قبل خمس وثمانين سنة تقريباً وفق الله جماعة من العلماء في بلاد الهند لتأسيس ندوة العلماء ومدرستها المسماة دار العلوم في مدينة لكهنو، وبارك الله في هذه الجماعة وفي مؤسستها فكانت منهلا لطلبة العلم ومجالا للمعلمين، وإذا ذكرت ندوة العلماء فلابد أن أذكر رئيسها السابق العلامة الجامع لشتات العلوم المنطوق منها والمفهوم والمعقول والمنقول، وقد أسس مؤسسة أخرى نشأ عن تأسيسها خير كثير وهي دار المصنفين، ونفع الله بمؤلفاته خلقاً كثيراً، ألا وهو السيد سليمان الندوي، ثم أذكر بالخير والثناء بعده وزيره الطيب النطاسي الدكتور عبد العلي رحمة الله عليهما.
دعاني إلى المشاركة فى خدمة دار العلوم الندوية الأستاذ السيد سليمان الندوي في أول سنة 1349هـ، وولاني رئاسة أساتذة الأدب العربي (أديب أول) فاشتغلت فى هذه الخدمة إلى شعبان سنة 1352هـ وما منعني من الاستمرار إلا المرض فقد أصابتني الحمى فى السنة الأخيرة تسع مرات وفي هذه السنين التي قضيتها في دار العلوم بجد وكدح قصدت بها وجه الله تعالى في خدمة لغة القرآن.
وقد نفع الله بخدمتى هذه خلقاً كبيراً من الطلبة لأنى درست الأدب العربي بأسلوب جديد لا عهد لدار العلوم به وهو التزام اللغة العربية الفصحى في إلقاء الدروس والخطب واقترح على الرئيس السيد سليمان الندوي إنشاء مجلة الضياء لتدريب طلبة دار العلوم على الإنشاء العربي نطقاً وكتابة، ومن أفضل تلامذتي في ذلك العهد الأستاذ أبو الحسن علي الحسني الندوي الأمين العام للندوة في الوقت الحاضر.
و الذي زادني رغبة في تلك الخدمة شعوري بشدة حاجة المسلمين في الهند إلى معرفة لغة القرآن والتضلع فيها، لأني علمت أن الأسلوب العقيم الذي كان المدرسون في الهند يدرسون به اللغة العربية وهو أسلوب الترجمة، لا يبلغ أحداً من الطلبة الغاية المرغوبة وهى النطق بلا تكلف والكتابة بلا تكلف بفصاحة وبلاغة، لا تدرك بذلك الأسلوب، ولو بذل الطالب جهده عشرات السنين.
و كذلك الفهم الصحيح المتقن لا يدرك بأسلوب الترجمة، لأن الطالب المتعلم بالترجمة إذا قرأ أو سمع اللغة التى يتعلمها، يفكر أولا باللغة الواسطة ثم ينقل أفكاره منها إلى اللغة المقصودة بالذات، فيقع الخطأ وعدم الانسجام في النطق، أما إذا تعلم اللغة بالسماع على طريقة السؤال والجواب فإنه يتمكن منها ويأخذ بناصيتها، ولا تستعصي عليه إذا أراد أن يتكلم أو يكتب أو يفهم، وهذا أمر معروف عند علماء اللغات.
مجلة البعث الإسلامي: الأعداد 5-6-7 – المجلد 20 – محرم، صفر، ربيع الأول 1396 هـ – ص: 237



