(1) عبرة
لما كنت منقطعا عن الناس، مؤثرا للعزلة: من الجامعة إلى المسكن، لا أغشى المجلس العامة، صرت أصرف أوقات الاستجمام والراحة في استماع الإذاعات. فرأيت أن الأصوات تتنافس وتتدارأ وتتقاتل مثل الأمم والأفراد. فبينما أنت تسمع صوتا، إذا بصرت آخر هجم علیه ودفعه وحل محله، إن كان أقوى منه. فإن كانا متساويين لم يزالا في عراك وتدافع. ومتى جاء صوت قوي فتح طريقه في أي موضع من دائرة الآلة، وفسحت له الأصوات التي دونه في القوة ليتخذ مكانه بينها، وانحازت ذات اليمين وذات الشمال إن وجدت فراغا أو أصواتا أضعف منها، فإن لم تجد اختفت وانقطعت. وإن في ذلك لعبرة للمتوسم، فكل شيء في هذه الدنيا أبدا في تغالب وتعاز ونزاع ونضال، فويل للضعيف من القوي. وتجد ذلك في أصغر المخلوقات كالذَّر وفي أكبرها كالفيلة. وتجده في الحيوان والإنسان بل والنبات أيضا. وهذا يدلنا على أنه لا سبيل لأمة أن تنال حقها في الحياة الدنيا إلا بالقوة. لقد صدق الله حيث قال (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم. الله مهم).
(2) حفلة موسيقية من إذاعة القاهرة
في 19 مارس المنصرم مساء كنت أستمع إلى محطة (نَیشنَل) الإنكليزية. فإذا بالمعلن يعلن للمستمعين أن حفلة موسيقية ستسمع بواسطة نشنل من محطة القاهرة، فأرهفت سمعي وحننت إلى ذكر البلاد العربية. فإذا بالمعلن يعلن من القاهرة بالانكليزية ثم بالفرنسية إعلانا طويلا شرح فيه الحفلة وأنها من تركيب الموسيقي يوسف فلان، وأنه ركبها من أنغام شرقية وغربية. فأخبرت بعض المعارف وجاءوا ليستمعوا. وأول شيء أنكرته هو أن الإعلان كان باللغتين الأجنبيتين أولا وأخيرا. وأما لغة البلاد فاقتصر منها على هذه الجملة التي جاءت ذنبا للاعلان مع قلتها وهي “القاهرة تحيتنا إلى مستمعينا الكرام(1)”. أما الإعلانان المتقدمان فقد كانا طويلين مشتملين على تحية المستمعين في بريطانية وأمريكا وفرنسا وبلجيكه الخ دول الحلفاء. وأنا لا أعترض على الإعلان بلغة أجنبية، فهو لازم ولكن عادة جميع المحطات التي تعلن بأكثر من لغة أن تبدأ أولا بلغتها ثم تعلن باللغات الأخرى (2) أما أن تترك لغتها أصلا أو تقتصر على جملة واحدة وتكون تلك الجملة ذنبا فهو غير معقول إلا في وهم جماعة المقلدين الذين يهينون شعار قومهم ويعبدون الأجانب الظالمين لهم ولغيرهم.
وأنكرت ثانيا أن توسط محطة القاهرة محطة انكليزية في إذاعة ثم تكون تلك الإذاعة إنما هي حفلة موسيقية لا غير لم تصحبها دعاية لخدمة مصالح البلاد.
وأنكرت ثالثا على الموسيقي أنه نحا في نغماته نحو الموسيقى الأوروبية لا الموسيقى الشرقية، فانطبق عليه المثل “کمستبضع تمرا إلى هجر” وهل الأوربيون في حاجة إلى أن يسمعوا تقليد موسيقاهم من القاهرة ليقولوا أجاد الموسيقي المصرى التقليد أو لم يجده؟
نعم لو كانت الحفلة شرقية لتهافت أهل أوربة على سماعها تهافت الفراش، أما أن ترد إليهم بضاعتهم فذلك عبث ولغو. نعم تخللت تلك الحفلة قطعة شرقية خالصة لكنها قصيرة جدا وهي التي نالت استحسان المستمعين واسترعت انتباههم (3).
(3) راديو الجزائر
منذ شهر صرت أسمع راديو الجزائر واضحا. فلا أدري أجددت محطة الجزائر أخيرا فلذلك أمكن سماعها الآن ولم يمكن قبلا أم ماذا. وتعليقي على هذا أن برنامج إذاعة الجزائر يبتدىء من الساعة السابعة صباحا وينتهي في آخر الثانية عشرة في نصف الليل. أتدري كم حظ اللغة العربية من هذا الوقت وهو 17 ساعة؟ هو ساعة واحدة في المساء وعشرون دقيقة في الصباح فقط. والمتكلمون باللغة الفرنسية من الفرنسيين وأخلاط الأوروبيين المتفرنسين لا يزيد عددهم على 500.000 أما أهل البلاد الذين عددهم 5.000.000 فنصيبهم -من 17 ساعة- ساعة وثلث، تنقسم إلى موسيقى وخطبة وأخبار. والخطبة لا تزيد على سبع دقائق وتكون دائما في مدح فرنسة والتسبيح بحمدها والتقديس لها. وهو لعمري خزي ولعنة عظيمة. والخطيب مسيو أحمد لِحْبيبْ حتى الآن يفيض القول في حنو الأم الحنون فرنسة الكريمة وبرها بأبنائها من أهل الجزائر. ونحن نعرف حقيقة الحال وأن أحرار الجزائر يضجون ويصرخون من ظلم الأم الحرون التي هي النسبة إلى الجزائريين كهرة تأكل أولادها. فبئست المملاة وقبحا وشقحا للمتملقين الخائنين، وأما من لا يعرف الحال فيظن أن أهل الجزائر راضون بالظلم والهضم ويحمدون الظالم أيضا علاوة على الرضا. ولا يعلمون أن مسيو لحبيب مأجور لغيره وغراب ناعب. ومما يدلك على أن الاستعباد الفرنسي هو أخبث من كل استعباد وقع في الدنيا، أن الفرنسيين لا يقنعون أبدا ممن ظلموه أن يصبر ويسكت بل يريدون منه أن يحمدهم على ظلمهم ويسميه عطفا ورحمة. وهذا راديو بيت المقدس مع طغيان الانكليز واليهود تحرز منه اللغة العربية ثلثا كاملا، ويسمع منه القرآن في كل ليلة. أعني أني كنت أسمعه بالبصرة لا هنا. وأهل الجزائر محرومون من الإذاعة مع أن ما ينفق عليها كله من عرق جبينهم يؤخذ منهم بلا رحمة ولو كان عشاء أطفالهم ليخدم به أغراض المستأثر الظالم وليتمتع بسماعه أبناء الأم الحيزبون وحدهم.
الأغاني التي يذيعها راديو الجزائر ثلاثة أنواع: مراكشية، وجزائرية، ومصرية.
والقسمان الأولان منها في غاية القبح والاختلال إلا النادر، ومن يسمعها يصدق ما يزعمه بعض الجهلة من أهل المشرق أن اللغة العربية عفت ودرست بالمغرب ولم يبق لها أثر إلا كباقي الوشم في ظاهر اليد. أما نحن فنعرف أن اللغة العربية لا تزال حية في شمال افريقية، وأن أقطار الشرق ليست أحسن منها في ذلك، لكنها أكثر إنتاجا، ولذلك أسباب منها هذا الاستعمار الفرنسي اللعين الذي لا يمكن أن يقاس باستعمار الإنكليز ولا باستعمار الشياطين. فالفرنسيون لا يريدون باستعمارهم ترويج بضائعهم وبسط سيادتهم ونهب قسم عظيم من الأموال والأنفس يخدمون به بلادهم فقط، بل يريدون أن يمصوا دماء أهل البلاد حتى لا يبقى من أجسامهم إلا خيالات، وهذه الخيالات يجب أن تكون خيالات فرنسية تنسى لغتها ودينها وعاداتها ولا تذكر إلا فرنسة.
فهذا أكبر عائق يعوق نمو الأدب العربي بالمغرب، لأن الأجنبي القادر يعمل كل ما في وسعه لقتله وإحلال أدب لغته محله، وعلى ذلك فإن أهل المغرب أخذوا يفيقون من نومهم، وأخذوا يعملون لكسر سلاسل العدو الغاشم وأغلاله، والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات. صدق الله العظيم. فلن يتعرض مؤمن لفضل الله ونصرته بالعمل والصدق إلا وجد ولايته ونصره أقرب إليه من حبل الوريد، ومن تزکی فإنما يتزکی لنفسه. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها.
بُن (ألمانيا)، 9 ربیع الأول1356
محمد تقي الدين الهلالي
————————-
(1) الفتح- إن برنامج الإذاعة في مصر ينقسم إلى قسمين: قسم عربی وهو الأكبر، وقسم آخر أفرنجي لأجل الجاليات الأوروبية والأمريكية في القطر، ولمخاطبة البلاد الغربية وراء البحار. والذي سمعه الأستاذ هو شطر من برنامج الإذاعة المصرية الافرنجي أما القسم العربي وهو الأكبر فإنه عربي محض. وقلما ترغب محطة نيشنل أو غيرها في تعميم إذاعته لأن الأمم الأوربية لا تفهم العربية، ومتى تمت تقوية محطة القاهرة فسيستغني عن تلك الوساطة.
(2) الفتح – نلفت نظر إدارة الإذاعة اللاسلكية في القاهرة إلى هذه الملاحظة أو نرجو أن تعمل بها.
(3) الفتح – يسرنا أن تسمع إدارة الإذاعة المصرية هذه الحقيقة.
صحيفة الفتح: العدد 552 العام 12 – الخميس 24 ربيع الأول 1356هـ – ص: 6-7


