ملخص
“يستعرض هذا المقال التاريخي للدكتور تقي الدين الهلالي جذور فكرة تأسيس دولة باكستان، مبيناً الأسباب الدينية والسياسية التي دفعت المسلمين في شبه القارة الهندية، بقيادة الدكتور محمد إقبال والسيد رحمة علي، للمطالبة بالانفصال عن الهند الهندوسية. ويفند الكاتب المخاطر التي كانت تتهدد الهوية الإسلامية في ظل الأغلبية الهندوسية والسياسات البريطانية، موضحاً دلالة اسم ‘باكستان’ وأهمية هذه الحركة في الحفاظ على كيان المسلمين وعقيدتهم.”بقلم العلامة الجليل الأستاذ محمد تقي الدين الهلالي المدرس بجامعة (بُنْ) بألمانيا
وصلني وأنا بالمستشفى قبل ثلاثة أشهر منشور باللغة الإنكليزية من الفاضل السيد رحمة علي الهندي المقيم بكامبرج شرح فيه الأسباب التي أوجبت قيامه مع رفقائه وأتباعه بالمطالبة بفصل بلاد پاكستان عن الهند وجعلها حكومة برأسها تحت الراية البريطانية. وسألني السيد رحمة على المعاضدة على عمله من إخوانه المسلمين ومن جميع المنصفين الذين يحبون الخير لبني آدم. وأرجو أن ظن هذا السيد فيَّ وفي إخوانه المسلمين المتكلمين بالعربية لا يخيب. وقد صادف رجاؤه عندی میلا وحبا لتحقيق أمله وإن كنت لا أعرفه، فرابطة الإسلام والإنسانية كافية لاستجلاب العطف والمساعدة، وأظن أن قراء (الفتح) سيشعرون بمثل هذا الشعور ويحبون أن يقفوا على هذه الحركة الفتية إذا اتسعت صدورهم لقراءة هذا المقال كله ولم يملوا قبل تمامه كما هي عادة أكثر القراء (1).
ما معنى پاكستان
معناها اللغوي الموضع الطاهر أو المقدس أو الخالص، لأن (پاك) بالفارسية معناه المقدس أو الطاهر أو الخالص، و(ستان) معناه المكان. هذا هو المعنى اللغوي. وأما المعنى الإشاري فالپاء الأعجمية إشارة إلى پنجاب كورة واسعة في الشمال الغربي من الهند. والألف إشارة إلى أفغانستان يعني القبائل الأفغانية التابعة في الحكم للهند ومساكنهم حول پشاور وهي قاعدة كورتهم. والكاف إشارة إلى كشمير وهي كورة مشهورة. والسين إشارة إلى السند و(تان) إشارة إلى بلوچستان وهی كورة متاخمة للسند وهذه الكور الخمس كلها متصلة وأكثرها مسلمون. ففي بنجاب خمسة وخمسون في المائة مسلمون، وفي پشاور وكشمير نحو تسعين في المائة مسلمون، وأهل بلوچستان كلهم مسلمون إلا النادر، وفي السند مثل پنجاب. وهذه البلدان لغاتها متقاربة بل هي كالواحدة إذ كلهم يتفاهم بعضهم من بعض باللغة البنجابية، ودينهم كما قدمنا واحد، وآدابهم وعاداتهم ورواياتهم المعنعنة منذ القديم واحدة، وقد اشتركوا وتقاسموا تقلبات الزمان حلوها ومرها من زمان قديم جدا وهم يخالفون أهل الهند في جميع ذلك أو جله.
الداعي إلى الفصل، ومؤسس الحركة
اقترح هذا الفصل الدكتور محمد إقبال لأول مرة، ثم أسسه ووضع قواعده ودعا إليه السيد رحمة على المذكور، ويعاضده على ذلك جماعة من الأفاضل وخلق كثير من أهل تلك البلدان، وهو مقيم في انكلترا يعمل لإقناع رجال الحل والعقد في بريطانيا.
السبب الموجب للفصل
هنا أرجو القارىء أن يمعن ويتأمل في السبب الذي دعا هؤلاء القوم إلى المطالبة بالفصل:
دعا غاندي في سنة 1922 جميع أهل الهند إلى العمل لتحرير الهند وإخراج الأجانب منها والمثابرة على العمل والجهاد لنيل (سوراج) وهو الاستقلال التام، واستعد بسلاحه المشهور وهو “عدم التعاون” وتحمل كل عذاب واضطهاد، وعند تمام عدم التعاون يكون ابتداء انهزام الانكليز من الهند بلا حرب ولا ضرب. وأقام يجاهد لذلك مدة. ثم لأمر لا أعلمه ولا المنجم ولا أهل الهند يعلمونه وإن أكثروا الكلام في تأويله انكمش غاندي وترك دعوته التي تحمل في سبيلها آلاما كثيرة وأثرت تأثيرا يذكر في الحكم البريطاني والتجارة البريطانية.
ثم توجه غاندي إلى إصلاح دين الهنادك وتغييره بإنقاذ المنبوذين وتسويتهم بجميع الطبقات حتى الطبقة العليا وهي البراهمة وعدد هؤلاء ثمانون مليونا وبانضمامهم إلى الهنادك يحصلون على أغلبية عظيمة يتضاءل لها جميع الفرق ولا يقوم أمامها المسلمون أبدا، وصام عن الطعام وادعى نزول الوحي وأن الله كلمه بلا واسطة وقال له أنه أباح للمنبوذين أن يتطهروا ويتساووا مع سائر الطبقات، فكأنه رجع من الوجهة السياسية إلى الوجهة الدينية ليخدم في هذه المرة الهنادك وحدهم لا جميع أهل الهند كما ادعى في المرة الأولى، وتكون خدمته لهم من وجهة دينية يتحمل فيها عذاب الجوع بدلا من عذاب السجن ويكون سلاحه فيها الوحی الكفاحي الرباني بدلا من مقاطعة البريطانيين. ولئن كان قد أخفق في الأولى فلم ينجح في الثانية ثم بعدها جعل رأسه تحت جناحه فلا يعلم أحد من خبره شيئا.
نظام الحكومة الهندية
بذل أهل الهند في زمان وجود غاندي في الميدان وبعده جهودا عظيمة ليصلوا إلى اتفاق على صورة الحكم الذي يريدونه تحت إشراف الإنكليز أو مستقلين، فلم يكادوا يتفقوا عليه حتى الآن.
ولما رأت الحكومة الانكليزية كثرة اختلافهم وضعت أمامهم نظاما يحل جميع المشاكل وفي مقدمتها المشكلة الإنكليزية، بل هي المقصودة بالحل دون سواها.
ما هو هذا النظام يا ترى؟ هو “أن تكون لبلاد الهند كلها حكومة مركزية. يكون على رأسها نائب الملك، كل ولاية تنال استقلالا داخليا، وتتألف حكومتها من مجلس نواب ينتخبهم أهلها كل طبقة من الناس تنتخب من ينوب عنها، فالتجار والصناع والملاكون والفلاحون الخ كل منهم ينتخب عددا من النواب، فإذا تكامل انتخاب النواب، ولنفرض أن عددهم أربعون في مقاطعة ما، أي في إحدى الولايات، فهؤلاء الأربعون نائبا ينتخبون الوزراء ويبقى لنا فقط رئيس الوزارة وهذا يعينه حاكم الولاية تعيينا ولا يكلف رعيته انتخابه. ويجب أن نذكر أن حاكم الولاية وهو انكليزي طبعا له الحق أن يتصرف في كل شيء يقرره مجلس النواب أو مجلس الوزراء فيمضي ما أراد ويرفض ما أراد، وهذا بيت القصيد، وهنا نقض كل ما غزل من قبل، وعلى هذا النظام تحكم كل ولاية نفسها بنفسها مستقلة في جميع شئونها الداخلية.
الأمور الخارجية
الأمور الخارجية كلها ترجع للحكومة العليا المركزية، وهي تتألف من مجلس ينتخب أعضاؤه من قبل جميع حكومات الولايات، كل ولاية تنتخب عضوا أو أكثر حتى يتكامل عددهم، ولنفرض أنه خمسون فهؤلاء الخمسون هم الذين يشرعون القوانين العامة لجميع الولايات ويتصرفون في جميع الشؤون الخارجية. ومن هو رئيسهم؟ هو نائب الملك وله من الحق في الإمضاء والرفض ما لحاكم كل ولاية في ولايته.
ولسنا بصدد التعرض إلى انتقاد هذا النظام الآن، وإنما مقصودنا بيان الضرر الذي يلحق المسلمين خاصة منه، والذي لأجله نشأت حركة فصل پاکستان عن هندستان.
معلوم أن كل ولاية يسكنها عدد من المسلمين يقلون ويكثرون من تسعين في المائة إلى خمسة في المائة ولكن عددهم في الجملة لا يزيد على الربع، وثلاثة أرباع أهل الهند وثنيون. ولما كانت الحكومة العليا التي تشرع وتنفذ جميع القوانين العامة لأهل الهند هي منتخبة من جميع أهل الهند، فلا شك أن الأغلبية فيها تكون للهنادك فيكون الحكم في الحقيقة بينهم وبين نائب الملك ويبقى المسلمون تحت رحمتهم ولا رحمة عندهم للمسلمين. ويكون المسلمون مقيدين مغلولين حتى في الولايات التي يبلغ عددهم فيها تسعين في المائة، لأن الحكومة العليا رقيبة ومهيمنة على الجميع، والحكومة العليا ثلاثة أرباعها هنادك. فحظ الأسد في هذه القسمة للانكليز، والقسم الذي يليه للهنادك، والمسلمون لهم قسمة ضیزی.
لذلك فكر عقلاء المسلمين في هذا الأمر فوجدوا أن الهنادك يستغلون أكثريتين إحداهما جزئية وهي في الولايات التي أغلب أهلها هنادك، والثانية وهي المهمة والضربة القاضية أكثريتهم في المجلس الأعلى، وأكثرية المسلمين في بعض الولايات لا تغني عنهم شيئا لأن الحكومة العليا كما ذكرنا فوقهم قاهرة ويضاف إلى ذلك:
ضمان الأقليات
ومن جملة قواعد هذا النظام ضمان الأقليات، وهو أن كل أقلية تعطى من الكراسي في مجلس النواب أكثر مما تستحق بالعدد. مثلا عددها يخولها كرسيين فقط من عشرين كرسيا، فتزداد كرسيين آخرين فيكون لها أربعة كراسی من عشرين ضمانة لها لئلا تهضم حقوقها.
وهذه الضمانة كلام فارغ لا معنى له، لأن كون كراسي الأقلية أربعة من عشرين هو كمثل ثلاثة وثلاثة كائنين إذ لا ينفعها زيادة كرسي أو کرسيین ما دامت أقلية والأكثرية كلها ضدها.
وثانيا أن الضمانة الحقيقية هي الحكومة العليا وهي مؤلفة أغلبها من أضداد المسلمين وخصومهم.
وإذا صبرت وقرأت إلى هذا الموضع فقد درست هذه المسألة وتبين لك الغبن اللاحق بالمسلمين.
ولما كانت الولايات الخمس أغلبها مسلمون أعني نحو 75 في المائة مسلمون أو أكثر، وجب أن تكون لهم حكومة مستقلة داخلا وخارجا تحت رئاسة نائب الملك حتى يأمنوا من تهضم الهنادك لهم ولك أن تقول: ومن يضمن حقوق الأقلية الموجودة في هذه الولايات، والجواب أنه يضمنه وجود أقلية مثلها في الولايات التي أغلبها هنادك وهو خير من الضمان الفارغ بزيادة بعض الكراسي، إن لم يقبل هذا الضمان فهذه مسألة ثانوية ينظر فيها فيما بعد ولا يمكن أن تعوق أهل هذه الولايات عن نيل حقهم الشرعي في حكم بلادهم، كما أن أهل الهند يحكمون بلادهم طبقا لهذا النظام بلا سيطرة ولا هيمنة إلا من الانكليز. وأما المسلمون فإنهم إذا قبلوا هذا النظام يصلون نارین ويتضاعف عليهم العذاب کعرب فلسطين، وأنا أرى أن طلب أهل پاکستان عادل معقول ولا ألتمس من الحكومة الانكليزية أن تقبله لأن أذنها صماء عن سماع کل طلب لا تعضده قوة، وإنما أطلب من أهل پاکستان – وهم قوة لا يستهان بها – أن يتحدوا ويثابروا على الجهاد حتى يبلغوا أمنيتهم وآمل لهم النجاح.
بن (ألمانيا) 15 صفر 1356.
محمد تقي الدين الهلالي
(1) الفتح – الفرق بين قراء هذه الصحيفة وبين قراء الصحف الأخرى أن قراء الفتح هم الصفوة من المهتمين بالشئون الإسلامية في جميع الأقطار، وقد اجتمعنا بمن يسكنون منهم في جهات نائية وكنا نظن فيهم الاهتمام بمجمل الأمور عن بعض الأقطار الأخرى فرأيناهم واقفين على ما نشرناه من دقائقها وتفاصيلها ويذكرون من ذلك ما لا نتذكره نحن، فحمدنا الله على أن قراء هذه الصحيفة لا يفوتهم شيء قط مما ينشر فيها.
(الفتح) – المرجو من جريدة ( البلاغ ) إذا أرادت نقل هذه المقالة وغيرها كما اعتادت ذلك من قبل أن تشير إلى أنها تنقلها عن (الفتح).
مجلة الفتح: العدد 548، السنة 11، الخميس 25 صفر سنة 1356هـ، (ص:6)


