قال المعترض فيما رد به قولي في مقالتي (هل فيهم رجل رشيد؟) : “وكيف يتصور أن يكون الشخص طرقياً وهو كذلك أي متبع غير مبتدع عالم بخفيات الشرك متجنب لها: ماذا ينتج من لوازم هذه الجملة وهذه المقدمات يا ترى ونظمها هكذا كل طرقي مبتدع وكل مبتدع ضال وكل ضلالة في النار ينتج كل طرقي في النار” اهـ. أقول لفظ الطرقي لغة صالح أن يفسر بالمهتدي وبالضال فإذا كانت النسبة إلى الطريقة التي قال الله فيها وإن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً وقوله عز وجلّ (يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) فالمتمسك بهذه الطريقة هو المفلح السعيد وهذه الطريقة هي عنها المعبر عنها بالصراط المستقيم في فاتحة الكتاب وفي غير ما آية . قال عبدالله بن مسعود: الصراط المستقيم هو ما تركنا عليه رسول الله ﷺ. وعنه قال: خط لنا رسول لله ﷺ خطاً ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه) الآية، رواه أحمد والنسائي والدارمي وصور بعض شراح الحديث الخط المذكور بهذه الصورة.
وقال في شرح هذا الحديث عند قوله الآية أي (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) والمراد بالطرق الأديان المختلفة والطرق الزائغة ومحدثات الأمور ونحوها مما لم يجيء به رسول الله ﷺ ولم ينزل به من الله سلطان. والحديث تفسير لقوله تعالى (إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم) فنقرر بهذا أن سبيل الله والصراط المستقيم اتباع الكتاب والسنة وأن ما خالفهما كائناً ما كان فهو من سبل الشيطان اهـ. وقد آن لنا أن نسأل الطرقيين: أهذه الحالة التي أنتم عليها هي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المجتهدون؟ فإن قالوا نعم، جاهروا بالكذب ونسألهم ما طريقة أبي بكر، وما هي طريقة عمر، وما هي طريقة عثمان وما هي طريقة علي، وأين كانت زواياهم وكيف كانوا يلقنون العهود وما هي أورادهم وهل تعتقدون فيهم أنهم كانوا يحدثون في الدين كما تحدثون؟ وكذلك يقال في التابعين والأئمة المجتهدين. فلا يكون لهم جواب إلا أن يعتمدوا بنات غي فيزدادون إثماً، وإن اعترفوا أنهم أحدثوا رسوماً وناموساً لم يكن عليها السلف واختلفوا في ذلك حتى عادى بعضهم بعضاً وصاروا يروون عن النبي ﷺ- المتناقضات يقظة بزعمهم تبين واضح وشهدوا على أنفسهم أنهم متبعو سبل الشيطان فتفرقت بهم عن سبيل الله ونحن لا ذنب لنا عندهم إلا إننا ندعوهم إلى الرجوع إلى سبيل الله الصراط المستقيم وقل اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون.
ويعبر عن الطريق المستقيم أيضاً بالسنة كما في حديث العرباض بن سارية: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة” رواه الترمذي وصححه وابن ماجه. ومعلوم أن الصحابة وسائر أهل القرون الثلاثة المفضلة لم يحدثوا شيئاً من هذه الطرائق بل كانوا على الصراط المستقيم وإنما حدثت الطرائق في القرون المذمومة على لسان النبي ﷺ فبان أنها من سبل الشيطان التي هي محدثات الأمور. وعبر عنها بالبيضاء والحنيفية السمحة وملة إبراهيم في أحاديث.
فتأملوا رحمكم الله عبارات الكتاب والسنة عن الصراط المستقيم بالطريقة والطريق والسبيل والسنة والبيضاء وملة إبراهيم وكلها بالإفراد سواء أضيفت إلى المفرد كسنتي أو إلى الجمع كسنة الخلفاء. فرغبنا الله ورسوله في طريقة النبي ﷺ ونهانا عن السبل المتفرقة والطرق المختلفة وسنن الذين من قبلنا وذمها الله تعالى ورسوله في الكتاب والسنة فهي التي نذم ونذم من اتبعها ومن تولى أهلها ونبغضهم ونعاديهم في الله ومع ذلك لا نألو جهداً في إرشادهم ونصحهم وإقامة الحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم.
فنعالج أدواءهم ونصبر منهم على الأذى ونغمض الجفن على القذى وأما قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) فقال ابن عباس والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا وفسرت بالعلم والعمل، قاله الفضيل ابن عياض وفسرت بسبل الجنة قاله سهل بن عبد الله.
وعلى كل فليس المراد بالسبل هذه الطرائق القدد المحدثة بل هي من سبل الشيطان.
محمد تقي الهلالي
المدرس بالحرم النبوي



