسرف اللذين حلا محل التقشف والتعصب فى دمشق انتقلا إلى الأندلس فكانا كافيين لحفظ مركز المرأة، والعشرة الخشنة التي يعاشر بها المسلمون المرأة، كما هو مشهور عندنا لم توجد في الأندلس.
والنساء في القصر الملكي بقرطبة كن يساعدن الخلفاء في تدبير الأمور، وكان طلب العلم مباحا لهن بكل حرية، وكثير منهن كان لهن ولع شديد بالعلوم الرائجة في ذلك الزمان، من ذلك وفلسفة وطب وغيرها، وكانت النساء يتبرقعن فى خارج بيوتهن، ولكنهن كن مكرمات؛ وفي منازلهن كن مشرفات ومحترمات.
ولا حاجة إلى أن أتكلم في ظرف المور ولطفهم وشهامتهم، لأنهم هم الذين طبعوا الشعب الأسبانى طبعا لا يمحى أبدا على الاحترام الشخصي، واللطف الذي لا يزال من خواصه المستميلة، حتى في الصناع والفلاحين، وهناك مزبة أخرى يمتاز بها المور، وهي التسامح الديني، في أول الأمر كان هناك بلا شك شهداء – يعنى مقتولين لمخالفتهم الدين – ولكن لا مناسبة بين ذلك وبين المذبحة التي عملها الأسبانيون أخيرا في ذرية المور.
وأما بعد استقرار المملكة العربية فى الأندلس، فإذا استثنينا معاملتهم لطوائف الثوار من النصارى، كأهل طليطلة الذين كانوا على الدوام ينتظرون الخلاص من ناحية الشمال، فقد كان أهل الأديان جميعا يعاملون بالحسنى، وكانت على اليهود والنصارى فريضة مالية قليلة تخصهم، وكانوا يتمتعون بحماية حقوقهم، فكثر عددهم، وعظم بذلك الخرج الذي يؤخذ منهم.
وقد رخصوا لنصارى طليطلة فى المحافظة على كنيستهم الكبرى، ورخص لهم أن يبنوا عددا كثيرا من الكنائس، وكانت لهم في طليطلة ست كنائس، وكانوا مستمسكين بالعلاقات الودية مع جيرانهم، حتى أثار فيهم القسيسون الضغينة الدينية، وأما ما يخص اليهود الذين كانوا يتمتعون بعصرهم الذهبي حينئذ، وارتقوا إلى أعلى درجة في العلوم، ونالوا أعلى درجة في العلوم، ونالوا أعلى المناصب في دولة المور، فسأتكلم عليه في فصل آخر.
وهذه النبذة العامة فى ذكر مدنية المور ستزداد وضوحا وتفصيلا عند الكلام على وصف حياة قرطبة وغرناطة؛ ولابد أن القارئ علم مما ذكرناه آنفا تفوق المدنية التي يزعمون أنها وثنية تفوقا خارقا للعادة، ولا بد أنه رأى أثرها في أوربا المتوحشة، وهذا صحيح لا يمتري فيه أحد من المؤرخين.
والمؤرخون لا يقابلون بين المور والنصارى، لأنهم لو فعلوا ذلك لكانوا كالذي يقيس أهل (بوستون) – مدينة في أمريكا – بقبائل اسكيمو، وذلك عجب عجيب.
قال (استانلي لين بول) فى شأن النصارى الذين كانوا فتحوا شمال أسبانيا: كانت غزوات النصارى لعنة عظيمة على من يكون لهم فريسة، وكانوا خشنا جاهلين أميين، لا يقدر على القراءة منهم إلا قليل جدا، ولم يكن لهم من الأخلاق إلا مثل ما لهم من المعارف – يعنى لم يكن لهم منها شيء – وأما تعصبهم وقسوتهم، فهو ما يمكن أن تتوقعه من الهمج البرابرة. اهـ.
(يتبع)
بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
مجلة البعث الإسلامي: العدد 9 – المجلد 12 – 3 ربيع الأول 1388هـ – يونيو 1968م – ص: 33


