هو العلامة المحدث الفقيه الأصولي المفسر الأديب الناظم الناثر البليغ، عبد الظاهر أبو السمح بن محمد المصري أصلا، المكي دارا وسكنى، إمام الحرم وخطيبه، ومن كبار المدرسين فيه، كان هذا الأستاذ من أول من تعرفت به من إخواننا السلفيين في مصر، حين قدمتها سنة 1341هـ، وصحبته مدة، وهو ممن أفادتني صحبتهم زيادة تمسك ورسوخ في السلفية، وله مزايا قلما توجد في غيره؛ منها: الصلابة في الدين، وبذل الجهد كله في الدعوة إلى الله، والحلم والصبر على الأذى في الله، والسخاء وحسن معاشرة الإخوان.
وكان أستاذا وطالبا في دار الدعوة والإرشاد التي أسسها السيد الإمام رشيد رضا – رحمه الله ـ بمساعدة خديوي مصر السابق عباس حلمي، فلما جاءت الحرب العالمية الأولى وتغيرت أحوال هذا الملك، ضعف أمر تلك المدرسة، ولكن بعدما تخرج فيها جماعة من العلماء؛ صاحب الترجمة من أجلهم، وكان يلقي فيها دروسًا في الخط والتجويد وغيرهما، وله في هاذين الفنين اليد الطولى، فإذا قرأ القرآن قرأه بأنغام أبي موسى الأشعري، بل بأنغام داودية تكاد الطير تحن إلى سماعه، وتقع أمامه، وله خط كأنه عقود الجمان في نحور الحور الحسان، بهي الطلعة، ملح الشكل، ظريف العبارة، لا يمل مجلسه، لين الجانب، خاشع الله، رقيق القلب.
كان يدعو إلى الله برمل الإسكندرية، وأصابه أذى كثير بسبب ذلك؛ فصبر صبر الجبال، ومن جملة ذلك: أن جماعة من الزعانف المتعاطين للعدالة والإمامة وغيرها من وظائف الدين المتآكلين بدينهم غاظتهم دعوته وقبول الناس لها وانتشار السلفية الحنيفية بسبب ذلك، فكادوا له مكايد؛ منها: أنهم دعوه للمناظرة في أحد مساجد الرمل، وأوعزوا إلى بعض الأوباش أن يضربه عندما يشيرون إليه، فضربه في أثناء المناظرة، وخاف أولئك الزعانف عاقبة الأمر؛ فكتبوا عريضة إلى حاكم الإسكندرية – ويسمى هناك: المحافظ، وزعموا فيها أن الأستاذ يهين الدين، وينكر كرامات الأولياء، وينقص النبي، إلى غير ذلك من المفتريات المألوفة عند أعداء التوحيد والسنة في كل زمان ومكان، فلما وصلت المحافظ راج عليه مكرهم، فأمر بإغلاق المسجد الذي الأستاذ كان يصلي فيه ويعظ مع إخوانه السلفيين، فكتب إلي وأنا بالإسكندرية يدعوني إلى النيابة عنه فيه؛ فبادرت للمسير إلى هناك، وفتحت المسجد، وبقيت نائبًا عنه مدة ثلاثة أشهر، فلم ينفذ المحافظ ما أراد من إغلاق المسجد حين رأى أن الأستاذ قد انقطع عن عمله فيه، واكتفى في عقابه بذلك، غير أن جماعة الزعانف لم يرضوا بذلك، وشرقوا ببقاء المسجد عامرًا، وورمت أنوفهم، فأعادوا الكرة وكتبوا هذه المرة عريضة إلى المرحوم الملك فؤاد، وأخبروه بالقضية على الوجه الباطل، وقالوا له: إن المحافظ حين تحقق صدق دعوانا أمر بإغلاق مسجد الشيخ أبي السمح، فبعث إلى رجل مغربي يحمل جوازا أجنبيا، فعمر المسجد بدله، واستمر الفساد – يريدون اتباع سنة الرسول مع توحيد الله، ونحن نسترحم من جلالتكم استئصال شأفة هذه الدعوة الوهابية، فإنا نخاف إن استمرت أن تسيل الدماء بيننا… إلخ ما قالوا، فرد الملك فؤاد – رحمه الله ـ العريضة إلى محافظ الإسكندرية، فدعاهم وقال لهم: أنتم كتبتم هذه؟ فقالوا: نعم. فناولهم صحيفة أخرى وقال: وقعوا هنا بأنكم أنتم وقعتم على هذه العريضة. ففعلوا، فانهال عليهم توبيخا وزجرًا، وهددهم بأن كل فتنة تقع من هذا القبيل فهم المسؤلون عنها، فانكشفت الغمة، وانفرجت الأزمة.
وكان الأستاذ لا يحضر معنا إلا صلاة الجمعة متخفيا، فأخذ يحضر علانية، فلما رأيت ذلك استأذنته في الانصراف لإكمال رحلتي في مصر؛ فانصرفت متوجها إلى الصعيد.
ولما دخلت جيوش جلالة الملك المصلح العظيم عبد العزيز آل سعود بلاد الحجاز؛ ثارت معركة صحفية في صحف مصر بين أنصار جلالة الملك السعودي وخصومه، فانتدب الأستاذ الكاتب العبقري أبو السمح للدفاع عن جلالة الملك السعودي، وأبلى في تلك المعركة بلاء حسنًا، ودافع عن عقيدة أهل نجد، وأقام البراهين على فساد حجج الطاعنين فيهم، فلما تم الأمر لجلالة الملك عبد العزيز بقي منصب الإمامة والخطابة في الحرم المكي الشريف شاغرًا، فاشرأبت إليه الأعناق، فنظر جلالة الملك عبد العزيز بنظره الصائب، وفكره الثاقب، فلم ير أحدًا أولى بهذا المنصب الشريف من صاحب الترجمة، فقلده إياه، فأعطى جلالته القوس باريها (فلم تك تصلح إلا له)، وقد قام بهذا المنصب منذ نيف وعشرين سنة خير قيام.
ولهذا الأستاذ نظم بديع ونثر بليغ، فلعله نتحف مجلتنا ببعضه. وصفة هذا الأستاذ الخَلقية – بالفتح – أبيض مشرب بحمرة، وسيم المحيا، مربوع القامة، جهوري الصوت، يخطب في المسجد الحرام فيسمع صوته العالي عشرات الألوف، وصل إلى آذان من في البيوت المجاورة للحرم، وهو جريء في الخطابة، بليغ مفوه، لا يتلعثم، ولا يأخذ صحيفة في يده، بل يخطب ارتجالا، وفيه دعابة في مجالسه الخاصة، حسن الجد حسن الهزل، يتحرى الصدق فيهما، قد عاجله الشيب وهو في شبابه، فهو أبيض الشعر، وقد يخضبه اتباعا للسنة، واقتداء بالصحابة، وأظنه الآن في العقد السادس من عمره، بارك الله في حياته، وأدام توفيقه للصالحات.
مجلة «لسان الدين» التطوانية، السنة الأولى، الجزء السادس، محرم 1365هـ ـ دجمبر 1946 م، (ص 15- 19).


