حيوا بسَفْوان هناك هضابا * قد كُنّ للعُرْبِ الكرام مآبا
يقضون ثَمتَ صيفهم، فإذا شَتَوا * رَحلوا إلى وادي الغضي أسرابا
أيامَ لا عِلْجٌ يسيطرُ فوقهم * ويَسُومهم سوء العذاب عقابا
أيامَ لا يخشون إلا ربهم * كلٌّ بإخلاص إليه أنابا
أيام لا يعصون أمر نبيهم * و يرونه نورا لهم و مثابا
أيام سار النيران بعزهم * وبمجدهم إن أشرقا أو غابا
أيام لا مكر يفرّقُ جمعهم * أسد تحل من السيادة غابا
أيام رعبهم وهم بديارهم * يشوي قلوب فرنجة إرهابا
يا ليت شعري هل لها من عودة * تحيي النفوس وتبرئ الأوصابا
وتسر محزونا وتكبت شامتا * وتصير كيد الظالمين سرابا
قد كان ليث العرب فیصل ممسكا * ليرد غابر مجدهم أسبابا
أسباب حق ما تمسك مخلص * فيها بعزم ثم جد فخابا
أو ما تراه قد بنى صرحا على * متن الثريا في العراق عجابا
قد كان يعمل صامتا في نجوة * والناس ما حسبوا لذلك حسابا
رفع الستار، فواجم من دهشة * و مكتب لما زل مرتابا
حتى أتت حرب الأشوريين من * لشقائهم فتحوا لشر بابا
وقف المهند فيصل وجنوده * فرموا على أهل الشقاق شهابا
وحموا حمى العرب الكرام فأصبح الـ * ـريب المخيم سابقا منجابا
رزء العروبة بالمليك مضاعف * ومصابها ذا اليوم جل مصابا
فعزاؤها بالله ثم بشبلها * غاز فمحتده قديما طابا
فعليه قد عقدت خناصر يعرب * فعسى ينيل بلاده الآرابا
أبقاه رب الناس بدرا كاملا * ومقامه للعالمين مآبا
لقصيدة النجميّ فضل باهر * راقت فصارت النفوس شرابا
ليست من الكلم المصوغ، وإنما * عقد الدراري في الصحائف آبا
حَلى من “الفتح” الممجد جِيده * فملا النفوس بحسنه إعجابا
يا أمة العرب الاماجد كرِّموا * هذا الحلاحل واغمروه ثوابا
بدر الكنانة فحلها وحمامها * لا زال يعدو صارمة قرضايا
لله بيت قد أتي بقصيدة * يشفي الصدور و يهذهب الأوصابا
قد قاله في سفلة مرذولة * تخذت نباح ذوي المكارم دابا
“فليعهموا في غيهم ولينبحوا * ركب العروبة حيث سار كلابا”
ولقد تركت الشعر دهرا كاملا * وغدت قوافيه على صعابا
لكنّ شعر النجم مذ أنشدته * نادى قريضي مييا فأجابا
فهو الذي أحياه بعد مماته * فله يئوب الفضل فيه إيابا
لا غرْوَ أن يحيي بإذن الله أمـ * ـواتا ويسحر للورى ألبابا
يا راكبا إما عرضتَ فبلغنْ * عُبَّادَ أَوهام غبرن خطايا
ينبئهم أن الفراعنة أنقضوا * بادوا وصاروا أعظما وترابا
ما مصر إلا أمة عربية * جعلت قصورَ الظالمین خرابا
وبَنَتْ على آثارهم صرحا علا * وغدا يناطح في السماء سحابا
لكنو (الهند) 22 جمادى الآخرة 1352
محمد تقي الدين الهلالي
مجلة الفتح: العدد 372، السنة 8، الخميس 5 شعبان سنة 1352هـ، (ص:8)


