قبل أن أدخل في ما دلت عليه الترجمة أريد أن أبين ما هو الإسلام باختصار فأقول: الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة وأخلاق.
فالعقيدة! مبنية على التوحيد، والتوحيد قسمان: توحيد الربوبية وتوحيد العبادة، فتوحيد الربوبية أن توحد الله بأفعاله، وتوحيد العبادة أن توحد الله بأفعالك.
فكيف توحد الله بأفعالك؟ تعتقد جازما أن الذي خلق هذا العالم وأخرجه من العدم إلى الوجود، ووضع له قواعد دقيقة يسير عليها هو الله وحده لا شريك له، وهو المتصرف في هذا العالم، فلو وجدت قطاراً سائراً على سكة حديد بغابة النظام يقف في المحطات طبقاً للنهاج المحدد له، ويبطئ أحياناً حين يلزمه الإبطاء، ويسرع أحياناً حين تكون السرعة فى مصلحة ركابه، وإذا رأى شيئا في طريقه ينبهه بالصياح، وإذا اضطر إلى الوقوف وقف، لمصلحة ركابه أو تجنباً لقتل حيوان أو إنسان، أو وقوع في حفرة، أو جسر متهدم. ثم قيل لك: إن هذا القطار والسكة التي يسير عليها كلاهما وجد بطريق المصادفة بدون قصد متقدم، ولا علم ولا تدبير سابق ثم هو يسير كذلك بالمصادفة، لا يمكنك أبداً أن تصدق هذا القول، حتى تصدق أن الثلاثة نصف الأربعة، والأربعة نصف العشرة وهذا على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فإن نظام الأجرام السماوية، وهذه الكرة الأرضية، وما فيها من إنسان وحيوان ونبات وجماد، أعظم اتقاناً وأدق صنعاً من القطار المذكور.
إذن هذا العالم له خالق، إذ كل صنعة لابد لها من صانع، وكمال الصنعة يدل على كمال الصانع، فهو سبحانه متصف بالعلم الكامل والحياة الكاملة، والقدرة العظيمة، والإرادة المطلقة والحكمة التامة. فهو رب كل شيء، وخالق كل شيء، ومدبر كل شيء، هذه لمحة من توحيد الربوبية.
أما توحيد العبادة فهو توحيد التوجه والقصد والخضوع والطلب فلا يقصد في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ولا يطلب العون وسائر النعم، وأنواع الكمال، إلا منه وحده لا شريك له، لأن الخلق كلهم عاجزون عن تكميل أنفسهم، فضلا عن غيرهم، فالمخلوق الذي يطلب الكمال واللطف والعون من مخلوق آخر قد ضل ضلالا بعيداً. وظن السراب شراباً، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والخلق كلهم ناقصون طبعاً – وكما أنهم كانوا فى حاجة إلى من يوجدهم فهم دائماً في حاجة إلى من يحفظ عليهم ذلك الوجود ويكمل نقصهم، فتوجه المخلوق إلى المخلوق بالرغبة والرهبة جهل وكفر بنعمة الخالق المبدع، وهذا معنى قولي أن توحد الله بأفعالك فلا تتوجه إلى غيره، وتوحيده بأفعاله أن تعتقد أن ما يفعله هو من الإيجاد والإمداد لا يفعله غيره.
وأما العبادة، فهى الشعور بالنقص، وطلب الكمال من الله تعالى وهي غذاء روحي للانسان المركب من روح عاقلة واعية، وجسم مادي يشاركه فيه سائر الحيوان، ولما فضل الإنسان على الحيوان الأعجم بالعقل، فصار بذلك سيداً متصرفا فى سائر الحيوان والنبات والجماد، كان محتاجا إلى طلب المعونة من الخالق الأعلى، وإلى التواضع والخضوع ليعرف نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه، ومن جهل نفسه جهل ربه، فطلب الكمال ضرورى للإنسان، ولا يطلب الكمال حتى يعترف بالنقص، لأن الكامل لا يحتاج إلى من يكمله، وكلما درس نفسه وبحث فيها اطلع على نقص جديد، فطلب تكميله من الكامل القدير. ثم إن العبادة التي هي طلب الكمال تجعل على الإنسان رقيباً من نفسه يمنعه من الوقوع في المهاوي، والتجاوز للحدود الفاصلة بين الحق والباطل، والمحمود والمذموم، وما يليق بالكمال الإنساني، ولا يمكن أن يحل القانون الوضعي – وإن كان في أكثر الدول تقدما – محل هذا الرقيب النفسي، لأن المراقبة إذا كانت من الداخل لا تفارق الإنسان في أي حال من الأحوال، سواء أكان في أعلى مقام من الرئاسة، أم فى أحط مقام من المرؤوسية، وسواء أكان في الخلوة أم في الجلوة، في السر أم في العلنية.
أما مراقبة القانون فليست كذلك، فإن واضع القانون يتحكم في القانون، لا يتحكم فيه القانون، فيمكن أن يتغلب عليه الهوى فيبيح اليوم ما حرم بالأمس، كما فعلت الولايات المتحدة حين حرمت الخمر لما أجمع علماؤها وحكماؤها على أن ضررها أكثر من نفعها، ولكنها لم تستطع الاستمرار في تحريمها، فعادت فأباحتها، وقد كتب أحد الحكماء من أهل الهند في مجلة (اسلامك ريفيو) التي تصدر في (ووكنك) بقرب لدن في هذا المعنى مقالا جاء فيه، أن محمداً قال كلمة واحدة في تحريم الخمر، فتركها مئات الملايين من البشر لمدة تقرب من ألف واربعمائة سنة، والولايات المتحدة بعلمائها وحكمائها ومشرعيها وشرطتها وجنودها منعت شرب الخمر، لا في الباطن كما فعل محمد، بل في الظاهر فقط، ولم تستطع أن تحافظ على ذلك المنع إلا لمدة يسيرة، ثم عجزت، أليست هذه معجزة باقية لمحمد نشاهدها إلى يومنا هذا؟؟.
ثم إن العبادة فى الإسلام محدودة الجوهر والصفات، أما أعيانها وهي التي أقصد بالجوهر فمنصوص عليها في الكتاب والسنة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء وسائر أنواع ذكر الله، والآداب الاجتماعية كالزواج والطلاق، والسلام ورده، وكفالة اليتيم، وبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وآداب البيع والشراء والأخذ والعطاء، وحقوق الجار وإعاشة المسكين والأرملة، وسائر أنواع فعل الخير، وكف الأذى عن كل مسلم أو معاهد من غير المسلمين.
فلا يجوز أن يعبد الله بما لم يشرعه، كالرقص والغناء، وضرب الدفوف، والنفخ في الأبواق والمزامير، واعتزال الناس وترك الكلام لما في ذلك من تضييع الواجبات الاجتماعية، ولا يجوز أن يعبد الله بترك بعض المباحات كالتزوج والتظلل من الحر، والتدفؤ من البرد وترك النوم، ونهك الجسم بكثرة الصيام والقيام، وإهمال حقوق الزوجة والأولاد إلى غير ذلك، ولا يجوز أن تحده العبادات المشروعة وتقيد بعدد أو وقت أو هيئة إلا من قبل الشرع، أي من الكتاب والسنة، وهذا ما قصدته بالصفات ومثال ذلك ما في صحيح البخاري أن رجلا اسمه أبو اسرائيل نذر أن يصوم، ولا يتكلم ولا يستظل بظلة، فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى المسجد لصلاة الجمعة ووقف في الشمس فرآه النبي ﷺ فقال: من هذا؟ قالوا: هذا أبو اسرائيل نذر أن يصوم ولا يتكلم ولا يستظل، فقال: مروه فليتكلم وليستظل وليتم صومه.
مثال آخر، في البخاري أيضاً: جاء ثلاثة نفر إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلى الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبداً، ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً، فجاء النبي ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنى لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
مثال ثالث: روى ابن وضاح فى كتاب رد البدع، وذكره الشاطبي في الاعتصام: أن ناسا كانوا يجتمعون في مسجد الكوفة حلقة، وبين أيديهم الحصى، فيقول أحدهم: كبروا مائة، فيكبرون، ثم يقول: سبحوا مائة فيسبحون، ثم يقول هللوا مائة فيهللون، فسمع بهم عبد الله بن مسعود، فوضع البرنس على رأسه وذهب حتى جلس معهم ورآهم كذلك، فرفع البرنس عن رأسه وقال: أنا أبو عبد الرحمن والله لقد فقتم أصحاب محمد علما أو جئتم ببدعة ظلماً، فقال أحدهم يا أبا عبدالرحمن ما فقنا أصحاب محمد علما، ولا جئنا ببدعة ظلماً، ولكننا قوم نذكر ربنا، فقال عبد الله بن مسعود: بلى والذي نفس ابن مسعود بيده. ثم طردهم من المسجد، فانطلقوا وبنوا مسجداً بظاهر الكوفة وأخذوا يصنعون فيه مثل ذلك فأمر به فهدم.
فالاأذكار التي كانوا يذكرونها مشروعة في أصلها، ولكن الاجتماع لها والتحليق واتخاذ رجل يتقدم القوم ويأمرهم، فيمتثلون أمره، وتحديد عدد لم يحدده النص الشرعي، وتحديد الوقت لذلك صير العمل بدعة وظلماً وضلالة ولو ترك الذكر على إطلاقه لم يكن بدعة ولا ضلالة، ويؤيده ما رواه مسلم من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.
أما الشريعة، فهى مبنية على إقامة العدل بين جميع البشر بقطع النظر عن عقائدهم وأجناسهم وألوانهم، وأوطانهم قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90). وقال تعالى في سورة المائدة فى العدل مع غير المسلمين (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، وقال تعالى في سورة البقرة في حقهم أيضاً (190) (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، قال تعالى فيها أيضاً (194) (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) وقال تعالى في حقهم أيضا فى سورة النحل (126)(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).
وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول ﷺ: “من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة”، وروى أن يهودياً اختصم مع علي ابن أبي طالب إلى عمر بن الخطاب، وكان علي جالساً مع عمر، فلما جاء اليهودي قال عمر: يا أبا الحسن، قم فقف مع خصمك، فغضب علي فقال عمر: أيغضبك أن تتساوى مع خصمك اليهودي، فقال: لا وإنما غضبت لأنك خاطبتني بالكنية فقلت يا أبا الحسن، والمساواة تقضي أن تناديني باسمي كما تنادى خصمي باسمه. وفي صحيح البخاري أن أبا ذر وهو من كبار أصحاب النبي ﷺ ومن السابقين إلى الإسلام كان ثقيل السمع فأراد أن يقرب من النبي ﷺ ليسمع حديثه، فحال بينه وبينه رجل أسود، فسبه أبو ذر وعيره بقوله: يا ابن السوداء، فسمعه النبي ﷺ فقال: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، فأخذ أبو ذر من ذلك الحين يعظم أمر المماليك، حتى إنه كان يلبس عبده مثل ما كان يلبس. وفي رواية أن النبي الله قال له: ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى.
وروي أن الذي عيره أبو ذر هو بلال، فلما قال له النبي ﷺ ذلك وضع خده على الأرض، ثم قال: لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه فوطئه. وكان عمرو بن العاص أميراً على مصر في خلافة عمر بن الخطاب فضرب أحد أبنائه رجلا نصرانياً من القبط، وقال له خذها، وأنا ابن الأكرمين فسافر ذلك القبطى إلى المدينة، وشكاه إلى الخليفة عمر بن الخطاب، فطلبه فجاء من مصر إلى المدينة، ودعا بالقبطي، وقال له وهو فى حفل عظيم: اضرب ابن الأكرمين، فضربه القبطي قصاصاً. فقال عمر لابن عمرو بن العاص: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
وفي صحيح البخارى من حديث عائشة، إن جماعة من اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: السام عليك يا محمد، فقال النبي ﷺ : وعليكم. قالت عائشة: فقلت، وعليكم السام ولعنة الله فقال النبي ﷺ يا عائشة عليك بالرفق فإن الله يحب الرفق في الأمر كله قالت فقلت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال أو لم تسمعي ما أجبتهم به؟.
و لما فتحت بلاد الشام في خلافة عمر أسلم ملك بني غسان جبلة بن الأيهم، فبينما هو يطوف بالبيت، إذ وطئ أعرابي إزاره فلطمه جبلة فشكاه إلى عمر فحكم بالقصاص، فقال جبلة: أنا ملك وهو سوقة، فقال عمر: الإسلام سَوَّى بينكما، فطلب جبلة إمهاله يوما فقال له: أطلب ذلك من خصمك، فطلبه منه فقبل، فهرب جبلة إلى ملك الروم بالقسطنطينية أى استنبول وعاد إلى النصرانية، ففرح به ملك الروم، وأعطاء أموالا كثيرة وقصراً من قصور الملوك.
فروى المؤرخون أن وافداً من شعراء المدينة وقد عليه في القسطنطينية ومدحه فأكرمه، وسأله عن عمر وعن المسلمين فأخبره أنهم بخير فبكى جبلة وأنشد:
تنصرت الأشراف من أجل لطمة *** وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج ونخوة *** فبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني *** أصخت إلى الأمر الذي قاله عمر
و يا ليتني أرعى المخاض بقفرة *** وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة *** أجاور قومي فاقد السمع والبصر
هذا عدل الإسلام، وهذه سماحته، ولكن المسلمين تنكروا للاسلام و نبذوه وراءهم، واتصفوا بضد ما جاء به إلا قليلا منهم، وهذا هو سبب فقدهم لبلدانهم وعزتهم وسيادتهم والثروة العظمى، والحضارة والمدنية والعلوم والأعمال الجليلة، وسائر ما كان لآبائهم من المفاخر، وقد تفرقوا فى هذا الزمان فريقين: أحدهما يظن أن تقليد الشعوب المتبعة لنظام رأس المال اليمينية. والثاني يرى أن الخير كله فى تقليد الشيوعيين والاشتراكيين اليساريين، وكلا الفريقين على ضلال مبين، فلن يعود لهم مجدهم إلا بالعودة إلى الإسلام الأول فى صفائه ونقائه، لم يلوث بالبدع، ولم يستبدل بالعادات والتعصب الأعمى، ومساوئ الأخلاق.
(يتبع)
الدكتور تقي الدين الهلالي
مجلة البعث الإسلامي: العدد 6 المجلد 10، ذو القعدة 1395هـ – مارس 1966م – ص 32


