من ينسب إلى التصوف فريقان
مهتد سني، وضال بدعي.
قال المعترض مشنعاً «وبعبارة أخرى أن تقول أن أبا القاسم الجنيد والغزالي والسنوسي والجيلاني وعبد السلام الأسمر والدسوقي ومعروف الكرخي من شيوخ الزهد والتقوى كلهم طرقيون!!! فإذا كانوا كذلك فهم مبتدعون وكل مبتدع ضال وكل ضلالة في النار». أقول هذا الكلام دل على جهل عظيم ولم يصدر من قلب سليم وهو مردود من وجوه:
الأول أن المقدمة الأولى المشتملة على قوله وكلهم طرقيون ممنوعة ففسد احتجاجه إذ لا يتم له الاحتجاج علينا إلا بعد تسليمنا المقدمات.
وبيان ذلك أن الجنيد ومن سلك مسلكه من أهل الزهد والتقوى لا يتجرأ أحد له عقل ودين أن ينعتهم بالنعوت التي بينت في مقالة (هل فيهم رجل رشيد) وتقدم أني ما أردت بالذم إلا من وصفت حالهم.
الوجه الثاني أن الجنيد ومن سلك مسلكه من أهل الزهد والتقوى رحمهم الله كانوا يحضون على اتباع السنة ويوالون أهلها ويحذرون من البدع ويذمون أهلها ويتبرؤون منهم كائنين من كانوا. وقد حذروا الناس من مبتدعة المتصوفة كما حذر منهم الأئمة والعلماء من غيرهم.
نقل صاحب الرسالة القشيرية وغير واحد عن الجنيد رحمه الله أنه قال: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه السلام. وقال: من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر لأن علمنا هذا ومذهبنا مقيد بالكتاب والسنة. وقال أبو يزيد: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يتربع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة. وقال أبو سليمان الداراني: ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين من الكتاب والسنة، وقال ذو النون المصري: من علامة المحبة لله تعالى محبة حبيبه ﷺ واتِّباعُه في أخلاقه وأقواله وأفعاله وأوامره وسنته.
وقال أبو سعيد الخراز: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل وقال أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء: من قال إن الحقيقة تخالف الشريعة أو الباطن يخالف الظاهر فهو إلى الكفر أقرب منه إلى الإيمان. وقد ورد عن القوم رحمهم من هذا الباب شيء كثير .
ومعلوم بيقين أن كثيراً من المبطلين تستروا باسم التصوف وأتوا من البدع والمنكرات ما تقشعر منه الجلود.
قال البركوي في الطريقة المحمدية في فصل البدع بعد تقسيمها فظهر من هذا أن ما يدعيه بعض المتصوفة في زماننا إذا أنكر عليهم بعض أمورهم المخالف للشرع: أن حرمة هذا في العلم الظاهر وإنا أصحاب العلم الباطن وإنه حلال فيه وإنكم تأخذون من الكتاب ونحن نأخذ من صاحبه محمد عليه الصلاة والسلام فإذا أشكل علينا مسألة استفتيناها (؟) منه فإن حصل قناعة فيها وإلا رجعنا إلى الله بالذات فنأخذ منه، وإنا بالخلوة وبهمة شيخنا نصل إلى الله فلا نحتاج إلى الكتاب والمطالعة والقراءة على أستاذ وأن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا برفض العلم الظاهر والشرع وإنا لو كنا على الباطل لما حصل لنا تلك الحالات السنية والكرامات العلية من مشاهدة الأنوار ورؤية الأنبياء الكبار وإنا إذا صدر منا مكروه أو حرام نبهنا عنه في النوم بالرؤية (؟) فنعرف بها الحلال والحرام وإن ما فعلنا مما قلتم إنه حرام لم ننه عنه في المنام فعلمنا أنه حلال وذلك من الترهات كله إلحاد وضلال إذ فيه ازدراء للشريعة الحنيفية والكتاب والسنة النبوية وعدم الاعتماد عليهما وتجويز الخطأ والبطلان فيهما – والعياذ بالله تعالى.
فالواجب على كل من يسمع هذه الأقاويل الباطلة الإنكار على قائله والجزم ببطلان مقاله بلا شك ولا توقف ولا تردد ولا تلبث وإلا فهو من جملتهم فيحكم بالزندقة عليهم.
وقد صرح العلماء بأن الإلهام ليس من أسباب المعرفة بالأحكام. وكذلك الرؤيا في المنام خصوصاً إذا خالفا كتاب العزيز العلام أو سنة محمد عليه السلام. اهـ كلام الإمام البركوي. ثم نقل أثره عن أئمة التصوف ما يؤيد كلامه فانظره. ثم قال البركوي فانظر أيها العاقل للحق أن هؤلاء علماء الطريقة، وكبراء أرباب السلوك إلى الله تعالى. والحقيقة كلهم يعظمون الشريعة ويبنون علومهم الباطنة على السيرة الأحمدية والملة الحنيفية فلا يغرنك طامات الجهال المتنسكين وشطحهم الفاسدين المفسدين الضالين المضلين اهـ. ومثل هذا الكلام في التفريق بين الصوفية السنيين والمتصوفة المبتدعين ومدح الأولين وذم الآخرين وقع في كتب كثيرة من الأئمة الأعلام كالشاطبي والطرطوشي وأبي شامة وابن القيم وابن الجوزي وابن عقيل وغير واحد من الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية رحمهم الله ولو شئت أن أجمع كتاباً فيما ورد عن العلماء من ذم المتصوفة المبتدعة لفعلت.
وإذ ثبت أن من ينسب إلى التصوف فريقان فریق مهتد سني وفريق ضال بدعي، وقد ذم الله ورسوله وأهل العلم الفريق الثاني فأنا في ذمهم متبع للسنة وللسلف الصالح، فمن عاب ذمي لهم أو عاداني له فإنما عاب السنة والسلف وعاداهم فيهنيه الرعي في هذا المرتع الوخيم.
(يتبع)
محمد تقي الهلالي
المدرس بالحرم النبوي
جريدة “الشهاب” الجزائرية، السنة 4، العدد 172، 3 جمادى الثانية 1347هـ، 15 نفامبر 1928م – ص:7.


