هناك طريق لاحب، ومنهاج واضح لمن يريد أن يعرف مقدار نعمة الإسلام وما جناه أهله حين قاموا به، وأن يعرف النصرانية الأوربية وما جنت على أهلها “وعلى أهلها براقش تجني” ألا وهو التاريخ، ففي خزائنه من مكنونات العبر والفكاهات ما لا يُقضى منه العجب. فمن ذلك قصة غزو أطفال أوربا بیت المقدس. وقفت على هذه القصة فانفتح لي منها باب واسع للتأمل فيما جرته علينا الحروب الصليبية من الشقاء وإن كنا فيها نحن الغالبين، وما جناه الأوربيون منها من السعادة وإن كانوا مغلوبين. لئن رجع الأوربيون من فلسطين بخفي حنين ولم يتحقق شيء من أمانيهم: فلا فتحوا الأرض المقدسة ولا طهروها من “الترك المشركين” كما هي عبارتهم: يسمون حماة الأرض المقدسة تركا جهلا أو تجاهلا، ثم لا ينتهون عند ذلك حتى يطلقوا عليهم لفظ “هِذِنْ” والذي هو عبارة عن الوثني المشرك. وليس من قصدنا في هذا المقام أن نناقشهم في هذا البهتان، إذ المقصود هنا تبصرة إخواننا المسلمين ورفع الغشاوة عن أبصار كثير منهم.
لئن خسر الأوربيون في غزوات فلسطين، لقد ربحوا ربحا عظيما ونالوا ما هو خير لهم في ذلك الزمان من فتح مصر والشام والعراق. كانت صفقتهم رابحة وصفقتنا خاسرة، ذلك بأنه وقعت بيننا وبينهم مبادلة علمية خُلُقِية، إذ أخذوا منا جانبا من العلم والأخلاق التي كان بها سعودنا وصعودنا، وأخذنا منهم قسطا وافرا من الجهل والأخلاق التي كانت سبب شقائهم وهبوطهم!
يعلم الله ثم أهل العلم أن هذا ليس من زخارف الشعر ولا من اقناعيات الخطابة، وإنما هي حقائق عريانة ليس عليها قتام، ولا في نورها ظلام. ولا أطيل عليك أيها القارئ الكريم بكثرة التمهيد والإطناب في التعليق ففي القصة الآتية يتبلج لك صبح اليقين.
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ** في طلعة البدر مايغنيك عن زحل
في الكتاب الثاني من تاريخ “هاي رود – المحجة” الإنكليزي ص 51 ما ترجمته:
غزوة الصبيان الصليبية
انظر الى هذه الصورة فإنها تريك مدينة فرنسية، وهناك ترى حصانين أبيضين يجران مركبة فيها صبي ذهي الشعر واقف وعليه ثياب بيض، وترى خلفه جمعا من الصبيان ذكورا وإناثا يحملون رايات الصليب الحمر. وترى قسيسا قائما بحثهم، فما معنى ذلك كله؟ معناه أن الصبيان يريدون أن يقوموا بغَزَاة صليبية وحدهم، والصبي الواقف في المركبة هو راعي غنم يعتقد أن الله اصطفاه لدحر الترك (يعني المسلمين)، وقد قام هو والقسيسون من قبل بوعظ الأطفال وحثهم على الغزو. والآن هم في طريقهم إلى الأرض المقدسة، وكان عدد الصبيان الذين تركوا بيوتهم وخرجوا للغزو ثلاثين ألفا لم تمنعهم الأبواب المغلقة، ولا صدتهم الحواجز المحكمة عن هذا الأمر، حتی لم تبق في أيدي آبائهم حيلة لمنعهم، وبعض الوالدين كانوا مشتاقين إلى ذهاب أولادهم فلم يمنعوهم بل حثوهم على الغزو، وبعث لهم البابا بالرایات والتبريكات. وقال القسيسون: دعوهم فإن الله يريد أن يظهر معجزة على أیديهم، ويهب لهم النصر، فإن الناس إنما خابوا في الحروب الصليبية لأنهم مذنبون وأما الصبيان فإنهم طاهرون من الذنوب. إنهم سيذهبون إلى المدينة المقدسة (بيت المقدس) ويهتفون قائلين “هُوزَناً تُوذِي هایِسْتْ” معناه «المجد للعلى الأعلى» وحينئذ تتداعى أسوار المدينة ويفر الترك (المسلمون) مذعورين لا يلوون على شيء.
وهكذا سار الأطفال مع قائدهم ورئيسهم الصبي المذكور، كلما مروا بترية أو مدينة خرج لهم أهلها فأطعموهم وزودوهم، فساروا وهم ينشدون الأغاني والأناشيد الدينية. ولم يدر الأطفال البؤساء أن بيت المقدس بينهم وبينه أكثر من ألف ميل، فكانوا كلما رأوا أبراج مدينة وسورها سألوا: أهذه “جیروسليم”؟ يعنون بیت المقدس. وقد تعبوا أشد التعب، وأضر بهم السغب، حتی مات بعضهم في الطريق. وفي آخر الأمر وصلوا إلى ساحل البحر الذي بينهم وبين الأرض المقدسة. وظنوا أن الله يفلق لهم البحر كما فعل لأصحاب البحر الأحمر فيمشون على اليبس. فتقدم قائدهم وضرب البحر بعصاه ثلاث مرات، ولكنه لم ينفلق! فحينئد بكى الأطفال وأعولوا، فبعضهم قفلوا راجعين إلى أوطانهم، وكثير منهم ذهبوا إلى فرضة وركبوا البحر في سبع سفن فأبحروا، فما زالت العواصف تلعب بسفنهم، أما اثنتان منها، فغرقتا ولم ينج من أهلها أحد، وأما سائر السفن فانتهت إلى فرضة من سواحل إفريقية حيث أخذ كثير منهم وبيعوا عبيدا ارقاء، وأكثر أولئك الصبيان البؤساء لم يروا والديهم ولا أوطانهم بعدها أبدا. فيا أسفاه على حياة أولئك الصغار الشجعان الذين ذهبت أرواحهم سُدی. انتھی
فما سبب هلاك هؤلاء الصبيان؟ الجواب: هو الجهل وحده، فإن القسيسين غرروا بهم، وجزموا لهم بأن الفتح يكون على أيديهم، بلا قتال ولا نضال، بل بمجرد أن يقولوا تلك الكلمة. ولا بد أن يكون القسيسون هم الذين أخبروهم أن الله سيفلق لهم البحر کما فلقه لموسى. نعم، إن القسيسين أرادوا أن يفتحوا الأرض المقدسة ويخرجوا منها المشركين بزعمهم فلم يزيدوا على أن كانوا عونا لأعدائهم المسلمين إذ أبادوا نحو ثلاثين ألف نفس زيادة على ما خسره الأوربيون في فلسطين وبلاد الشام.
وهذه الخرافة الفاسدة وهي اعتقاد أن هنالك قوى خفية تغني عن القتال والجلاد فلا يحتاج معها إلا إلى التلفظ بكلمة قد رسخت في أذهان كثير من خواصّ علماء المسلمين، بله عوامهم، وباستيلاء هذه الخرافة على الأذهان فتح الفرنسيون كثيرا من بلاد المغرب، وتمكنوا من تفريق كثير من الجنود المرابطين في الثغور بمساهمة شيوخ الطريقة من التجانيين وغیرهم (1).
ولما رسخت هذه العقيدة في أذهان العامة وهي أن دخول الفرنسيين البلاد أو خروجهم منوط برجال الغيب، وهم القطب الغوث والأبدال والأوتاد الذين يعقدون اجتماعهم بغار حراء برئاسة القطب الفرد في كل مطلع فجر فیولون ويعزلون ويرفعون ويخفضون فلا يقع شيء في الكون إلا ما قرروه واتفقوا عليه بل لا تتحرك ذرة إلا بإذن القطب ولو أنه غفل لحظة عن الوجود لاندكَّ الوجود بأسره وتلاشى في أسرع من لمح البصر، أنظر (جواهر المعاني للتجاني) و(الإبريز للشيخ عبد العزيز الدباغ) وكلاهما مطبوع.
وقد شاهدت بعيني وسمعت بأذني في بلاد المغرب من نتائج هذه العقيدة السود شيئا كثيرا، ومن دقق النظر رأى أن انهزام عبد الكريم الريفي ليس إلا إحدى هذه النتائج، ورأيت بعض رؤساء القبائل وقد ذهبوا إلى رجل مشهور بالولاية ورؤية النبي ﷺ يقظة وشاوروه في نصرة شيخ طريقة آخر كان يحارب الفرنسيين وهزمهم واستولى على مدينة مراكش فقالوا له: يا سيدنا ماذا ترى في هذا الرجل إن كان أولياء الله قد أذنوا له وقرروا طرده للفرنسيين قمنا معه ونصرناه، وإلا خذلناه. فمد ذلك الشيخ يده ونفخ في كفه إشارة إلى أن أمر ذلك الشيخ المجاهد لا يتم، ثم صرح لهم بذلك وقال لهم: إن هذا الشيخ فضولي ولم يجيء الوقت حتى الآن بطرد الفرنسيين فاتركوه. فخذلوه وغدروا به فانهزم. وسمعت رجلا يحدث عن شيخ طريقة أنه زعم أنه رأى بعينه الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله لابسا لباس «كَبْتنْ» فرنسي أمام الجنود الفرنسيين يقودهم إلى محاربة المسلمين في المغرب والاستيلاء على بلادهم.
ومن العقائد الشائعة عندنا بالمغرب أنه متى جاء الوقت المعين من قبل الأولياء لخروج الفرنسيين يطلقون مدافعهم فتتفجر منها المياه بدلا من القذائف المدمرة فإذا شاهد الفرنسيون ذلك فروا هاربين وتعقبهم المسلمون يقتلون ويغنمون فلا يردهم إلا البحر، ومن انتهى إلى البحر من الفرنسيين يلقون أنفسهم فيه من شدة الرعب فيغرقون فلا يبقى لهم عين ولا أثر، وكثير من الناس يعتقدون أن كل محاولة قبل مجيء الإذن من رجال الغيب والأجل المسمى فهي عبث لا طائل تحتها.
فمن أين يا ترى جاءتنا هذه العقيدة، عقيدة المحاربة بالقوى الخفية؟ لا شك أنها بضاعة أوربية من بضائع أولئك القسيسين الذين قدموا الصبيان الفرنسيين لحتفهم وكيف تبدلت عقول الأوربيين وانتقلت من تلك الدركة السفلى فارتقت إلى ما هي عليه الآن من معرفة سنن الكون وربط الأسباب بالمسببات ليس إلا؟ من تلك الحروب الصليبية التي أفهمت الأوربيين جهلهم وانحطاطهم فبادروا إلى درس العلوم المحمدية والحضارة العربية وثابروا على ذلك إلى أن بلغوا ما بلغوا، ومن سلك الجَدَدَ أَمِنَ العِثَار.
لكنو
محمد تقي الدين الهلالي
——————–
(1) الفتح – ويروى أن جيوش قيصر روسيا لما زحفت على سمرقند وبخاری خرج لها أهالي بخاری ويحملون أمامهم نسخة خطية قديمة من صحيح الإمام البخاري موضوعة على كرسي المصحف ومجللة بقطيفة مطرزة بالذهب وهم يقرءون قصيدة البردة معتقدين أن جيوش روسيا تهزم أذا رأت موكبهم. واسكنها لم تنهزم واستولت على بخارى. ولو أخذوا من صحيح الباري بما فيه فعلموا أن المسلمين مأمون ون بغير هذا
مجلة الفتح: العدد 548، السنة 11، الخميس 25 صفر سنة 1356هـ، (ص:6)


