يوم الجمعة هو العيد الأسبوعي لأهل الملة الإسلامية يجتمعون فيه لذكر الله وشكره بأداء فريضة الجمعة وما إليها من النوافل، ويتواصلون فيه ليعرف بعضهم أحوال بعض، ويتعاونون ويتواصون بالحق والصبر، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وقضاء سائر الحاجات، وأداء حقوق المسلم على المسلم، ويسمعون فيه الموعظة والنصيحة والتعليم والإرشاد من إمامهم الأعظم، وهو الخليفة أو من يقوم مقامه من العلماء والأمراء من أهل الفضل والنبل والصلاح والتقوى، فينتبه بذلك الغافل، ويتعلم الجاهل، ويهتدي الضال والحيران، وينتصر المظلوم ويرتدع الظالم.
ولذلك جعل الله هذا الاجتماع فرضا على كل مسلم، لا يجوز التخلف عنه إلا لعذر، وشرعه للمسلمات دون أن يوجبه عليهن، لما فيه من الفوائد المتقدمة ليشارکن في ذلك؛ لأن النساء شقائق الرجال ولا صلاح لأحد الفريقين إلا بصلاح الأخر.
الخطبة التي يخطبها الإمام يوم الجمعة هي درس أسبوعي وغذاء روحي، تتلقاه الأمة وهي في أشد الحاجة إليه ، لأن أصحاب الكد والأشغال الكثيرة قد لا يسمعون من العلم والوعظ في الأسبوع كله إلا تلك الخطبة فهم أحوج إليها منهم إلى الطعام والشراب، لأن حفظ قوة الروح وحياتها أهم من حفظ قوة البدن وحياته إذ هي المقصودة بالذات، وعليها تترتب السعادة والشقاوة والبدن إنما هو كالخادم لها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث النعمان بن بشیر وهو في الصحيح: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يخطب بنفسه وكذلك الخلفاء من بعده، وكان يخطب في البلدان التي لم تكن مقرا للخلافة أمراؤها ولم يكونوا إلا من كبار العلماء في الزمن الأول. فدلنا ذلك على أن لهذه الخطبة شأنا عظيما، فلا يتولاها إلا الاكفاء من أهل العلم والفضل والتقوى لأن كلامهم يقع موقع القبول في نفوس الناس لعلمهم بما يحيي القلوب، ويشحذ العزائم ويشفي الأمراض النفسية. فمتى خلف هذا المنهاج وتولى الخطبة غير ذوي الكفاءة ذهبت فائدتها، وقل نفعها، ولم يبق لها تأثير فصارت کالعدم.
وفي الصحيح عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم کان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم. وكان يقول: أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وفيه أيضا أنه كان يقرأ في خطبته القرآن كثيرا حتى أن أم هشام بنت حارثة قالت : ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر. وكان عليه الصلاة والسلام يعلم الجاهل، ففي الصحيح أن رجلا دخل المسجد وهو عليه الصلاة والسلام يخطب على المنبر، فجلس الرجل ولم يصل ركعتين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم یا فلان، أصليت ركعتين؟ قال لا، قال : قم فاركع ركعتين خفيفتين. وقال عليه الصلاة والسلام : (إذا جاء أحدکم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) وهو في الصحيح من حديث جابر. فالواجب على الخطباء في زماننا أن يعلموا الجاهل من فوق المنابر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا أن يرقوا إلى سماء المسجد رجلا عاميا جاهلا، يخطب بين يدي خطبه خطبة كثيرة الألفاظ، قليلة المعنى عديمة الفائدة لا تشتمل مع طولها إلا على حديث واحد، متنه عشر كلمات وهي (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت) وهذه الكلمات لا يفهم المقصود بها عامة المستمعين، من أجل تلك المقدمة الطويلة التي جعلت لها، وألفاظها تزيد على مائة، ولما فيها من الغناء والترنم والتمطيط ومراعاة الأنغام فالعامة يظنون أنها خطبة لا يراد بها تذكير، وإنما هي غناء تعبدي. وإذا كان الخطيب لا يعلم الناس أحكام الجمعة: كحرمة الكلام أثناء الخطبة على المستمعين ووجوب الإنصات عليهم، وعدم تخطي رقاب الناس، ويروي لهم الأحاديث النبوية، ويشرحها لهم فعلام صعد المنبر؟ وما فائدة خطبته؟ وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك الرجل وهو على المنبر حكم صلاة تحية المسجد، وهو لا يزيد على الاستحباب، فكيف يسكت الخطيب على تعليم الواجبات. ولا سيما واجبات الجمعة نفسها، ويكل تعليمها إلى رجل جاهل؟ أضف إلى ذلك ما في خطبة ذلك الجاهل من الحدث في الدين، والابتداع ومخالفة سنة سيد المرسلين وضياع الوقت على الناس في غير طائل، وإلزامهم الانصات إليها ، بل يقطعون العبادات المشروعة: كصلاة النافلة، وقراءة القرآن والذکر سرا. فالواجب على من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين أن يزيل هذه البدعة، ويكون الوعظ والتعليم كله للخطيب في خطبته المشروعة.
وقد بدل الناس وغيروا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة، فولوها غير الأكفاء وأحدثوا فيها أسجاعا كالأوجاع تزيدها غموضا وخفاء بالنسبة إلى العامة، وتكون خالية من القرآن والحديث الذين هما عماد الخطبة ومادتها، فلا تشتمل منهما إلا على شيء قليل تحلة القسم. فليس هناك إلا سجعات تكرر في كل جمعة، فلا يتعظ بها أحد، فليس فيها روح ولا حياة ولا تذكير، ويزيدها الخطباء موتا بتلك النغمة المريضة التي يلقونها بها، فهي رقية للنوم ومغناطیس له، تعمل في المستمعين ما يعمله الدواء المنوم، فيعلو شخيرهم وينتقض وضوؤهم، ولذلك صار العامة يجهلون أن المقصود منها هو التذكير والوعظ والتعليم والإرشاد وصاروا يظنون أنها تقرأ تعبدا.
ومن منكراتها ما أحدثه أكبر المؤلفين لدواوين الخطب من قصر الكلام فيها على فضائل الأيام الموسم، وإيراد الأحاديث الموضوعة والمنكرة: کأحاديث يوم عاشوراء ما عدا حديث الصيام، فإنه صحيح وأحاديث في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحاديث السابع والعشرين من رجب وليلة النصف من شعبان ويخطبون الأحاديث في الشهور والأيام التي لها فضل، فيختارون الضعيف والغريب لغرابته وكثرة ما يروى فيه من الثواب بلا مشقة كبيرة، ويتركون الصحيح لما فيه من الجد والحث على الاجتهاد في الأعمال الصالحات، فدواوينهم تلك من جملة البلايا.
وقد أشار الحافظ الإمام شمس الدين ابن القيم في زاد المعاد إلى مخالفة أهل زمانه الهدي النبوي في خطبة الجمعة، قال: وكان صلى الله عليه وسلم، لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله. وأما قول كثير من الفقهاء أنه يفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيد بالتكبير فليس معهم فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم البتة. وسنته تقتضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. ثم قال ولم يكن له شاوش (1) يخرج دین يديه إذا خرج من حجرة، ولم يك يلبس لباس الخطباء اليوم، لا طرحة ولا زيفا واسعا (2) ولم يكن الرسول عليه السلام يتوكأ على سيف، بل قبل أن يتخذ المنبر كان يتوكأ على القوس في الحروب، وعلى العصا في الجمعات. وبعد أن اتخذ المنبر استغنى عن جميع ذلك اه. هذا وكان زمانه حافلا بالأئمة من العلماء الصالحين والقادة المجاهدين، الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، الحافظين لحدود الله. كيف لو رأى زماننا هذا.
وأول من دعا إلى هذا النوع من الإصلاح في هذه البلاد، فيما نعلمه، الأستاذ السلفي، الداعي إلى الحق بجد واجتهاد، الشيخ محمد الطنجي. فإنه نهج في خطبة الجمعة نهجا صالحا مستقيما موافقا للهدي النبوي، فانتفع الناس بذلك أيما انتفاع وصارت العامة تزدحم على سماع خطبته، ويبكرون للصلاة في مسجده، حتى لا يجد المتاخر موضعا بل صار الناس يشدون الرحال من الآفاق لسماع خطبته. وقد ناله في ذلك أذى ، فاحتمله صابرا محتسبا والله مع الصابرين. ولا زال مستمرا على نهجه الإصلاحي زاده الله توفيقا. وله ديوان كبیر مطبوع، جمع فيه كثير من خطبه وأسماه وعظ الجمعة، وهو متداول بأيدي الناس. وقد سرنا أن خطيب الجامع الأعظم الفقیه سیدي مفضل بن الحسن أفيلال حذا حذو الأستاذ الطنجي فأعرض عن خطب الدواوين الميتة، وأخذ منذ زمان ينشيء خطب الجمعة بنفسه، ويعمد فيها إلى المواضيع التي تشتد حاجة الناس إليها ، فيشرحها لهم شرحا وافيا، ويسهل فهمها عليهم، ويستشهد فيها بالآيات والأحاديث وهو وإن كان لا يزال محافظا على السجع، إلا أنه سجع سهل خال من التكلف. والذي نختاره نحن هو ترك السجع أصلا كما كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ليتسع المجال للمنشيء في زيادة البيان، وتكون العناية كلها موجهة إلى المعنى. وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم على رجل قال : (كيف ندي (3) من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فذلك دم يطل) (4) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أسجعا كسجع الکهان). ولا بأس أن تكون فاتحة الخطبة مسجوعة، فإذا قال : أما بعد فالترسل أفضل. وقد سمعت يوم الجمعة الماضي خطبة في الفلاحة لخطيب الجامع الأعظم أعجبتني وكانت سبب إنشاء هذه المقالة، فطلبت نسخة منها من حضرة الفقيه الخطيب، فبعث بها إلي وقد رأيت أن أنشرها هنا ليقتدي بذلك خطباء المساجد الأخرى، وهذا نصها :
الحمد لله الذي جعل من الفرائض على كل عبد الرضا بما ءاتاه وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة من تحقق بها رضي عن جميع أفعال مولاه. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الفضلاء الأعلام ، ونجوم الظلام. من يطع الخ.
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون إن الفلاَّح هو كنز من كنوز الأمة التي تنفق منها ما تحتاج إليه في جميع الشؤون، وهو مادتها ومنفذها إذا اشتدت الأزمة وتراكمت الكروب وأحاطت الديون، وهو خادمها الأمين في قضاء مصالحها إذا خابت في رجال إصلاحها الظنون، وهو عمادها الذي ترتكز عليه وهو القوام، وهو من ناحية أخرى أحل الناس قوتا لأنه يكسبه بعرق الجبين، وهو أتعب الناس بدنا في تحصیل رزقه ورزق من تلزمه نفقته، فهو معدود في صحيفة الصابرين، وهو في الغالب لا يزيد كسبه عن قوته وقوت عياله إذا توزع فهو في فريق المتوكلين، هذا مقام الفلاح الذي يقضي فيه معظم حياته وأعظم به من مقام. إلا أنه اليوم وا أسفاه غلب عليه الجهل والطمع والحسد وهي صفات مهلكات، فبالجهل أصبح لا يخاف الله تعالى وإنما يخاف الحاكم وسطوة الحاكم وما للحاكم من بطشات، ولذلك إذا غفل الحاكم وضعفت سطوته سرق وانتقم وتعدی على غيره واتلف له المزروعات، ولو علم أن الله يتلف من أتلف أموال الناس ما سرق ولا تعدى ولا انتقم ذلك الانتقام. وأما الطمع فجعله لا يفرق في كسبه بينما حرمه وحلله الملك الديان، ولذلك تراه يغش في جميع معاملاته ما دام له الغش في الإمكان . وتراه ينقل الحدود فيغير معالم الأرض فيكون محط خزى الناس ومصب لعنات الرحمان وتراه لا يتهيب حين يسطو على زرع غيره برعي ماشیته اعتمادا على جاهه أو ظلمه وزرعه كأنه عليه حرام، وأما الحسد فجعله كأنه لا شغل له إلا مراقبة أحوال مزاحمية وخصوصا في فلاحة الجيران، فإن رأى عندهم خيرا نزل به من الغم والأسى ما تنهد منه الأبدان، وإن رأى عندهم شرا أو أصابتهم جائحة أتت على الزرع الضرع كاد يطير فرحا بمصيبة اخيه الانسان، ولو استطاع أن لا يبقي الله نعمة على غيره من الأكوان الفعل بكل حماسة وإقدام. هذه حالة الفلاح يعرفها منه كل من عاشره وءازره وآخاه وهي حالة لا يفلح معها فلاح لا غيره في دنياه ولا في أخراه، لكننا لا ننكر ان بين الفلاحين من قد يتنزه عن كل ذلك ويخشى مولاه، فكن أيها المؤمن من هذا الفريق تكن ممن تمسك بتعاليم دينه العظیم دین الإسلام. روی الطبرانی والأصبهاني أن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أمسى آكلا من عمل يده أمسى مغفورا له. وروی الطبراني أيضا ان مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كانت الدنيا أكبر همه فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. نفعني الله الخ.
———-
(1) لفظة تركية والمراد به الرجل الذي يرافق الامام من مقصورته الى المنبر.
(2) هذه ثياب كان الخطباء على عهده يختصون بها وذلك بدعة و فيه مشابهة للرهبان وأحبار اليهود.
(3) أي ندفع دية.
(4) أي يهدر.
مجلة لسان الدين: الجزء 7 السنة 1 – صفر 1366 – يناير 1947 – ص: 12-24


