ملخص
“في هذا الرد البليغ، يتصدى الدكتور تقي الدين الهلالي لأكاذيب الإذاعة الفرنسية ‘راديو مونديال’ التي استهدفت النيل من مكانة الأمير شكيب أرسلان، متهماً إياها باللجوء إلى أسلوب الشتم الرخيص بعد عجزها عن مواجهة حججه الدامغة. ويفند الكاتب المزاعم الفرنسية حول توقف الأمير عن الجهاد أو بيع ضميره لإيطاليا، مؤكداً أن عودته لاستئناف النضال من جنيف هي استمرار لمسيرته الوطنية الثابتة، وأن هجوم الاستعمار عليه ليس إلا وسام شرف ودليل صدق على مواقفه الحرة التي لا تشتريها المناصب.”رد الاستاذ الكبير محمد تقي الدين الهلالي على أكاذيب رادیو مونديال الاستعماري الفرنسي في حق شيخ المجاهدين ونابغة العرب الأمير شكيب أرسلان بهذا الخطاب البليغ الذي ألقاه من راديو برلين قال:
اليوم قد بت تهجونا وتشتمنا ** فاذهب فما بك والأيام من عجب
إن من آيات لؤم الخصم وعجزه و نذالته أن يلتجئ إلى محاربة خصمه بالشتم والبهتان، والشتم والبهتان سلاح العاجز المخذول و بئس السلاح. هذا إذا كان الخصم الشتام مساويا لخصمه في القوة المادية، فأما إذا كان السبَّاب ذا أساطيل جوية وبحرية وجيوش جرارة يصول بها على الضعفاء العزل والمشتوم رجلا واحدا فردا، وإن كان فردا يعدل في سجاياه ملايين من البشر، فحينئذ يكون الالتجاء إلى الشتم غاية في التسفل واللؤم والرذالة.
نعم، إن الأمير شكيب أرسلان ليعدل ملايين من قادة فرنسا اللاجئين إلى الشتم حين أعيتهم الحيل وضاقت عليهم السبل وتقطعت بهم الأسباب في محاربة الرجل الفرد الذي أوغر صدورهم في صدقه وجهاده وعبقريته الفذة… هذه حقيقة يعترف بها كل من يعرف الحقائق من أحرار أوروبا حتى من الفرنسيين أنفسهم ولا يقدرون أن يجحدوها.
زعم راديو مونديال الاستعماري في الأسبوع الماضي نقلا عن الصحف أن الأمير شكيب أرسلان عزم على العودة إلى جنيف ليستأنف نضاله وجهاده. قال رادیو مونديال: ولقد تلقت إذاعتا ألمانيا وإيطاليا منها النبأ بسرور عظيم، تم زعم هذا الراديو (أن الأمير أمسك من الجهاد من سبعة أشهر أي من حين عين رئيسا للمجمع العلمي العربي في دمشق) ثم تجاسر بوقاحته الفرنسية المعروفة على ذلك المقام العالي فزعم (أن الأمير شكيبا كان يكتب المقالات ضد إيطاليا من قبل، ثم باع ضميره وأجر قلمه لإيطاليا وصار داعية لها) إلى آخر تلك الألفاظ البذيئة، وكل إناء بالذي فيه يرشح. وعقيب هذا الشتم الدنيء والبهتان المفضوح مدح رادیو مونديال عبد اللطيف الصبيحي المغربي المرتد.. ونسب له الوطنية ناقلا ذلك عن جريدته الصرخة المغربية ومعاذ الله أن تكون مغربية.. وإنما هي صرخة فردية فرنسية استعمارية خائنة..
وإذ تيسر للحق أن يتكلم وللحقيقة أن تجلو عن وجهها الجميل النقاب قائلة: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون.. فإنها تقول جوابا عن ذلك الشتم البذيء:
أما عودة الأمير شكيب إلى جنيف لاستئناف جهاده المقدس لأعداء وطنه الأصغر وهو بلاد الشام وأعداء وطنه الأكبر وهو حوزة العرب والمسلمین عامة فهو أمر طبيعي، وليس بدعا ولا غريبا أن يعود الأمير الشهم إلى جنيف ليواصل جهاده ضد الظالمين الذين أهانوا مقدسات وطنه وملته، فإن هذا فرض مقدس لم يزل الأمير يعطيه حقه مذ كان يافعا إلى أن صار شيخا لم یلن فيه ولم يحد عند طرفة عين ولم تفتر له في ذلك عزيمة. ولذلك يجده الفرنسيون المستعمرون الغادرون الناقضون للعهود شجا في حلوقهم ويبغضونه ويشتمونه رسميا في إذاعتهم! وأما كونه كف عن الجهاد بعدما عين رئيسا للمجمع العلمي فهو بهتان مرذول وافك مقبوح، لأن الأمير لم يمسك لحظة عن الجهاد، ولو فعل لمدحه راديو باريس بدلا من شتمه. ولا يوجد منصب في الدنيا وإن علا شأنه ولو كان عرشا مجيدا يمكن أن يحمل الأمير علي الكف عن جهاد الظالمين. ولو كان الأمير ممن يشترون بالمناصب أو بالمال لكانت فرنسة قد اشترته ولو بجميع ما تملكه فإنها لم تزل منذ عشرات السنين تتألم وتشتكي وتتوجع من جهاده الذي أمر عيشها وأمضها وأغصها بِريقِها.. ولكن فرنسة تعلم أن الأمير له همة لا تنالها المناصب ولا الأموال..
والحقيقة الواضحة المتبلجة المشرقة إشراق الشمس في رابعة النهار أن الأمير لم يقبل منصب رئاسة المجمع العلمي إلا على أمل أن فرنسة تفي بعهدها الذي قطعته للشعب الشامي وتعود إلى رشدها وتتحاشى ارتكاب الغدر. ولم يزل الأمير يصرح بذلك في المحافل وكل من يجالسه أو يكاتبه يعلم ذلك. وفرنسة نفسها تعلم هذا ولكنها تجحده. ولو كان الأمير يرضى في سكنى بلاد الشام مع وجود الاستعمار فيها لما ترك وطنه وصبر عنه أكثر من عشرين سنة. و لكن الأمير شكيب حر والاستعمار عبودية. فهما لا يجتمعان كما لا يجتمع النهار والليل ولا الحق والباطل… ولما كشفت فرنسا النقاب عن غدرها وانقطع كل أمل في وفائها بعدما باعت اللواء العربي اسكندرونة من الأتراك بثمن بخس کما باع الخزاعي مفاتيح البيت الحرام من قصي بزق خمر، وقاسمتهم منافع الجزيرة ووعدتهم بحَلَب، وأخذت ترتكب أعمال الإفساد والتفرقة الشيطانية الخسيسة في الجبل وبلاد النصيرين وتضطهد المجاهدين، عزفت نفس الأمير الكبيرة الحرة عن قبول ذلك المنصب.
وأما زعم راديو مونديال الباريسي أن الأمير باع ضميره وأجر قلمه لإيطاليا فيقال فيه يا عجبا، هل إيطاليا أکثر مالا وأغنى وأقنى من فرنسا؟ وهل مسقط رأس الأمير حيث والدته العزيزة وأهله وعشيرته وبيته وأملاکه في بلاد تحت نفوذ إيطاليا أم هو في بلاد تحت نفوذ فرنسا. فلو كان ضمير الأمير من الضمائر التي تنال بثمن وإن غلا، لما قدرت على شرائه دولة فرنسا وحدها، لأن أعز شيء على الأمير هو في يد فرنسا، فمن الوقاحة والرزالة وعدم احترام النفس أن يتفوه الراديو الافرنسي بنسبة بيع الضمير إلى الأمير شكيب، ففي مثل هذه الوقاحة يقال:
يا ليت لي من جد وجهك رقعة
فأقد منها حافرا للأدهم!
ولولا أن الاستعمار الفرنسي حيران يتخبطه الشيطان لكان الأجدر به أن لا ينسب الخيانة وبيع الضمير للأمير، في حين أن هذا الاستعمار إنما يعادي الأمير لأن ضميره حر لا يباع بثمن، وفي الوقت نفسه يمدح الخائنين حتى الحقراء منهم الذين باعوا وطنهم وشرف أمتهم بعظم حقير ألقاه إليهم الاستعمار بعدما بشم وسخم من طعام بلادهم ومن دماء أجسامهم، مثل الصبيحي المارق الذي هو محل سخط جميع الوطنيين المغاربة، إذ يبصبص لفرنسا بذنبه وأحرار أمته تحت الأرض في مطامير العذاب، وفي غيابات السجون وفي منافي الصحراء وفي بلاد الزنوج في القابون، والحرية مخنوقة والناس في شقاء عظیم…
ألا يعلم الاستعمار الحائر أن شتمه للأمير هو أصدق شهادة على شهامة الأمير وصدقه في جهاد العدو الغادر؟
العلم- بارك الله في همة الأستاذ الهلالي وأكثر من أبطال الأمة العربية أمثاله.
جريدة العلم المصري، الجزء 3 – العدد 115 – 2 جمادى الثانية ربيع الأول 1358هـ / 19 يوليو 1939م.
مقال مقترح: جهاد الكلمة لأمير البيان شكيب أرسلان


