حب الرئاسة والزعامة أمر يكاد يكون عاما في جميع بنی آدم إلا أن الناس يختلفون في ذاك اختلافا كثيرا: فمن الناس من يجتنب طلب الرئاسة ويفر منها حتى لو عرضت عليه عفوا، كعمر ابن عبد العزيز رحمه الله، إذ کره تولي الخلافة كراهية شديدة وسعى في عدم إسناد الأمر إليه فلم يتم له ما أراد من التخلص من تبعتها، مع أنه كان أحق بها وأهلها. وهؤلاء هم الصفوة العليا.
ومنهم من يكره الرئاسة ويجتنبها علما منه بأنه غير قادر على القيام بأعبائها، و نصحا منه للأمة ، وهو يعلم أن فيها من هو أولى بذلك منه. وهؤلاء من الصالحين المخلصين. والفرق بينهم وبين من قبلهم أن هؤلاء عاجزون حقيقة عن إعطاء الرئاسة حقها. ففرارهم منها أمر حتم واجب عليهم بخلاف من قبلهم فإنما كرهوها تورعا منهم.
ومنهم من قبل الرئاسة بل ويسعى للحصول عليها وهو يعلم أنه غير كفء لها ولا قادر على أداء حقوقها وهؤلاء لسوء الحظ هم الأكثرون. ومنهم من يسعى لها ويقبلها لعلمه بكفاءته وإیناسه من نفسه القدرة على تحمل أعبائها و أداء واجبها ليفوز بخدمتها و ينال أجرها.
وهناك قسم آخر يتولى الرئاسة بل ويسعى لها أحيانا وهو لها أهل ويكون قبوله لها وسعيه فيه اضطرارا وفرضا حتما، لأنه يعلم أنه إن لم يتولها يضيع الحق وأهله وينتصر الباطل ورهطه. فيقوم محتسبا مجاهدا في سبيل الله والمستضعفين من أهل ملته. وهذا القسم قريب من القسم الأول بل هما في الحقيقة قسم واحد. وأرجو أن الأستاذ رحمة علي يكون من هذا القسم كفاءة واخلاصا، فإنه أستاذ في القانون، مسلم متين الإيمان فصيح اللسان قوي الحجة شجاع حکیم متواضع متفان في حب الأمة لا يدخر وسعا في انجاح قضيته. فبحق تولي رئاسة هذه الحركة المباركة.
وَرَدَ علي كتاب من الاستاذ المذكور من انكلند أخبرني أنه قادم في أواخر شهر يونيو إلى بُنْ، وأنه يريد لقائي، فكانت بشرى سارة، لأني كنت مشتاقا إلى رؤية زعيم يجاهد لتحرير ثلاثة وثلاثين مليونا من المسلمين وحفظ حقوقهم، ويبذل النفس والنفيس منذ سنين في بلاد الانكليز صابرة على بردها وأذاها، لأن ذلك لا يوافق جسمه وصحته، طبقا للقاعدة التي يلهج بها دائما ولا سيما إذا نصح له ناصح بالمحافظة على صحته وهی “إنما أعيش للأمة”، وهو يقول ذلك بعبارة متواضعة جدا بالانكليزية لا يشم منها رائحة المن أو التكبر وحاشاه في ذلك.
جاء الأستاذ رحمة علي من كامبرج إلى بُنْ ليشرح لي مواضع وقع فيها غلط في المقال الذي نشر في الفتح في عدد 548 وسبب تلك الأغلاط أني سألت بعض الطلبة الباكستانيين وهو من أفضل الطلبة وأنجبهم وأصلحهم، أعني السيد إحسان الله البشاوري، فشرح لي القضية ووقع في شرحه غلط. لهذا فقط قدم الأستاذ بعد ما بلغته صحيفة (الفتح) والتمس من بعض أصدقائه في المفوضية المصرية في لندن ترجمة المقال إلى الانكليزية فترجم له ودرسه فوجد فيه تلك الأغلاط، فشد الرحلة إلى البلاد الجرمانية ليصححها وليشكرني ويشكر صحيفة الفتح وصاحب الفتح الأستاذ السيد محب الدين الخطيب على هذه المساعدة والمشاركة له في جهاده المبرور. فأخبرته أن صحيفة الفتح إنما أنشئت لمثل هذا الغرض وأنها ترحب بكل مجاهد وتغتبط بخدمة المسلمين أينما كانوا.
والآن نشرح المسائل التي وقع فيها الغلط كما أملاه الزعيم المذكور بعد ترجمته باللغة العربية، ونرجو من القراء الكرام أن يصححوا ما وقع في أذهانهم من الغلط حتى يعرفوا هذه الحركة على حقيقتها كما شرحها رئيسها.
المسألة الأولى
“لا نريد أن نكون تحت الراية الانكليزية”
نحن نجاهد ونسعى للتحرر التام ، ولا نريد أن يستولي علينا أحد يستخدمنا في مصلحته الخاصة ، سواء أكان الهنادك أم البريطانين. وبعبارة أخرى نحن نسعى لإدراك الاستقلال التام الكامل كما تسعى جميع الأمم. وليس معنى ذلك أننا نريد عداوة الهنادك أو البريطانيين، أو أننا نمتنع من الكون على حسن التفاهم هم مجموعة الأمم التي تكون بريطانية العظمى، بشرط أن ذلك التفاهم لا يفرض علينا فرضا وإنما يكون باختيارنا إن رأينا في ذلك مصلحة لأمتنا ولقومنا، كما أنه يجوز أن نتعاهد مع غير بريطانية أن رأينا في ذاك خيرا لنا.
المسألة الثانية
وقع في المقال الأول التعبير بفصل پاکستان عن الهند وهذا التعبير غلط ، لأن پاکستان لم تتصل قط بالهند حتى تحتاج إلى فصل بل لم تزل منفصلة قائمة بنفسها . وكون الانكليز بعد استيلائهم على الهند أطلقوا على مجموعة من الأمم والبلدان لفظ (Lndia الهند) لا يغير الحقيقة ويجعل تلك الأمم والبلدان كلها من الهند بمجرد تلك التسمية، فقد حكم الروم قبلهم مجموعة من الأمم وسموها المملكة الرومية وبقيت على ذلك حينا من الدهر ، ولكن ذلك لم يغير حقيقتها ولم يبدل أصلها.
فقد بقيت تلك الأمم قائمة بنفسها متميزة عن غيرها حتى انقرضت الدولة الرومية ولم تزل قائمة إلى اليوم. وهكذا يقال في جميع الدول التي تغلبت على أمم ولدان كثيرة كالمغول والعثمانيين وغيرهم. ألم تر أن الدولة العثمانية في آخر أمرها همت فعلا بتتريك الأمم الأخرى كالعرب واليونان وغيرهم فأخفقت في سعيها وبقي العرب عربا واليونان یونان . فهذه سنة الأمم المستعمرة من قديم فالانكليز اليوم يجتهدون أن ينكلزوا غيرهم، والهنادك يجتهدون أن يهندکوا غيرهم، ولن يفلحوا أبدا. فباكستان مرت عليها أطوار كثيرة ولكنها لا تزال قائمة بنفسها وبجميع مميزاتها ومقوماتها . نعم أن هذا الاسم : “پاکستان” جديد، ولكن المسمی واحد متحد من قديم الزمان فتجديد الاسم لا يضير.
المسألة الثالثة
وقع في ذلك المقال أن عدد المسلمين في پاکستان خمسة وسبعون في المائة والحقيقة أنهم ثمانون في المائة يقينا. فإن عدد سكان باکستان 42 مليونا، 33 مليونا مسلمون والباقي غير مسلمين، فترى أن غير المسلمين أقلية صغيرة . ولا غرابة في ذلك فأكثر البدان توجد فيها أقليات.
المسألة الرابعة
لغة باكستان تسمى الباكستانية. واسمها الأول أردو. وهذه اللغة صارت اليوم عامة في بلدان كثيرة كباكستان والهند وحتى في أفغانستان فإنها شائعة معروفة. نعم إن لكل ناحية من نواحي پاکستان لغة دارجة تختلف قليلا أو كثيرا عن اللغة العامة الباكستانية وذلك موجود في كل أمة.
المسألة الخامسة
ليس للدكتور إقبال بهذه الحركة صلة البتة فلا اقترحها ولا شارك فيها ولا له بها علاقة، بل لو قيل أن الدكتور المذكور ضد هذه الحركة لما بعد.
أولا، لأنه شارك عمليا في تهيئة الوضع الجديد لحكومة الهند وهذا الوضع يقضي بإدماج باكستان في الهند، بل كان رئيس الوفد الذي ذهب إلى لندن للموافقة على الوضع المذكور.
ثانيا، إنه قبل شخصيا ذاك الوضع الذي هو ضربة قاضية على باكستان.
ثالثا، أنه يحمل لقبا انكلیزیا وهو (Sir – سَرْ) و بذلك ألزم نفسه متابعة الحكومة الإنكليزية وتقيد بذلك على كل حال، فلا يمكن أن يخالفها في قليل ولا كثير لئلا يخسر لقبه، وعندنا قاعدة صحيحة وهي “لا يستطيع أحد العمل في حقل إصلاح الأمم وإنقاذها مع الانتفاع بألقاب المستعمرين”
المسألة السادسة
وهي لا تضير حركة باکستان ولكن التنبيه عليها من فائدة القراء، وهي أنه وقع في المقال السابق أن عدد المنبوذين في الهند ثمانون مليونا والحقيقة أنهم ستون مليونا فقط(1).
المسألة السابعة
وهي كالتي قبلها. لم يبتدئ كاندى العمل لتحرير الهند في سنة 1922 وإنما كان يعمل فيه على أنه عضو من أعضاء (كونكرس- المؤتمر) و كونكرس نشأ منذ 50 سنة.
قادة الفكر الرؤساء في الهند
أملي علينا الاستاذ رحمة علي بعض الأخبار المهمة فأحببنا إطلاع القراء عليها قال : – قادة الفكر الرؤساء في الهند ثلاثة :
1 كاندی 2 جواهر لال نهرو 3 مالويه.
أما كاندي فمذهبه العمل في دائرة القومية الهندكية، وأما نهرو فهو يعمل في دائرة الاشتراكية، وأما مالويه فإنه يعمل في دائرة دين الهنادك. وهؤلاء الثلاثة وإن اختلفوا في وجهة العمل فلهم ملتقى يجتمعون فيه ويتفقون عليه، وهو أن الهنادك يجب أن يكونوا فوق الجميع، وأن السيادة والغلبة يجب أن تكون لهم وحدهم. فاختلافهم إنما هو في الطرق وغايتهم واحدة. فإن كان هؤلاء الزعماء مخلصين لأمتهم وجادين في العمل لإصلاحها فالإنصاف يوجب عليهم أن يسلموا مثل هذا الحق لجيرانهم الباكستانيين ولا يحرموا عليهم ما أباحوا – بل أوجبوا- على أنفسهم، وبذلك فقط يكون بينهم وبين أهل باکستان حسن الجوار، بل ربما كان بينهم تعاون حقیقی بشرط أن يعترفوا لجيرانهم بحقهم.
لماذا اتفق الهنادك والانكليز
على حب إدماج پاکستان في الهند
ستسألني ولك الحق : لماذا اتفق الفريقان المتخاصمان على ادماج باكستان في الهند و والجواب أن لكل منهما في ذلك مقصدة وغرضا. فغرض الانكليز أن يبقى المسلمون مختلطين مع الهنادك ليستمر النزاع بينهم ولا يكاد يتفرغ أحد منهم لخدمة بلاده ويكفي الانكليز مئونة الفريقين جميعا. ومتنى استقل كل منهما بنفسه توجه إلى إصلاح بلاده وقومه وانقطع النزاع وتحولت الجهود التي تبذل فيه الى ترقية البلاد وتقدمها، وذلك ليس من مصلحة المستعمر في شي.
وأما الهنادك فإنهم يعلمون أن العمل بهدى الإسلام هو أكبر السعادة وسر الرقي، وأن المسلمين إذا اجتمع أمرهم وأخذوا يعملون في اطمئنان ويُرقون أنفسهم طبقا لهدى دینهم لا يلبثون أن يتفوقوا عليهم، وربما فتحوا بلادهم تارة أخرى. فلذاك يريدون أن يبقوا تحت سيطرتهم مغلولي الأيدي.
هل كثير على هذه البلاد أن تكون فيها حكومتان؟ وهذه البلدان التي يطلق عليها الانكليز «الهند» تساوي في المساحة وعدد السكان القارة الأوربية بأسرها، إذا استثنيت الروسية. أتدرى كم في أوربة اليوم من حكومة؟ اثنتان وثلاثون أمة كل منها لها حكومة مستقلة تماما، مع أن دينهم واحد وثقافتهم واحدة ونظامهم الاقتصادي واحد. أفيكون كثيرة على بلاد تساويهم في العدد وفي المساحة أن تكون فيها أمتان مستقلتان متجاورتان مع اختلافهما في الدين واللغة والتهذيب وغير ذلك من المقومات، لو كان للإنصاف جانب مرعي؟ أما إذا أصر الفريقان على التعامي والتجاهل لحقوق المسلمين أهل باكستان، وعادوا حركتهم الاصلاحية الحق، فإن المسلمين سيعملون بما علمهم الله في كتابه العزيز: (وقال موسى لقومه أستعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين).
تقي الدين الهلالي
—–
1- أقول وهذا الغلط مني أنا لا من السيد احسان الله
الفتح، عدد 560 السنة 12 – 21 جمادى الثانية 1356 هـ – ص: 6-8


