بقلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
الأستاذ السابق بالجامعة العربية الإسلامية بالمدينة المنورة، والمقيم بالمغرب
يقول محمد تقي الدين الهلالي عفى الله عنه: جاءني الاستفتاء التالي من شخص اسمه عبد السلام من مدينة القاهرة ولم يستطع الكاتب قراءة عنوانه فأردت أن أجيبه على صفحات مجلة التوحيد لعلها تصل إلى يده فيطلع على الفتوى ويعم نفعها، ونص الاستفتاء:
تحية صادقة من إنسان لم تسمع عنه ولكنه قرأ لسيادتكم كتيبا صغيرا باسم البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية وبريء من الألوهية. وقد سعدت بقراءته، فإنه يمكن كل مسلم إذا قرأه أن يدافع عن دينه.
أستاذي، لي أخ في كندا وأرسل لي بعض الأسئلة عن أمور أشكلت عليه ولم يجد لذلك جوابا مقنعا، منها: لماذا حرم الإسلام أكل لحم الخنزير من دون اللحوم؟ فإن كانت العلة أنه يأكل القمامة فإنه في هذا الزمان يربى بأحدث الأساليب، ويتم الكشف طبيا عليه وخلوه من جميع الأمراض، ويأكل علفا مجهزا نظيفا بطريقة علمية. ومنها أنه لا يوجد في قرآن مترجم من قبل مسلم حقيقي بل المترجمون أجانب، وبذلك يبدو القرآن مفككا لا ربط بين كلماته. وقد ذهبت إلى المجلس الأعلى الإسلامي في القاهرة ولم أجد قرآنا مترجما، ولا تفسير القرآن مترجما يستعين به الذين أرادوا معرفة معاني القرآن بالإنكليزية.. فهل أجد في السعودية بلد الإسلام تفسير القرآن باللغة الإنكليزية، فإن لم يوجد حتى الآن فمتى يوجد؟ أرسل إليكم كتابي هذا لعلي أحصل على جواب مقنع أبعثه إلى أخي في كندا.
وفقنا الله إلى الخير للأمة الإسلامية.
الجواب عن السؤال الأول:
الحمد لله رب العالمين الحكيم العليم، الذي أحل لعباده ما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم، وحرم عليهم ما يضرهم، فله الحكمة البالغة، وهو العزيز الحكيم. وصَلِّ يارب على خير خلقك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاعلم أيها الأخ السائل أن الله تعالى لا يحرم على عباده شيئا إلا وفيه ضرر يؤذيهم ويشقيهم، وقد علمنا سبحانه بعض علل التحريم واستأثر بعلم بعضها وربما يكشفه لغيرنا. قال تعالى في آخر سورة الشورى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإذا آمنا بالله وصدقناه وآمنا برسوله واتبعناه فإننا نقبل الشريعة كلها ما علمنا حكمته منها وما جهلنا حكمته. فكله إلى عالمه، والعلة التي ذكر الله تعالى في القرآن في تحريم أكل لحم الخنزير، أنه رجس، أي نجس. وقد علل المفسرون ذلك بانه يأكل النجاسات، وبأن له أوصافا ذميمة وذلك كله حدس وتخمين لأن الحيوان، لأن كون اللحم إذا كان يأكل النجاسات لا يحرم لحمه، غاية الأمر أنه يحبس قبل ذبحه بضعة أيام ويعلف علفا طاهرا.
وقد اتفقت الأديان السماوية: الدين الموسوي، والدين العيسوي والدين المحمدي على تحريم أكل لحم الخنزير، وأكثر النصارى يستحلون أكل لحمه افتراء على المسيح عليه السلام لأن كل شيء حرم في التوراة فهو حرام على المسيح وعلى أتباعه إلا إذا نص المسيح على تحليله كالشغل يوم السبت، وهذا منصوص عليه في الإنجيل فإن المسيح قال ما معناه: أنا ما جئت لأغير الناموس، حتى تقوم الساعة لا يغير منه حرف ولا نقطة.
ويحسن هنا أن أحكي حكاية، وقعت لي حين كنت طالبا ومدرسا للأدب العربي في جامعة بون من البلاد الجرمانية من سنة 39 إلى سنة 1939 بتاريخ النصارى كنت آكل طعام الظهر ولا أسميه غداء، لأن الغداء يكون قبل الزوال في لغة العرب، عند رجل جرماني يحترف التعليم وكان الذين يأكلون عنده كلهم جامعيين فكان يطعم النازلين عنده يوم الأحد لحم الخنزير إكراما لهم واشترطت عليه أنا أن يقدم لي قطعة لحم عجل أو بيضتين. وكنت في ذلك الوقت آكل اللحوم التي تذكى بصورة شرعية بناء على مذهب ابن العربي المعافري أنها تدخل في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ فأراد أحد الحاضرين أن يستهزئ بالإسلام وأن يضحكهم علي! فقال لي: يا فلان ما سبب العداوة التي بينكم وبين الخنزير معشر المسلمين، ولست ممن منحهم الله الأجوبة البدهية إلا أن ذلك يحصل لي أحيانا، فأجبته على البديهة، وما سبب العداوة بينكم وبين الخنزير معشر النصارى، فإنكم تحبسونه، وقد خلقه الله طليقا يسرح ويمرح وتذبحونه بل تقتلونه وتسلخون جلده وتقطعون لحمه وتأكلونه، فأينا عدو له نحن، أم أنتم؟ فضحك عليه الحاضرون، ثم قلت له: ما أقبح الشتائم عندكم باللغة الجرمانية، فقال لي: لم أفهم ما تقول؟ فقلت له: أقبح الشتائم عندكم (Schwein Hand) أي (خنزير كلب) ومن المعلوم أنكم لم تجعلوا هذا اللفظ أقبح الشتائم إلا لنجاسة الخنزير والكلب، فهما عندكم أنجس الحيوان، إلا أن الخنزير عندكم أنجس من الكلب، ولذلك قدمتموه في الشتم على الكلب فهل تأكلون لحم الكلاب؟ قال: لا. قلت فلماذا تأكلون النصف الأنجس وتحرمون النصف الذي هو أقل نجاسة عندكم؟ فكلوهما جميعا أو اتركوهما جميعا، فضحك الحاضرون أكثر من المرة الأولى، ثم قلت له: أنت نصراني أم شيوعي؟ وهذه خدعة لأنه لا يستطيع أن يقول أنا شيوعي في زمان “هتلر” ويمكن أن يقول إنه كافر، لو قلت أنت نصراني أم كافر. فقال هو نصراني، فقلت له إن أكل لحم الخنزير لا يحل لمن أراد أن يتبع المسيح لأنه كان حراما عنده، فقال هذا غير صحيح، فكل رجال الدين من النصارى يأكلون لحم الخنزير، ثم يسأل أحد الحاضرين وكان حاصلا على لقب دكتور في اللاهوت، فقال له أسمعت ما قاله هذا العربي، فقال الدكتور أما من الوجهة النظرية فكلامه صحيح، وأما الكنيسة فإنها تحل أكله.
وبعد ذلك بسنتين اشتد علي مرض قرحة المعدة. فدخلت مستشفا في برلين وقلت لرئيسة الممرضات: إياك أن تقدمي لي لحم الخنزير فقالت لي ما أنت؟ فقلت مسلم، قالت لي فلتطب نفسك فإننا لا نأكل لحم الخنزير لأنه عندنا حرام فقلت لها من أنتم يهود؟ فقالت: لا، نحن نصارى من فرقة “aduenterten” قالت ونحن نمتاز عن بقية النصارى بأمرين أحدهما أننا نقدس السبت ونجعله لصلاتنا ونشتغل في يوم الأحد، والثاني: أننا نحرم لحم الخنزير ونحن في الأمرين كليهما متبعون للمسيح، ولو كنت أعلم وجود هذه الفرقة حين سألني ذلك السائل بقصد الاستهزاء لأخبرته أن في البلاد الجرمانية فرقة من النصارى تحرم أكل لحم الخنزير وتضلل من يأكله أو تكفره. ولما رجعت إلى العراق وجدت أتباع هذه الفرقة موجودين في العراق ويسمون السبتيين، والآن أذكر الحكمة في تحريم لحم الخنزير، من المعلوم أن كل خنزير وحشيا كان أو أهليا يجري في جسمه نوع من الدود خاص به وكل من أكل لحمه ينتشر في جسمه ذلك النوع.
ومعلوم أن البلاد الجرمانية من أفضل بلاد أوربا في المحافظة على الصحة وقد حدثني من لا يحصى من الثقات رجالا ونساء أنهم رأوا فرش الصبيان في مساكن الفلاحين يجري فيها ذلك النوع من الدود، لأن الفلاحين مشتتون في الأراضي الزراعية ولا تستطيع الحكومة الجرمانية أن تخصص لكل مزرعة أو لكل طائفة من المزارع طبيبا يفحص لهم كل خنزير يذبحونه ويعطيهم الإذن في أكله فإن ذلك خاص بالمدن الكبيرة والصغيرة، وليس الأمر كما توهم أخو عبد السلام الساكن في كندا أن كل خنزير يذبح في العالم يكون عنده طبيب يفحص لحمه فيبيح أكله أو يمنعه، والشرع الإسلامي وكل شرع رباني صحيح يحرم كل أمر هو ضرر محض كتعاطي السم القاتل بسرعة أو ببطء ويحرم كذلك كل شيء ضرره أكثر من نفعه. قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فالقرآن يثبت للخمر والميسر شيئا من النفع ولكن ضررها يربو على نفعهما فصارا من المحرمات، فكذلك لحم الخنزير ضرره أكثر من نفعه ويمكن الاستغناء عنه بالإبل والبقر والغنم والخيل. وقول السائل لماذا حرم الإسلام لحم الخنزير من دون سائر اللحوم غير صحيح فإن الإسلام حرم لحوم الكلاب وسائر السباع كالأسد والنمر والذئب والثعلب والهر وحرم أكل سباع الطير كالعقاب والنسر والبازي والغراب. وحرم لحوم الحمير الأهلية والبغال وأباح الحمر الوحشية، وفي كل ذلك حكمة يعلمها من يعلمها ويجهلها من يجهلها.
الجواب عن السؤال الثاني:
ترجمة القرآن أمر مستحيل لأن فيه بلاغة وإعجاز خاصين بلفظه وهو كلام الله تقصر عنه عبارة المخلوق ولكن يمكن تفسيره بالعربية وبغيرها من اللغات، وقد قرأت كثيرا من التفاسير التي تسمى التراجم باللغة الإنكليزية. فأولها ترجمة “جورج سييد” الإنكليزي، وجدت فيها في الجزء الأول من القرآن ستين خطأ، ومنها ترجمة “يوسف على”، وهو مسلم هندي، وترجمة “محمد مارماد بوك بكثال” وهو مسلم إنكليزي، وفي كل منهما مئات الأخطاء.
وقد فسرت القرآن الكريم بالإنكليزية بمعاونة صديقي وأخي في الله الدكتور محمد محسن خان وستنشر هذه الترجمة لمعاني القرآن في باكستان عن قريب إن شاء الله، فإن المطبعة التي تطبعها مشغولة الآن بإتمام طبع ترجمة صحيح البخاري وعن قريب تتم بإذن الله. ونرجو أن تكون هذه الترجمة لمعاني القرآن أحسن من كل ما تقدم ولا نضمن لها العصمة فإنها خاصة بالأنبياء.
مجلة التوحيد: عدد محرم 1395هـ – ص: 44


