ملخص
“في هذا المقال الساخر واللاذع، يحلل الدكتور تقي الدين الهلالي خطاب رئيس الوزراء الفرنسي دالاديي، واصفاً إياه بالفشل وعدم الجدوى، ومبيناً التناقض الصارخ بين دعاوى فرنسا بالحرية والديمقراطية وبين ممارساتها القمعية والاستعمارية في شمال إفريقيا والشام. ويسخر الكاتب من محاولات التضليل الإعلامي التي تزعم اهتمام العالم بخطاب يفتقر إلى المصداقية، مؤكداً أن شعوب المستعمرات تدرك زيف هذه الوعود ولا تكن لفرنسا إلا البغض نتيجة لسياساتها الظالمة.”للكاتب المجاهد الأستاذ تقي الدين الهلالي
خطب اليوم دالاديي ظانا أن العالم سيحفل بخطبته ويقيم لها وزنا، فلم يكن ظنه، مع الأسف في محله. فلا نقلتها إذاعات العالم، ولا رددت صداها، ولا استمع لها أحد. استغفر الله بل زعم اليهودي الذي يذيع في إذاعة باريس مندیال الصهيونية أن خطبة دالاديي نقلتها إذاعة تونس والرباط والجزائر! كأن هذه إذاعات دول عظيمة اهتمت بخطبة دالاديي والتقطتها لتلقيها على أمتها لتستمع لها ملايين الآذان فتسر بما فيها من التبشير وتطير أفئدتها لما فيها من الإنذار والوعيد! والحقيقة أن هذه الخطبة كانت أفشل خطبة ألقاها متزعم. فلم يعبأ بها أحد، حتى بريطانية التي ذكرها دالاديي وأطال في مدحها في خطبته لم تلق بالا لخطبته فلا نقلتها ولا ترجمتها. وإنما اکتفت بإشارة قصيرة إليها في ذنب الأخبار الصغيرة التافهة، لأنها رأتها فارغة من كل معنى و باردة جدا أبرد من يخ! ولو أن حضرته علم أن خطبته ستلاقي هذا الهوان حتى من أقرب الناس إليه وهم حماته وأنصاره البريطانيون، الذين يصول باعتماده عليهم ورکوبه على أكتافهم ولو علم ذلك لكان السكوت عنده ذهبا، والكلام رمادا لا فضة. وفي صولة دالاديي وهو متكئ على تشمبر لين بيده اليمني وعلى روزفلت بیده الیسری يستحسن ضرب المثل السائر.
انظر فلا عجب يوما لمعتير *** أشد من ذي عمى يسطو بقائده!
لقد أطال دالاديي الكلام في تقرير أن فرنسة لا تريد الهجوم على أحد من الدول، ولم أصدق من كلامه إلا هذه ولكن هل يأذن لي الرئيس أن أقول له سرا في أذنه أن فرنسة لیست في حال يخشى منها أن تهجم على دولة ولو كانت صغيرة، وليست هناك دولة تخاف سطوتها فكلامه الذي أراد أن يجعل به الدول مطمئنة على نفسها لم يكن له معني. أراد الرئيس التشبه بهتلر فلم يحسنه! وذکرنا بحكاية استشهاد أبي زياد إذ كان ناسيا أن صوته يخالف صوت الأسد. قد فضح نفسه، وبحث عن حتفه بادعائه أنه الأسد. وذكرنا أيضا حضرة رئيس دولة الحرية بحكاية الزنبور مع النحلة حين جاد لها في الفضل وزعم أنه يغني أحسن منها، و بقرص آلم منها، فقالت له إن كان ذلك كذلك فأين العسل؟ ولم يخجل الرئيس دالادیي أن يذكر الحرية التي ذبحها وقطع لحمها وهشم عظامها. وأعمال دولته في الشام وتونس والجزائر والمغرب تصدق أقوال والآلاف المعذبون الآن في الصحاري من أهل تلك الأقطار وأقاربهم وقومهم حين يسمعون دالاديي يتغنى بالحرية يقولون صدق الله وبر! لقد شاهدنا حريتك رأي العين و نحن نذوق آلامها.
إن خطب دالاديي وحاميه تشمبر لين هدمت ما بناه أساتذة التربية في مآت السنين. فالولدان في المكاتب في حيرة شديدة، لأنهم سمعوا من المعلمين و قرءوا في جميع الكتب أن الكذب قبيح وأنه لا يفلح الكاذب ولا ينال من الله ولا من الناس إلا الخزي.
ولما سمعوا خطب الرجلين وقرأو الأخبار المستفيضة التي تحملها إليهم الإذاعات وغيرها عرفوا أن هاذين الرئيسين على جلالة قدرهما يكذبان كذبا صراحا، لا يمكن تأويله. ومع ذلك لا يزالان رئيسين معظمين مبجلین، بیدهما زمام أمور أمتين عظيمتين، قد ربطتا في ذنب دوابهما أمما كثيرة من بني آدم، أخذوا يشكون فيما سمعوه من معلميهم و فيما قرأوه في كتيباتهم. وقالوا في أنفسهم لو كانت عاقبة الكذب والغش وخيمة كما زعم المعلمون لكان تشمبر لين ودالاديي الآن في حال غير هذه الحال!
فيا ويل الأخلاق وکتب الأخلاق ومعلمي الأخلاق و مهندسيها عن خطب الرئيسين تشمبرلین ودالاديي! ويا ويل علماء التربية إن دام الأمر هكذا، فإن هذا الدرس سيسقط من المدارس ويحذف من مناهجها، لأن وجوده عبث وهوس وتناقض.
ولم يخجل الرئيس دالاديي أن يذكر نقض العهد ويعير به. فإذا كان نقض العهد قبيحا فماذا عملت فرنسية مع دولة المغرب الأقصي؟ ولماذا نقضت حتى معاهدتها التي سطرتها بيدها وأجبرت عليها المغاربة بالنار والحديد، فأصدرت الظهير البربري الشهير بإخراجه 5 ملايين من المغاربة من دولتهم ودینهم بالقهر والغدر؟ وهذا نقض صريح لمعاهدة الحماية مع أنها ظلم وهجوم ولصوصية تنافي العدل والرحمة والحرية والديمقراطية. وهل نقضها المعاهدة مع دولة الشام و تعذيبها أهلها وتدمير حي الميدان بدمشق من قبل كل ذلك مطابق للحرية والديمقراطية والوفاء بالعهد وعدم الهجوم والتعدي على بلدان الناس؟ لقد برق الفجر لكل ذي عينين وبرح الخفاء فلمن تخطب يا دالاديي ولمن تخطب يا تشمبر لين؟
ذكر دالاديی شمال إفريقية وزعم أنه امبراطورية لفرنسة! وأن أبناءه يؤمنون علی دعائه ويفدون فرنسة بأنفسهم؟ إذن فلماذا يوجد آلاف مؤلفة من أهل الشمال الإفريقي في منافي الصحراء يقاسون العذاب المهين؟ ولماذا دامت المعارك الدامية التي صبغت أرض الشمال الإفريقي نجيعا قانيا عشرات السنين ولم يوقفها الآن إلا الضعف وانتظار الفرصة؟ أيظن دالاديي أن البلاد التي فتحت بالنار والحديد وسفكت فيها دماء مئات الألوف من أبنائها، وأعدائها يمكن أن تكون صديقة لفرنسة، ولا سيما والجيل الذي شاهد بعينه تلك الفظائع لا يزال حي برزق؟ وهذا الجيل سيقص على الجيل الذي بعده ما فعلت يد فرنسة. التي تزعم أنها ديمقراطية وذات حرية. ما رآه من فظائع فرنسة وأعمالها الوحشية . لقد کذب دالاديي نفسه وکذب عليه من زعم له أن هناك قلبا واحدا في شمال أفريقية يشعر لفرنسة إلا بالبغض والمقت أما الخائنون الذين يغتر دالاديي بأقوالهم فإنهم لا قلوب لهم. وهم مع من غلب أبدا.
ولو فرضنا أن إيطاليا مثلا هجمت على المغرب الأعظم أي شمال افريقية وتغلبت على فرنسة لكان أولئك الخائنون أول من يتقدم لخدمتها!
وقال مسيو دالاديي أن الذهب لا يزال يدخل إلى فرنسة بكثرة. أقول صدق دالاديي ولكن من أین يخرج ذلك الذهب؟ يخرج من شمال أفريقية ومن بلاد الشام بطريق غير شریف. يخرج من بلدان الأمم الضعيفة بطريق اللصوصية والغصب والجبر والقهر. لماذا كانت بلاد الشام أغني من العراق ومصر قبل الحرب وكانت مشحونة بالذهب والآن لا يوجد فيها ذهب ولو للدواء؟
فأين راح ذهب بلاد الشام يا مسيو دالاديي؟ الجواب كما قلت: إلى فرنسة! ولكن أتسمح لي أن أشرح شيئا من الإيهام وقع في قولك قصدا أو سهوا وهو أن الذهب الذي اغتصب من البلدان المنكوبة بدولتك ودخل فرنسة لم يدخل خزانة الحكومة. ولذلك لا يزال الفرنك يقاسي ألم السقوط والرخص وعدم الاستقرار.
كريشة في مهب الريح طائرة *** لا تستقر على حال من القلق
ولا يوجد في الدنيا غني يحب أن يكون ماله فرنكات فرنسية، حتى من الفرنسيين أنفسهم. لأن من كان ماله فرنك فرنسة فهو على شفا حفرة من الإفلاس. وإنما يذهب الذهب الذي بنهب من البلدان ويخرج بالقهر من أيدي مالكيه إلى (جيوب اليهود) وأمثال اليهود من محتكري فرنسة الذين يعبدون مامون. واسمح لي أن أقول لك أن تفاؤلك للفرنك كان في غير محله. وأما اعتمادك على فرض الضرائب الفادحة على الفرنسيين فهيهات هيهات! لأن ما دخل صناديق اليهود بني شيلوخ لا تخرجه يدك ولا يد غيرك من الفرنسيين.
وقال دالاديي إننا أعطينا رومانية واليونان الضمان التام فإن اعتدى عليهما معتد دفعناه. أقول وقد أعطيتم من قبل ضمانا مثله للنمسا وتشيكوسلوفاكيا وحكومة الشيوعيين في إسبانيا، تم ذهبت هذه الدول وحارت کأمس الدابر، فلم تنفعوها إلا بالصراخ الذي هو نصرة المرأة وغوثها. فمن ذا الذي يصدقكم أو يثق بكم بعد ذلك إلا من سفه نفسه وسلب عقله؟! على أن الذي يعطى الضمان کرومانية واليونان ليس أنت ولا قومك وأنما رجل أعطاك أنت أيضا ضمانا. ألا وهو تشمبرلين ولا أظن أنه عَدَّ كلامك هذا جدا إذا سمعه، أفمن يحتاج الضمان يعطى ضمانا؟ ألم تستغيثوا ببريطانيا حين هددتكم إيطاليا مع أن عدد رجالها لا يزيد على عدد رجالكم، ومع أنكم لا ترضون أن يقال أن ايطالية أشجع أو أجود سلاحا منكم؟
قال دالاديي وسنعقد اتفاقا مع الأتراك أقول یا حفیظ یا ستار!
إذا كان الغراب دليل قوم *** فناووس المجوس لهم مقيل
لئن اغتر الأتراك بكم إنهم لمغرورون.
والآن أعتذر إلى القراء من إهمال بقية خطبة دالاديي وعدم التعليق عليها فإني لا أرى فيها ما يستحق تضييع الوقت.
وأخيرا أذكر القراء الكرام أن يوم 16 مايو الجاري هو يوم الذكرى التاسعة للظهير البربري الفرنسي المشئوم. فيا أيها المسلمون! ويا أيها العرب! إن كنتم أهل غيرة فقابلوا هذا اليوم بما يستحقه. والأمل فيكم أن تفعلوا. أما جمعية الشبان المسلمين وسمو الامير عمر طوسون فلا نظنهم في حاجة إلى التذكير، فإنهم بارك الله فيهم دائما على ذكر.
برلین 22 ربيع الأول 1358
تقي الدين الهلالي
جريدة العلم المصري، الجزء 3 – العدد 107 – 04 ربيع الثاني 1358هـ / 24 مايو 1939


