وأما الأخلاق! فإن أكثر المتكلمين من المسلمين في هذا الزمان يسيئون فهمها ويحصرونها في عاداتهم، فيلتبس عليهم الأمر، والصواب أن ننظر إلى الأخلاق بالمنظار المحمدي، ونزنها بالقسطاس المستقيم الذي وزنها به رسول الله ﷺ، لا بعاداتنا ولا بعادات الأجانب، فنعرض عدة أحاديث تكشف لنا معاني الأخلاق التي بها تصح العقيدة والعبادة، وهي الباعثة على العمل بالشريعة، بل ثمرة الدين والمقصودة بالذات من وسائله المختلفة، نفهم ذلك من قوله تعالى في سورة العنكبوت (45): ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ * إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ * وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
أمر الله نبيه – وهو أمر لجميع المؤمنين تبعاً له – بتلاوة الكتاب المبين والعمل بما فيه، والتأدب بأدبه، وبالأخص إقامة الصلاة، وأخبر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وروى الطبراني عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً”، وفي حديث آخر: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له”.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، ورواه مسلم بلفظ “آية المنافق ثلاث – وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم – إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، وقوله: “وزعم أنه مسلم” يدل على أنه كاذب في ادعائه، مع اتصافه بتلك الخصال.
يزيده وضوحاً ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ: “أربع من كن فيه، كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”، ومعنى إذا عاهد غدر، أي إذا أكد الوعد بالعهد يغدر، فلا يوفي بعهده، وإذا خاصم أحداً كذب وجحد الحق، واندفع في الباطل ليغلب خصمه بذلك.
وروى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن”. قيل: “من يا رسول الله؟” قال: “الذي لا يأمن جاره بوائقه”، وفي رواية لمسلم: “لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه”. والبوائق: الشرور والأذى.
وروى أحمد والنسائي من حديث ابن عمر أن النبي قال: “ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث”. وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم، وفي رواية ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر”، والعائل معناه الفقير.
وسبب تغليظ العقوبة على هؤلاء، ضعف الداعي إلى ارتكاب الزنا في الشيخ، وهو قوة الشباب، وضعف الداعي إلى الكذب في الملك، لأنه لا يخاف أحداً حتى يكذب اتقاء لشره، وضعف الداعي إلى الكبر في الفقير، فإذا تكبر وهو فقير، فماذا يصنع لو كان غنياً؟.
وروى مسلم أيضاً من حديث أبي ذر، قال رسول الله: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم”، قال أبو ذر: “خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟” قال: “المسبل والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب”، والمسبل، هو الذي يطيل ثيابه اختيالاً وافتخاراً على الناس، والمنان، الذي يمن بصدقته، والمنفق، المروج سلعته، وأقتصر على هذا القدر، فإني إنما قصدت الإشارة إلى أن أساس الدين، وثمرة العبادة والعقيدة هي الأخلاق الحسنى، وما أحسن قول شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت*** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
نصيحة خاصة بالطالبات
أيتها الطالبات أنتن المقصودات بهذا الحديث على سبيل الأصالة، فيجب أن أخصكن بنصيحة أرجو أن ينفعكن الله بها، ليكن في علمكن أن الفتاة في هذا العصر معرضة لاختبار عظيم، إن نجحت فيه نجحت في حياتها كلها، وإن خسرت خسرت كل شيء، ذلكن هو الخلق والشيم التي يجب أن تتزين بها الفتاة.
فأولها: العلم النافع وهو معرفة ما جاء به النبي ﷺ مما تقدم ذكره، والتمسك بأذيال العفاف والحياء والإباء، وصيانة العرض، وقد أدب الله سبحانه نساء رسوله، وسائر نساء المؤمنين بما لا يحتاج إلى زيادة، وها أناذا أسوق بعضه. قال تعالى في سورة الأحزاب (59): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ * وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
أمر الله رسوله أن يقول لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين يلبسن لباس الحشمة والوقار بإرخاء الجلابيب جمع جلباب، حتى تغطي جميع أجسامهن إلا الوجه والكفين، ليَعرف الرجال أنهن حرائر شرائف، منزهات عن الريبة، صائنات لأعراضهن، محافظات على شرفهن، فلا يتعرضوا لهن ولا يطمعوا فيهن، فإن تعرضهم لهن يؤذيهن، ويدنس شرفهن الذي هو أعز شيء عندهن.
وقال تعالى في سورة النور (30-31): ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ * ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ * إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ * وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا * وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ * وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ * وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ * وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
معنى الآيتين:
قل يا محمد للمؤمنين يغضوا نظرهم بعض الغض، إذا رأوا امرأة، فإنما لهم النظرة الأولى وليست لهم الثانية، يعني لا يستمروا في النظر إلا لضرورة كالشهادة عليها، وفحصها للعلاج، وإرادة خطبتها، ويحفظوا فروجهم عما حرم الله عليهم، ذلك أطهر لقلوبهم وأنقى وأبعد عن الريبة. روى الإمام أحمد عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: “ما من رجل ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغض بصره. إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها، إن الله عليم بكل ما يعملون”.
ثم أمر الله المؤمنات بمثل ما أمر به المؤمنين، لأن النساء شقائق الرجال فقال: وقل – يعني يا محمد – للمؤمنات يغضضن من أبصارهن بعض الغض كما تقدم في حق الرجال، ويحفظن فروجهن عما حرم الله عليهن، ولا يظهرن زينتهن إلا ما ظهر منها، وهو الكحل في العين والخاتم في الأصبع، والخضاب في اليد. ومن ذلك يفهم أن وجه المرأة وكفيها ليست بعورة، قال العلماء: لأنها تحتاج إلى كشف كفيها للأخذ والعطاء، والبيع والشراء والقيام بسائر الأعمال، وتحتاج إلى كشف وجهها لتعرف في البيع والشراء، والشهادة والإشهاد، والتوكيل والتوكل، وسائر ما تزاوله من الأعمال.
وليضربن بخمرهن على جيوبهن، الخمر جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها، يجب أن تستر به عنقها، والجيوب جمع جيب، وهو مدخل الرأس من القميص. وما عدا ذلك من الزينة، كالإكليل على الرأس، والقرط في الأذن، والسوار في المعصم، والخلخال في الساق، فلا يجوز إبداؤه إلا لمن ذكره في الآية من المحارم الذين لا يجوز لها أن تتزوج بهم.
وقال تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجوز للمرأة أن تضرب الأرض بقدميها، وهي ماشية ليُعلم الناس أن لها خِلاَلاً يسمعون صوتهما. ومن ذلك يفهم أنه لا يجوز للمرأة إظهار أي شيء من قول أو فعل يكون فيه إغراء للرجال واستمالة لهم، وسيزداد ذلك وضوحاً عند ذكر الآيتين من سورة الأحزاب، وهما قوله تعالى (32-33): ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ * فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى * وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ * إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
فخضوع المرأة في كلامها مع الرجال وتكلف الضحك، وما أشبه ذلك من النظرات والحركات المغرية، كل ذلك يخدش عفاف المرأة، وينزل بكرامتها إلى الحضيض، لأن الله خلق الإناث وجملهن وجعلهن مطلوبات لا طالبات، فالمرأة إذا تكلمت مع الأجنبي يجب أن تتصف بالرزانة والعزة والإباء دون كبر ولا عجرفة، وبذلك يحترمها الرجل وإن كان في قلبه مرض، أي ريبة واستخفاف بعفافها، يزول مرضه حين يرى رزانتهـا وعزتها، هذا هو أدب القرآن الذي أدب الله به جميع المؤمنات.
وقد يقول بعض الأفراخ الذين خرجوا من البيض تواً، وظنوا أن الدنيا كلها ليف وحائط من رخام، فالليف هو العش، والحائط هو قشرة البيضة، “إن ما ذكرته في خطبتك هذه يرجع بنا إلى الوراء أربعة عشر قرناً، ونحن في القرن العشرين يجب علينا أن ننهض وندع الرجعية جانباً ونجاري الأمم المتحضرة التي بلغت أوج الرقي”. فأقول: “على رسلك، إن مجاراة الأمم المتحضرة لا تدرك بتبرج النساء والتزيين بأزياء تلك الأمم، والاختلاط المريب، والتنازل عن العفاف والحياء والوقار والانسلاخ من الدين والمروءة”. وأمامك شعوب آسيوية وإفريقية اتبعت هذه الخطة التقليدية القردية منذ عشرات السنين، ولا تزال في حضيض انحطاطها، ولم تخط خطوة إلى الأمام.
ومن أراد أن يدرك ما أدركته الأمم المتقدمة في الحضارة فعليه بالعلم والعمل والأخلاق التي بها أدركت، ولم ندركه بهذه القشور المزيفة. وأبناء الشعوب المتأخرة من المسلمين إذا تكلموا في الرجعية وعصر النهضة فإنهم يسخرون من أنفسهم، وتسخر منهم الشعوب المتقدمة، فإذا قال الأمريكي أو الأوروبي المتقدم: “إن الرجوع إلى الوراء رجوع إلى الجهل والذل والفقر والهمجية”، كان محقاً في كلامه، لأنه قبل ثلاث مائة سنة كان لا شيء، واليوم هو في أوج الرقي. أما نحن فبالعكس، فأسفل عصور الانحطاط والجهل والتأخر والذل والتشتت والحيرة والارتباك، هو هذا الزمان، فإذا رجعنا إلى الوراء نجد العلم والعزة والفضيلة والتعاون والسيادة والقوة.
فتقدمنا في رجوعنا إلى الأخذ بأسباب روح الحياة التي نفخها فينا القرآن والرسول وبلغ بها أسلافنا أوج العلا بدون تعصب ولا جمود ولا انحلال ولا جحود، لنصل حاضرنا بماضينا فيقال: “ما أشبه الليلة بالبارحة، والغادية بالرائحة”.
(يتبع)
الدكتور تقي الدين الهلالي
مجلة البعث الإسلامي: العدد 7 المجلد 10، ذو الحجة 1395هـ – أبريل 1966م – ص 31


