الدكتور تقي الدين الهلالي
الحلف في اللغة * الحلف قبل الاسلام * الحلف في الاسلام
هل يشرع التحالف فى الاسلام، هل المسلمون في حاجة إلى حلف؟؟
——————–
الحلف في اللغة
جاء في لسان العرب: الحلف والحلف القسم، لغتان، حلف أى أقسم، حلف حافاً وحلفاً وحلفاً ومحلوفا ألخ.
أقول: الأول بفتح فسكون، والثانى بكسر فسكون، والثالث بفتح فكسر كفلس وسدر وكتف، والرابع على وزن اسم المفعول.
ثم قال صاحب اللسان: والحلف بالكسر، العهد يكون بين القوم، وقد حالفه أي عاهده، وتحالفوا أي تعاهدوا.
وفي حديث أنس: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين، أي آخى بينهم وفي رواية: حالف بين قريش والأنصار أي آخى بينهم لأنه لا حلف في الإسلام، وفي حديث آخر: لا حلف في الإسلام.
قال ابن الأثير: أصل الحلف، المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه فى الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل
والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله ﷺ: لا حلف فى الإسلام، وما كان منه فى الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه رسول الله ﷺ: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة. يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام.
الحلف قبل الإسلام
وقعت بين العرب قبل الإسلام أحلاف نذكر بعضها فنقول:
حلف المطيبين
قال ابن هشام في السيرة النبوية قال ابن اسحاق: ثم إن قصي بن كلاب هلك فأقام أمره فى قومه وفي غيرهم بنوه من بعده. فاختطوا مكة رباعا بعد الذي كان قطع لقومه بها، فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ويبعونها، فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع.
ثم إن بني عبد مناف هؤلاء الأربعة هاشم وعبد شمس، وبه كان يكنى عبد مناف -يقال: أبا عبد شمس- والمطلب ونوفلا أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصى، مما كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم وفضلهم في قومهم، فتفرقت قريش عند ذلك فكانت طائفة مع بنى عبد مناف على رأيهم، يرون أنهم أحق به من بني عبد الدار لمكانتهم في قومهم، وكانت طائفة مع بني عبد الدار يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم.
فكان صاحب أمر بني عبد مناف بن شمس بن عبد مناف، وذلك أنه كان أسن بني عبد مناف وكان صاحب أمر بني عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة بن كعب وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر مع بني عبد مناف.
وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار، وخرجت عامر بن لؤي، ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.
فعقد كل قوم على أمرهم حلفاً مؤكداً على أن لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضاً، ما بل بحر صوفة، فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيباً، فيزعمون أن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم فسموا المطيبين.
وتعاقد بنو عبد الدار، وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفاً مؤكداً على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً، فسموا الأحلاف، ثم سوند بين القبائل ولز بعضها ببعض، فعبّيت بو عبد مناف لبني سهم وعبّيت بنو أسد لبنى عبد الدار، وعبّيت زهرة ابنى جمح، وعبّيت بنو تیم لبني مخزوم، وعبّيت بنو الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب، ثم قالوا: لتغر كل قبيلة على من أسند إليها.
فبينا الناس على ذلك قد أجمعوا للحرب، إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء، والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضى كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام، فقال رسول الله ﷺ: ما كان من حلف في الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة.
توضيحات وتعليقات
1- قوله: فاختطوا مكة رباعا ألخ، أى جزأوا أرض مكة وجعلوها منازل معدة لتبنى فيها الدور، لأن الرباع جمع ربع وهو المنزل، أي قطعة الأرض المعدة لبناء دار.
2- قوله: الحجابة هي سدانة البيت، أي أخذ مفاتيحه والتصرف بها فتحاً وإغلاقا، وذلك عندهم شرف عظيم، ولا تزال الحجابة إلى اليوم فى آل شيبة، هم الذين بيدهم مفاتيح الكعبة، ويتولى فتحها واحد منهم عند الاحتفال بغسلها برئاسة الملك السعودى ويدعو إلى الحضور معه من شاء إكرامه من الأعيان من أهل مكة ومن الحجاج.
و لما فتح النبي ﷺ مكة في شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة أخذ مفاتيح البيت من آل شيبة وفتحه فوجد فيه أصناما كثيرة فكسرها وهو يقول: “جاء الحق وزهق الباطل”، وظن بعض الناس أن النبي ينتزع السدانة من آل شيبة ولا يرد لهم المفاتيح، بل يمنحها بعض أقاربه، لكنه لم يفعل ذلك، بل ردها إلى آل شيبة، وبقيت عندهم إلى يومنا هذا.
3- قوله: واللواء هو الراية والذي يتولى حملها يكون له في ذلك فخر وشرف ومكانة.
4- قوله: السقاية هي تولي سقي الماء للحجاج من بئر زمرم، وهي أيضاً خير وشرف لمن يقوم بها، وكان صاحب السقاية هاشم بن عبد مناف فورثها منه أولاده، حتى انتهت إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي الله وأولاده من بعده، وكان السقاة ينقعون في الماء الزبيب ليعذب طعمه ويحلو.
و لما أسر العباس بن عبد المطلب فى غزوة بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي ونفك العاني، فأنزل الله تعالى رداً عليه (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد فى سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدى القوم الظالمين) ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس.
وبيان ذلك أن المشرك ظالم لنفسه بالشرك فلا يقبل منه عمل حتى يوحد الله تعالى ويتبع رسوله.
5- قوله: الرفادة، قال في اللسان الرفادة شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية فيخرج كل إنسان مالا يقدر طاقته فيجمعون من ذلك مالا عظيما أيام الموسم فيشترون به للحجاج الجزر والطعام والزبيب للنبيذ فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج، وكانت الرفادة والسقاية لبني هاشم، والسدانة واللواء لبني عبد الدار، وكان أول من قام بالرفادة هاشم بن عبد مناف، وسمى هاشما لهشمه الثريد.
قال العصامي في كتابه ( سمط النجوم العوالي، ج١، ص ٢٠٥) وأما السقاية والرفادة والقيادة فلم تزل لعبد مناف بن قصي يقوم بها حتى توفى فولي بعده ابنه هاشم، وكان يطعم الناس في كل موسم ما يجتمع عنده من ترائد قريش، فلم يزل على ذلك حتى أصاب الناس جدب شدید فخرج هاشم إلى الشام فاشترى من ماله دقيقاً وكعكا فقدم به مكة، فهشم ذلك الكعك، ونحر الجزور وطبخها وجعلها ثريداً وأطعم الناس، وكانوا فى مجاعة شديدة حتى أشبعهم فسمى بذلك هاشماً، ولم يزل هاشم على ذلك حتى توفي.
وكان عبد المطلب يفعل ذلك، فلما توفى قام بذلك أبو طالب في كل موسم، حتى جاء الاسلام وهو على ذلك.
وقد أرسل النبي مالا يعمل به ذلك الطعام مع أبي بكر الصديق حين حج بالناس سنة تسع، وعمله النبي الله في حجة الوداع ثم قام أبو بكر في خلافته ثم عمر ثم عثمان ثم الخلفاء، وهلم جرا وهو الذي يطعمه الخلفاء في أيام الحج بمكة ومنى، حتى تنقضي طعام الموسم قات: قد انقطع هذا الطعام أوائل القرن العاشر.
أيام الموسم أقول: وفي العهد السعودى تجدد شئ من هذه العادة الحسنة، فإن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، كان يقيم مأدبة لأعيان الحجاج في مساء سابع ذي الحجة كل عام، وتبعه على ذلك خلفه الملك سعود، وقد حضرت هذه المأدبة مراراً، ولابد أن يكون جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز متبعاً لهذه السنة، لأنه منذ اعتلى عرش المملكة السعودية لم يترك شياً من السنن الحسنة التي كانت قبله، بل زاد عليها ضروباً من الإصلاح في جميع الميادين، وأصبحت المملكة في عهده تسير بخطى سريعة إلى الأمام.
ولكن هنالك فرق كبير بين إطعام أعيان الحجاج مرة واحدة، وبين إطعام جميع الحجاج في أيام الموسم كلها، إلا أن يقال: أن عدد الحجاج قبل العهد السعودي كان نحو مائة ألف حاج، وعددهم في هذا الزمان يزيد على مليون حاج.
فإطعام هذا العدد من الناس في أيام الحج، وهي ستة، يكلف الحكومة السعودية ثمانية عشر مليون درهم، إذا كان عدد الحجاج لا يزيد على مليون، وأما إذا كان عددهم أكثر من ذلك فبحسابه ومع ذلك، فهذا المقدار من المال ليس بالشيء الكثير الذى يعجز خزانة دولة كالمملكة السعودية، لو أنها عزمت عليه لإحياء تلك السنة الكريمة التي نشأت في الجاهلية وأقرها الإسلام، فإن الحجاج ضيوف الله، ومن أكرم ضيوف الله كان جديراً أن يكرمه الله، ومجموع ما ذكر لا يزيد على مليون وربع من الدنانير الانكليزية، وهو شيء قليل وثوابه كثير.
وقد كان الحجاج فى أزمان الجاهلية وفى زمان الإسلام كثيراً ما يتعرضون للنهب والسلب والسرقة، فلما جاءت الدولة السعودية عم الأمن جميع نواحى الحرمين وما حولهما حتى صارت المرأة السودانية تسير هي وأولادها من مكة إلى المدينة مسيرة عشرة أيام حاملين أمتعتهم على رؤوسهم آمنين مطمئنين، مع أن كل واحد من أولئك الصبيان كان قبل العهد السعودى يساوى مائة دينار، وكانوا يخطفون من داخل أسوار مكة والمدينة فيباعون.
فحكومة الحرمين في كل زمن مبتلاة وممتحنة بالحجاج، فأي حكومة أكرمتهم وأمنتهم أكرمها الله وأمنها ونصرها، وأى حكومة أهانتهم وأخافتهم أهانها الله وأخافها وخذلها، قال الله تعالى في سورة النحل (۱۱۲) ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة يتخطف الناس من حول، ومن دخلها كان آمنا لا يخاف كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا﴾.
وهكذا قال هاهنا (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) أي هنيئا سهلا (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) أي جحدت آلاء الله عليها، وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما فقال (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شئ (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) وذلك أنهم استعصوا على رسول الله ﷺ وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم فأكلوا العلهز وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه.
وقوله (وَالْخَوْفِ) وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله ﷺ وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل مالهم في دمار وسفال حتى فتحها الله عليهم، وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم منهم، وأمتن
به عليهم في قوله ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قوله فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، يعنى أن النبي ﷺ دعا على أهل مكة بسبع سنين يجوعون فيها كالسنين السبع التي ذكرها الله في القرآن والتوراة أصابت أهل مصر، ورأى ذلك فرعون ملك مصر في المنام، رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، أي سبع بقرات مهزولات وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبع سنبلات يابسات، فلم يجد من يعبر له رؤياه إلا يوسف بن يعقوب عليهما السلام، وكان سجينا فأطلق فرعون سراحه وجعله وزيراً للاقتصاد على خزائن أرض مصر، فخزن الحب الحاصل من السنين المخصبات ووزعه على أهل مصر في السنين المجدبات، فنجوا من المسغبة بحسن تصرف ذلك النبي الكريم، وإنما فسرت هذا مع وضوحه حتى لا يحرم أى قارىء من فهمه.
6- قوله: (وخرجت عامر بن لوى ألخ ) حاصله أن قريشاً صارت ثلاث طوائف: طائفتين متنازعتين على تلك المناصب التي ليس فيها ربح مادى، بل تكلف نفقات ومشقات، ولكن فيها شرف عظيم، وطائفة بقيت على الحياد لم تكن مع أى واحدة من الطائفتين المتنازعتين.
هكذا كان هم العرب الأولين حتى فى جاهليتهم يتنازعون على الشرف والمعالى، واليوم يتنازع الخلوف على الماديات المحقرة، فالأخلاق تقاسي في الجاهلية الآخرة شراً مما قاسته فى الجاهلية الأولى، فاعتبروا يا أولى الأبصار.
7- قوله: (ما بل بحر صوفة)، قال صاحب لسان العرب: وصوف البحر شيء على شكل هذا الصوف الحيواني واحدته صوفة، ومن الأبديات قولهم: لا آتيك ما بل بحر صوفة، وحكى اللحياني: ما بل البحر صوفة.
لقد قصر صاحب اللسان في شرح هذا المثل، وما تلك له بعادة ولكن الجواد قد يكبو، والسيف قد ينبو، والكمال لله وطالعت الأمثال المفتتحة بـ (ما) في كتاب مجمع الأمثال للميدانى فلم أجد فيه هذا المثل فأنا مضطر أن أشرحه برأيي فأقول:
أما أن تكون الصوفة المذكورة فى المثل من صوف البحر الذي ذكره صاحب اللسان، فيكون معنى المثل: ما بل بحر صوفة من صوفة ولا يوجد صوف البحر إلا إذا وجد البحر، فما دام البحر موجوداً فهو يبل صوفة وذلك كناية عن الأبد.
وأما أن تكون الصوفة المذكورة فى المثل من صوف الغنم، فالمعنى مادام فى البحر ماء يكفى لبل صوفة، وذلك أيضاً يدل على الأبدية.
و(ما) هنا على كل حال مصدرية ظرفية فالمعنى أن المتحالفين تعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً مادامت البحار موجودة، أي إلى الأبد، لأن البحار إذا فنيت فنيت الأرض كلها، وهكذا ينبغى للمسلمين أن يفعلوا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: وهو خير الوارثين.
8- قوله: (فسموا الأحلاف ألخ) تفهم من ذلك أنه انعقد حلفان: أحدهما يسمى حلف المطيبين، وهم الذين غمسوا أيديهم في جفنة الطيب ومسحوها في الكعبة، ولذلك سموا المطيبين، وأهل الحلف الثانى لم يستعملوا طيباً، بل اكتفوا بالتحالف والتعاقد عند الكعبة.
9- قوله: (ثم سوند بين القبائل) قال السهيلي في (الروض الأنوف) في تفسير ما اشتمل عليه حديث السيرة النبوية لابن هشام: وذكر أن القبائل سوند بعضها إلى بعض لتكفي كل قبيلة ما سوند إليها، فسوند من السناد، وهي مقابلة فى الحرب بين كل فريق وما يليه من عدوه.
وأزيده بياناً فأقول: المساندة بين القبائل هي أن يعين لكل قبيلة من هذا الحلف قبيلة من الحلف الآخر لتقاتلها، فإذا كان في أحد الحلفين أربع قبائل مثلا عين لكل قبيلة من هذا الفريق قبيلة من خصومه، وعلى كل قبيلة أن تقاتل القبيلة التي أسند إليها قتالها.
10- قوله: (ولز بعضها ببعض) قال صاحب اللسان: لز الشيء يلزه لزا وألزه، ألزمه إياه.
فقوله (ولز بعضها ببعض) أي ألزمت كل قبيلة قتال قبيلة عدوها، ثم فصل ذلك بقوله: فعبيت بنو عبد مناف لبني سهم، وعبيت بنو أسد لبني عبد الدار ألخ.
11- قوله: فبينا الناس كذلك قد أجمعوا للحرب إذ تداعوا للصلح ألخ، أقول: هذه من العادات الحسنة التي كانت عند العرب في جاهليتهم وإسلامهم، أما في جاهليتهم فقد رأينا ما فعلوا في هذه الخصومة، وأما في إسلامهم فإن النبي ﷺ تصالح مع قريش في الحديبية بعد أن كادت الحرب تقع بينه وبينهم، وقد فعل ذلك الأوربيون في الحرب العالمية الأخيرة حين سافر(تشانبرلين) إلى ألمانيا قبل الحرب، واجتمع بهتلر في (كوديسبرك) بقرب “بن” فتفاوضوا للصلح، ولكنهم لم ينجحوا كما نجحت قريش.
ولما كادت الحرب تشب نارها بين المتحالفين هتلر وستالين بعث ستالين (مولوطوف) إلى برلين ليتفاوض مع هتلر، فأقام في برلين عشرة أيام، ولم يصل الفريقان إلى اتفاق، فعند ذلك وقعت الحرب بين ألمانيا وروسيا، وكان ذلك ابتداء تقلص قوة جيش هتلر، ورجحان كفة أعدائه.
و لو أن العرب اليوم سلكوا خطة أسلافهم لصلح شأنهم واجتمع شملهم، وصاروا يداً واحدة على أعدائهم، ولكن كيف يفعلون ذلك؟ وقد نبذوا القرآن والشريعة المحمدية وهما سبب عزهم ومجدهم، واتبع أكثرهم نحلا غريبة أجنبية و(اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾.
12- قوله: (فلم يزالوا كذلك حتى جاء الله بالإسلام فقال النبي ﷺ: ما كان من حلف في الجاهلية، فإن الاسلام لم يزده إلا شدة)
نفهم من ذلك أن كل حلف وقع في الجاهلية على الخير والاحسان مما لا يتنافى مع شريعة القرآن، فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة، أما الأحلاف العدوانية المبنية على التألب والتعصب والخروج من شريعة القرآن، فإنها محرمة فى الإسلام و فسق وخروج عن طاعة الله ورسوله كما تقدم فيما نقلته من لسان العرب.
(يتبع)
مجلة البعث الإسلامي: العدد 1 – المجلد 11 – جمادى الأولى 1385 هـ – سبتمبر 1966م – ص: 40


