ونكتفي بهذا القدر من صفة حال أهل أوربا قبل فتح المسلمين لجنوب بلادهم، وإقامة مدنية عظيمة أدهشت العالم، وفتحت لأهله باباً ليخرجوا من ظلمات الهمجية والجهل إلى نور المدنية والعلم. وقد اقتبس الأوربيون من المسلمين الفاتحين المعلمين المهذبين قبسة من علومهم وآدابهم؛ كانت أساساً لنهضتهم.
ولا شك أن العلم والمدنية اللذين سبق لهما المسلمون في الحجاز أولاً حيث نزل القرآن وأشرق نور الإسلام، ثم في دمشق والأندلس وبغداد ثانياً، هما أعظم تقدم شهده العالم قبل نهضة الأوربيين، فالمسلمون أئمة العلم والحضارة والأخلاق، ولو تركوا ذلك التقدم، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام، لكانوا رجعيين مذمومين منتكسين خاسرين.
وكذلك الأوربيون لو رجعوا من نهضتهم وتقدمهم إلى ما كانوا عليه في زمان نهضة المسلمين لكانوا رجعيين أشقياء مخذولين خاسرين. ولكن الأوربيين استمروا في نهضتهم من الوجهة المادية، وقلت عنايتهم بالوجهة الخلقية، وقد بلغوا اليوم أوج المدنية والسعادة المادية، ولا يزالون دائبين في طلب الكمال، وإذا التفتوا إلى الوراء، وشاهدوا ما كانوا فيه من الجهل والظلمة، اغتبطوا، واستعاذوا بالله من ذلك العهد، ولهم الحق في ذلك.
ولو أراد بعضهم الرجوع إلى تلك العصور المظلمة كما يسمونها هم لَحَكَم عليه عقلاؤهم بالجنون، وسفهوا رأيه واحتقروه، وهو بذلك جدير.
أما المسلمون، ومنهم العرب، فإن معظمهم مسلمون، وغير المسلمين منهم قليلون، والحكم للغالب، فقد أخذت علومهم ومدنيتهم في الجزر بعد ذلك المد العظيم منذ مئات السنين، ولم يزالوا يرجعون إلى الوراء وينحطون من عليائهم حتى بلغوا أسفل سافلين، وكانوا بالنسبة إلى الأوربيين كَدَلوَين اختلفا صعوداً وهبوطاً، فكلما تقدم الأوربيون في العلم والمدنية اللذين اقتبسوهما من المسلمين ازداد المسلمون توغلاً وهبوطاً في الجهل والتأخر الذي اقتبسوه من الأوربيين.
ولا شك أن استمرارهم في هذه الحال لا يزيدهم إلا خبالاً، فماذا ينبغي لهم أن يعملوا لاستعادة علوهم ونورهم ومجدهم؟ أيعودون إلى جاهليتهم الأولى يطلبون منها الخلاص، ولا خلاص فيها، أم يعودون إلى جاهلية الأوربيين؟.
قال قائل: لا هذا ولا هذا، ولكن يقتبسون من الأوربيين مدينتهم الحاضرة، ويعتبرون أنفسهم كأنهم خلقوا خلقاً جديداً. ويقطعون النظر عن الماضي بخيره وشره، قلنا له: إن هذا تقليد ومحاكاة لا ثمرة لهما أبداً. ولا بد لكل بناء من أساس؛ ولو أرادوا أن يفعلوا ذلك ما استطاعوا إليه سبيلاً، فإن الأوربيين حين اقتبسوا العلم والمدنية من المسلمين لم ينسلخوا من شخصيتهم وتاريخهم، وعاداتهم وعقائدهم. ولو فعلوا ذلك لصاروا مسلمين، وإنما أخذوا من أساتذتهم المسلمين ما كانوا في حاجة إليه، حسبما بدا لهم، ولم يتركوا أنفسهم وشخصيتهم ولا جنسيتهم. وبذلك بلغوا من الرقي ما هم عليه، إلا أنهم أغفلوا جانباً من علوم الإسلام، وهو ما يتعلق بالنفس وتركيبتها، والصعود بها من دركات المادة الصماء العمياء إلى أوج السعادة الروحية.
وهذا الجانب الذي أغفلوه هو الذي سبب لهم ما هم فيه اليوم من الشقاء بالتخاصم والتنازع والتحاسد والتجارب، وسعى كل فريق منهم إلى الاستئثار بأطايب الحياة وشهواتها وملذاتها، وحرمان من سواهم من البشر.
وإذا كان آباؤنا قد سبقوا إلى العلم والنور والمدنية والأخلاق الفاضلة، ورجعنا نحن إلى اقتفاء آثارهم، وإحياء علومهم، لم نكن رجعيين، وإنما تكون متقدمين أحسن التقدم. إلا إذا قلنا: إن علوم المدنية والحضارة قد وقفت في الحد الذي وصل إليه أسلافنا، فيجب أن نقف عند ما وصلوا إليه، ولا نقتبس شيئاً جديداً نافعاً أبداً. فحينئذ تكون جامدين، ولا نستحق الحياة.
فبعض الكتاب من المسلمين المتهورين الذين لا يزنون أفكارهم، بل يهرفون بما لا يعرفون إذا سمعوا الأوربيين يستنكرون عصورهم المظلمة ويسمونها رجعية، ويستعيذون بالله منها يقلدونهم في أقوالهم كالببغاءات ويحاكونهم في أفعالهم كالقردة. ولا يعلمون الفرق بين ماضينا وماضيهم، فإن ماضيهم كما قال علماؤهم ظلمات مدلهمة لا نور فيها البتة، أما نحن فبالعكس، ماضينا علم ونور وحضارة مزدهرة، وقوة وعز وسعادة، فرجوعنا إليه هو عين التقدم؛ ولا يتنافى ذلك مع اقتباس ما جد من العلوم والأعمال النافعة، والحكمة ضالة المؤمن.
أما حاضرنا فهو كماضيهم ظلمات بعضها فوق بعض، ولنا مثال آخر مع فرق سننبه عليه وهو الشعب الياباني، فإنه اقتبس الحضارة الأوربية، وبلغ فيها شأواً كاد يفوق أساتذته أو فاقهم مع المحافظة على مقوماته ومعنوياته، لا يتنازل عن شيء منها، فماذا نقول في هذا الشعب، أهو تقدمي أم رجعي؟، لا يستطيع أحد أن يقول هو رجعي، فإنه في طليعة الشعوب المتقدمة، وقد أصيب بهزيمة عظيمة في الحرب العالمية الأخيرة، فلم تقض عليه. ولم توقف تقدمه؛ ولا يزال هذا الشعب يقدس ملكه، ويعتقد أنه ابن الشمس، ويقوم في خدمته بطقوس لا تعقل، ولم يضره ذلك، ولا نقص تقدمه، لأنه لا يخطو خطوة في طلب التقدم إلا بعقل ووعي، ولا يحب التقليد أبداً ولا يبغون بها بديلاً.
لما كنت مقيماً في برلين كنت أتردد على المطعم الصيني أحياناً، وكنت أراه مع اختلاف أطعمته عن المطاعم الجرمانية يشابهها تماماً في التأنق والزخرفة، ويؤمه دائماً الأغنياء من الأوربيين الذين عاشوا مدة في الشرق، وألفوا أطعمته بنسائهم وبناتهم وأولادهم، وكثير منهم كانوا يأكلون الرز بالعيدان كعادة الصينيين، إلا أنهم يشربون الحساء بدون صوت، سواء منهم الشرقيون والغربيون كعادة الأوربيين، فإنهم يستنكرون الشرب بصوت.
وكان في ذلك الوقت في برلين ثلاثة مطاعم صينية، وسمعت بمطعم ياباني، فذهبت إليه لأوازن بينه وبين المطاعم الصينية. فلم أر فيه شيئاً من التأنق، وكان صغيراً رأيت فيه نحو خمسة وعشرين آكلاً، وكلهم رجال يابانيون، ولا يوجد فيه إلا امرأتان اثنتان: عجوز في المطبخ، وأخرى توزع الطعام، والذي استرعى نظري فيه، وتعجبت منه هو شرب الحساء بأصوات منكرة تتجاوب أصداؤها، فقلت في نفسي: هؤلاء اليابانيون كلهم يقيمون في البلاد الجرمانية، ويعرفون عادات الجرمان حق المعرفة، وأنهم يستقبحون الشرب بصوت، فقد رغبوا عن عاداتهم، وتباروا في الشرب بأصوات عالية، فما مقصودهم بذلك؟
أظن أن مقصودهم الاعتزاز بعاداتهم كيفما كانت، لأنهم لم يسافروا إلى أوربا بقصد تعلم أدب الأكل وأدب الشرب، وأدب الرقص وأدب الغناء، وما أشبه ذلك، لأنهم يرون آدابهم أكمل الآداب ولا يبغون بها بديلاً، ولكنهم جاءوا لأغراض أخرى، لا يمكن أن تحصل في بلادهم، وفي ذلك عبرة للمقلدين.
هذا واليابانيون وثنيون يعبدون غير الله، وهو نقص كبير في معنوياتهم، وإهمال لتزكية أنفسهم، وتوجيهها لما خلقت له، ولما يرفعها، ويسمو بها إلى الملأ الأعلى، ويبلغ بها أعلى مراتب الكمال الإنساني ولكنهم لما تجنبوا التقليد في اقتباسهم علوم الأوربيين، وأخذوا منهم العلم على بصيرة واستقلال، وبعقل وروية، كما فعل الأوربيون مع المسلمين، أدركوا الثمرة نفسها التي أدركها الأوربيون، وهي السعادة المادية المنغصة بسبب إهمال النفس.
ولو أن اليابانيين هموا بالرجوع إلى ما كانوا عليه قبل مائة سنة لكانوا سفهاء رجعيين.
ولزيادة الإيضاح أقول: كيف كان العرب، وسائر الشعوب التي أسلمت، وحسن إسلامها قبل الإسلام، وكيف صاروا بعد الإسلام؟.
الجواب: أنهم كانوا قبل الإسلام من الوجهة الخلقية في أسفل الدركات، يقتلون أولادهم من الفقر، أو خوف الفقر، والمراد بقتلهم من الفقر أن يكونوا فقراء، فيقتلوا من يولد لهم، لعجزهم عن إغاثته بالتغذية وسائر ما يحتاج إليه. والمراد بقتلهم خوف الإملاق، أن يقتلوا الولد مخافة أن تفضي بهم حياته إلى الفقر في المستقبل، ولذلك جاء في القرآن الكريم في سورة الأنعام (151) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ) وفي سورة الإسراء (31) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ).
وكانوا يئدون بناتهم، أي يدفنونهن حيات. وكانوا يعبدون التماثيل من الحجارة والمرمر كما يعبدها كثير من البشر في هذا الزمان، وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، وكانوا يستقسمون بالأزلام، يضعون عيداناً في كيس، قد كتب على بعضها: أمرني ربي أن أفعل، وعلى بعضها: نهاني ربي أن أفعل. وبعضها غفل لا كتابة عليه. فيدخل الواحد منهم يده، فإذا صادفت العود الذي فيه الأمر أقدم على عمله، وإذا صادفت العود الذي فيه النهي أحجم عن عمله، وإذا صادفت العود المهمل أعاد الاستقسام. وكانوا يتيمنون ويتشاءمون بالطير، يزجرون الطائر، فإن طار إلى اليمين استبشروا، وإن طار إلى الشمال تطيرو وخافوا.
وكانوا يخافون من الجن ويعوذون برؤسائهم، أي يطلبون الحماية منهم، وكانوا يأكلون الميتة والدم، ولا يورثون امرأة ولا صبياً، بل وكانوا يرثون النساء أنفسهن باعتبارهن أموالاً. وكان بعضهم يقتل بعضاً على أتفه الأمور، ويضيعون أموالهم في القمار والمنافَرة، وهي أن يتنافر اثنان للتفاخر، فيعقر هذا بعيراً من إبله وينحره، ويعقر الآخر مثله، حتى تفنى إبل كل منهما.
وكانوا أشتاتاً، كل قبيلة وحدها. لا كلمة تجمعهم ولا عقيدة ولا دين ولا شريعة، وكانوا أذلاء، سكان القسم الشرقي تحت حكم الفرس، وسكان القسم الغربي تحت حكم اليونانيين، وسكان وسط الجزيرة كانوا فوضى، ولم يحفظ التاريخ لوسط الجزيرة وغربها وشرقها حضارة تذكره، أما أهل الجنوب فقد كانت لهم حضارة قضى عليها جيرانهم من الحبشة وأهل فارس. فكيف صارت حالهم بعد الإسلام؟.
كل أهل العلم يعلمون أنهم صاروا أسعد الناس، صاروا أئمة أهل الدنيا في الدين والدنيا، وصاروا حكام العالم ومعلميه وأساتذته؛ وقد رأيت في هذا المقال شهادة العلماء الأوربيين المتصفين لطائفة منهم، وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى إقامة دليل، فهل الاعتزاز بهذا المجد، والبناء عليه، والتمسك به بعد رجعية؟ إن كان الأمر كذلك عند هؤلاء السفهاء، فحيا الله الرجعية، وحي عليها، وأهلاً وسهلاً بها، ألا ساء ما يحكمون.
ويقال لهؤلاء التقدميين المخدوعين المخادعين أين تذهبون؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا فقراً وذلة وشتاتاً وجهلاً، وخزياً، وشقاء فإن لكم ما سألتم. وستضرب عليكم الذلة والمسكنة وتبوؤن بغضب من الله. زيادة على ما أنتم عليه وذلك بأنكم تقتلون المصلين في المساجد. وتشردون علماء الإسلام المصلحين، فريقا حبستم وفريقا تقتلون، والله عزيز ذو انتقام.
وما من يد إلا يد الله فوقها *** ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
الرجعية والتقدم في نظر الإسلام
تقدم أن العقل الصحيح يرى التقدم في العلم والعدل، وسائر الأخلاق الكريمة، فكل أمة اتصفت بالعلم والأخلاق فهي متقدمة، وإن كانت قبل مليون سنة، وكل أمة اتصفت بالجهل ومساويء الأخلاق، فهي متأخرة ساقطة، مذمومة، ملعونة، وإن كانت ستجني بعد خمسمائة سنة. والإسلام دين العقل يوافق على هذا ولا يخالفه أبداً، فلا عبرة بالزمان ولا بالمكان.
قال الله تعالى في سورة (النساء:123) (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
قال الحافظ ابن كثير: روى العوفي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان. فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب؛ ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك وقال أهل الإسلام لا دين إلا الإسلام، وكتابنا ينسخ كل كتاب ونبينا خاتم النبيين، وأُمِرتم وأُمِرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم وقال (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) الآية، وخير بين الأديان فقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) إلى قوله (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) اهـ.
وقد تبين لك أن الإسلام الصحيح الذي لم تخالطه العصبية والعقائد الخرافية يبني التقدم كله، روحياً كان أم مادياً، على أساس العمل النافع للبشر مع الاعتقاد الصحيح، و إذا سمعت القرآن يقول (فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) أو يقول (النساء:173) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ومثل ذلك فيه كثير، فإنه لا يريد البتة أن تكون أمة متمسكة بالإسلام، شقية في هذه الدنيا محرومة من جميع حقوقها، مدوسة تحت الأقدام، مخذولة في جميع تصرفاتها مهزومة في جميع حروبها، مكبلة مغلولة، خاضعة ذليلة، تتكفف غيرها من الأمم طول حياتها، ثم هي في الدار الآخرة سعيدة عالية الدرجة عند الله وافرة الحظ في دار الكرامة، تدخل الجنة، وتسعد برضوان الله، فإن ذلك وهم وخيال.
وقال تعالى: في سورة (الإسراء:72) ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) قال القاسمي في تفسيره: ومن كان في هذه الحياة الدنيا أعمى عن الاهتداء إلى الحق، فهو في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة، وله في هذه الحياة آلات وأدوات وأسباباً يمكنه الاهتداء بها، وهو في مكان الكسب باقى الاستعداد، ولم يبق هناك شيء من ذلك.
قيل: العمى حقيقة فيمن لا يدرك المبصرات لفساد حاسّته، مجاز في عمى البصيرة، وهو عدم الاهتداء إلى طريق النجاة، وقيل: هو حقيقة فيهما. اهـ
فالأمة العمياء التي لا تبصر طريق النجاة والسعادة في الدنيا، مع إمكان رؤيتها بالعقل الذي أعطيته، وبإرشاد الله لها بالآيات البينات التي تدلها وتهديها طريق السعادة. وتحذرها من طريق الشقاء، فهي في الآخرة التي لا تملك فيها وسائل للتوبة والتبصر والرجوع إلى الحق أشد عمى وأضل سبيلاً. لأنها في دار الجزاء، وكانت من قبل في دار العمل، فلم تزرع شيئاً نافعاً يمكنها أن تحصده في آخرتها، وإنما زرعت أسباب الشقاء والشر، فهي في الآخرة تحصد الندامة.
وبعبارة أخرى، قد وعدها الله سعادة الدارين إن أطاعته، وعملت ما أمرت به، وتركت ما نهت عنه، واتبعت رضوانه، وأوعدها بشقاء الدارين أن عصت أمره، وفعلت ما نهاها عنه، واتبعت ما أسخطه، والواقع أنها في هذا الزمان عصت الله، وارتكبت ما نهيت عنه، وعميت عن أسباب النجاة، مع وضوحها، فعاقبها الله في هذه الدنيا بالحرمان والخذلان، والذلة والهوان، وسيعاقبها في الآخرة عقاباً أشد، وستكون في الآخرة أشد عمى، وأبعد عن النجاة، كما قال تعالى: في سورة (الرعد:34) ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
وقال تعالى: في سورة (الطلاق:8-10) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾.
المراد بالقرية هنا: الأمة. قال الحافظ ابن كثير: يقول تعالى متوعداً لمن خالف أمره. وكذب رسله، وسلك غير ما شرعه، ومخبراً عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ) أي تمردت وطغت، واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله (فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) أي منكراً فظيعاً (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا) أي غب مخالفتها وندموا حيث لا ينفعهم الندم (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) أي في الدار الآخرة، مع ما عجل لهم من العذاب في الدنيا.
ثم قال تعالى بعد ما قص من خبر هؤلاء (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) أي الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم، فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب (الَّذِينَ آمَنُوا) أي صدقوا بالله ورسله (قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا) يعني القرآن، كقوله تعالى (الحجر:9) ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ والله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: (رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ) قال بعضهم: رسولاً منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر، وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر؛ يعني تفسيرا له.
ولهذا قال تعالى: (رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ) أي في حال كونها بيّنة واضحة جلية (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) كقوله تعالى ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقال تعالى (البقرة:257) (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم.
وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نوراً لما يحصل به من الهدى، كما سماه روحاً لما يحصل به من حياة القلوب فقال تعالى (الشورى:52) ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا غير مرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، لله الحمد والمنة. اهـ.
وقال تعالى: في سورة (النحل:97) ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
فأنت ترى أن الله وعد الذين يعملون الصالحات، ويتمسكون بالإيمان أن يحييهم حياة طيبة في الدنيا، ويجزيهم جزاء حسناً في الآخرة، فإذا أحياهم حياة سيئة، مملوءة بالشقاء والحرمان، فذلك دليل قاطع على أنهم عملوا السيئات، وأن الله سيعذبهم أكثر مما عذبهم في الدنيا.
إذا عرف المسلمون – ومنهم العرب – هذه الحقيقة وجب عليهم أن يكونوا على يقين أن كل حركاتهم في هذه الأزمنة الأخيرة لا تزيدهم إلا خبالاً، ولا تكون عليهم إلا وبالاً، فيجب عليهم أن يبحثوا عن طريق جديد ووجهة جديدة، ولن يجدوها إلا في الرجوع إلى القرآن، وقد تحديناهم نحن وأساتذتنا منذ مائة سنة أن يجدوا سبيلاً آخر للخلاص، فلم يجدوها، ولن يجدوها أبداً.
(يتبع)
بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
مجلة البعث الإسلامي: العدد 10 – المجلد 12 – 4 ربيع الثاني 1388هـ – يوليو 1968م – ص: 31


