نشرت صحيفة التايمس اللندنية بتاريخ فاتح سبتمبر الجاري و ثانیه و سابعه أنباء المجزرة التي عملها عمال فرنسة المتسمين بالحماة والمراقبين في مدينة مكناس من المغرب الأقصى حين قام الوطنيون بمظاهرة احتجاجا على عسف الفرنسيين وطغيانهم وإرهاقهم عموما و على اغتصابهم مياه أبي فکران خصوصا ليسخروها في مصالحهم ويرفهوا بها أنفسهم وإن أبادوا مئات البساتين وأهلكوا ما لا يحمي من الأشجار المثمرة التي يتقوت بها أهل البلاد ، بل وإن تركوا الناس ظمئى لا يجدون ما يشربون ولا ما يغسلون به ، بل وإن أفضى الأمر إلى إخلاء البيوت والمساجد من الماء فلا بأس، لأن ذلك الماء الذي هو ملك لبيوت تعد بالألوف منذ قرون كثيرة سينتقل الى جنات الفرنسيين وحدائقهم وفسقياتهم ويتمتعون به متاعا حسنا ، والمغاربة لا حق لهم في الحياة في وطنهم. ولما رأى الفرنسيون المظاهرة السلمية ورِمت أنوفهم وجن جنونهم وعدوا ذلك وقاحة عظيمة ، فأمروا الجنود والشرط باستعمال السلاح، فقتلوا عشرة وجرحوا خمسة وعشرين جروحا خطيرة وحبسوا جميع الأشراف ، و كلفوا جماعة من الضعفاء أن يقدموا أعتذارهم إلى حاكم الناحية أو مراقبها كما يزعم ، وأعلنوا الأحكام العرفية والحصار التام في المدينة . ولما رأى المغاربة الحال قد بلغت إلى هذا الحد، وقد ذاقوا من قبلها ماكَرَّه إليهم الحياة وحبب اليهم الموت ، وعلموا أن الفرنسيين عدو کلما لنت معه ازداد عتوا وطغيانا واحتقرك وعد صبرك مهانة ، انفجر بركانهم ، ولما كانوا عزلا من السلاح لم يجدوا في أمكانهم إلا المظاهرات والاجتماع والإضراب العام ، إعلانا لسخطهم واحتجاجا على ما يسامونه من العذاب ، فدونك ترجمة ما جاء في صحيفة التايمس في جزئها الصادر يوم الثلاثاء 7 سبتمبر الجاری : –
الجنود الفرنسيون تحت السلاح
الاضطراب في مراكش
الدار البيضاء في 6 سبتمبر – لمراسلنا
عمل الوطنيون اليوم مظاهرات احتجاجا على اعتقال المسجونين في مكناس. فأعطيت الأوامر – يعني من قبل رجال الحزب الوطني – بإغلاق جميع الدكاكين. وعلى رأس الساعة 3 بعد الظهر كان الإغلاق والإضراب عاما في الدار البيضاء والرباط وفاس و مراکش (المدينة) ومدن أخرى. وهذه عادة العرب كلهم في تمهید جميع الاضرابات. وفي مدينة الرباط وقع هياج أثناء المظاهرة ورمی أفواج المسلمين المتجولون جماعة من اليهود بالحجارة. واستخدم رجال المطافئ خراطيم الماء لتشتيت المتظاهرين فأعيد النظام وفي الأحياء اليهودية حصنت الدكاكين والبيوت وأقيم عليها الحرس الكافي، وكثير من اليهود التجئوا إلى أحياء الأوربيين.
أما في فاس والاضطراب أعظم والهياج أكثر: أخذ طوائف من رجال الحزب الوطني يتجولون في أنحاء المدينة ويحرضون أصحاب الدكاكين على الإغلاق والإضراب من الصباح إلى الزوال، ومن أبى أن يغلق أجبروه على ذلك قسرا. وحول الساعة 3 بعد الظهر أخذ سكان المدينة يتجمهرون حول المساجد، فاجتمع منهم جموع عظيمة. وكل الجنود الموجودين في المدينة تفرقوا على المراكز في فاس في كل مرکز فرقة. وأما الشرطة فقد تسلحوا بالغاز الذي يدمع العيون والقنابل، وأخذوا يتجولون في الأحياء العربية، وقد صمم ولاة الأمر على القضاء على الاضطراب. وصودرت صحيفة الديبا Journal des Debats لسان الحزب الاشتراكي الفرنسي بالرباط لانها كانت خطرا على سلامة الأنفس والأموال.
وفي هذا المساء على ما يبدو كأن المتظاهرين تأثروا بما أظهرته السلطة الإفرنسية من القوة، وقد مضى النهار كله في سكون. وإضراب المغاربة العام في جميع البلدان يدل على أن الأمر خطر.
رعب ذوى السلطة
وبرغم التفاؤل الرسمي فإن ذوي السلطة الفرنسيين في مراكش (القطر) اهتموا بهذا الموقف الراهن وهذا المركز الذي صارت فيه الحماية. فهیجان مكناس الذي أحدث هذا الانقلاب لم يكن الفرنسيون يعرفون عنه شيئا. ولذلك بهتوا وأخذتهم دهشة عظيمة من أمرين: أحدهما كون هذا الانفجار وقع بغتة، والثاني أنهم لم يتوقعوا قط أن الإضراب والتظاهر يبلغ إلى هذا القدر من العظمة وخطر ببالهم أن المثيرين سيبلغون إلى هذا الحد من النجاح في إثارة الجمهور. وقد علم أنه قد دبر في الخفاء سلسلة مظاهرات في جميع المدن المراكشية للإعراب عن السخط العام على معاملة الفرنسيين في شئون مختلفة. والمظاهرة الأولى التي سببت كل هذا الهياج والشغب سببها أن الوطنيين في مكناس أعلنوا احتجاجهم على إصدار الحنطة من المغرب الأقصى إلى فرنسة، وعلى الماء الذي أخذته السلطة لأن ذلك يضر بالوطنيين ويسوءهم.
ومن الدار البيضاء نشأ هذا الأمر وانتشر الاضطراب. وذلك أن عدد سكان الدار البيضاء 200.000 وهم خليط من جميع البلاد المراكشية لأنهم ليسوا قبيلة واحدة أو قبائل متناسبة تربط بينها لحمة وقرابة، ولذلك لا سبيل إلى إقناعهم، أضف إلى ذلك أن الدار البيضاء مع أنها هي أهم مدينة في بلاد مراکش لا تزيد حاميتها على ألفي رجل، وفي حال الهياج العام في المدينة الواسعة الأرجاء وانتشار الأحياء الوطنية وسعتها كل ذلك يجعل عمل الشرطة صعبا”.
هذا أول خبر نشرته صحيفة تايمس اللندنية ضافيا مطولا عن الاضطراب في المغرب، وقبله نشرت خبر مجزرة مكناس في جزء أول سبتمبر وفي جزء ثاني سبتمبر، ولكن في بضعة أسطر. ولما عمل المغاربة من الإضراب والاحتجاج ما يستحق الذكر أجبروا هذه الصحيفة العالمية على أن تخصص لهم عمودا من أعمدتها، لا محبة فيهم، ولكن رغبة في إفادة صندوق مالها وقرائها ولئن قام أهل مراکش بمظاهرة ضد عدوان فرنسة فقد صبروا وناموا على الضيم نوما طويلا، لأن رجال الحزب الوطني كانوا يهدئون الناس و يعدونهم، وكانت حكومة فرنسة تعد هؤلاء وتمنيهم ، وما وعدتهم إلا غرورا.
أما الأمة المغربية بأسرها فإنها لم تزل منذ 25 سنة بين المطرقة والسندان، وقد قاست من عذاب الاستعمار ونهب الدين والحرية والمال المنقول والنقود والأرضين والقتل والسبي – أي نعم السبي بمعناه الذي تعرفه – والضرب والسجن لأحقر الأسباب، كأن يمر الفرنسي في قرية ولا يقوم الناس له ويرفعون أيديهم عبادة له إلى ما يضاهي ذلك من التأله والتفرعن ما يشيب النواصي ويفتت الأكباد وأفقر الناس وانتشرت المسغبة. فإلی متی، وحتامَ؟ لقد بلغ السيل الزُّبَى وجاوز الحزام الطُبيَين، وهذه الأمم تتحرر واحدة بعد أخرى ونحن نضرب بالسياط في أسواقنا وأمام بيوتنا كالحمير، ولعمری قد آن المغاربة أن يدخلوا أيديهم في النار لإخراج حقهم، ويجاهدوا في سبيل الله ليعيشوا أعزة أو يموتوا كراما.
بن (ألمانيا)
6 رجب 1356
تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 569، السنة 12، الخميس 25 رجب سنة 1356هـ، (ص:6)


