من العيوب التي يخلقها نصاری أوربة للإسلام الرق، فكم قصص تمثيلية شخصت في الملاهي لتبين لعامة الأوروبيین همجية المسلمين وقسوتهم المستمدة من دينهم في خطف البنين والبنات وشب نيران الأسي في أكباد الآباء والأمهات، وحمل أولئك الأطفال في السفن الجاريات، ومعاملتهم بالقسوة السَّبُعية التي تفتت الأكبادَ رؤيتها. وكم رفع الستار عن مناظر محزنة ظهر تحتها سوق النخاسين ببغداد أو القاهرة أو قرطبة أو تونس أو فاس، وحتى جرجي زيدان العربي في قصصه ضرب بسهم في هذا البهتان. ونحن لا نعرف من التمثيل إلا اللهو واللعب وتشويه الحقائق، وكل ما يزعم الممثلون والممثلات من خدمة الأمة فهو تدلیس وستر لما يرتكبونه باسم الفن من التخادن النجس واصطياد ظباه الملاهي(1).
أما القصص التي فيها موعظة وذكرى، القصص التي توقظ الشباب من نومهم وتشب فيهم نيران الحماسة لأخذ بعض حقهم ورفع أيدي النخاسين من آذانهم، فهي ثقيلة الظل سمجة. لماذا؟ لأنها لا تروق حضرات الآباء القسيسين، ولا الجنود الأوربيين، ولا يثنون على ممثليها خيرا ولا يعجبون بهم، بل پذمونهم فتمحى أسماؤهم من ديوان أبطال الملاهي.
فلشتان ما بيننا بينهم، وهم يمثلون القصص لا ليرفعوا ظلما أو يأخذوا حقا، بل ليهيجوا شعبهم الحي فيزداد ضراوة على افتراسنا ومحو أثرنا. وياليتهم یهيجونه بشيء واقع حقا، لا، ولكنهم يهیجونه بأكاذيب يفترونها على هذه الأمة المنكودة الحظ ليزيدوها عذابا وشقاء. هذا وهم أهل الرأفة والرحمة والانسانية! وفيهم آباء الكنائس الذين هم رحمات مجردة عن المادة بزعمهم!
(لو كنت من مازن) لَمَثلتُ قصة أطفال الانكليز يباعون في سوق النخاسين برومية بحضور البابا گريگوري، وأمثلها حسبما هي مسطورة في كتب التاريخ الانكليزية بالحق بلا زيد ولا نقص، ليعلم عامة أمتنا شيئا عن النخاسة الاوربية، بل الرومية النصرانية، ولكني كما قال الحماسي :
لكن قومي وإن كانوا ذوي عَدَد ** ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يَجزون من ظلم أعلى الظلم مغفرة ** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كم فرص تسنح لنا لإيقاظ أمتنا، وأخذ بعض الثأر من المغيرين علينا، ونتعامي عنها ونتصلعم، على حين أن أعداءنا ينتهزون كل فرصة لخلق الإفك وتغيير الحقائق.
نشرت صحيفة الصراط المستقيم في جزئها الأخير نبأ تمثيل صلاة النصارى واليهود وإظهارهما بأجمل المظاهر، ثم مثلوا صلاة المسلمين ببدويين في أقبح الهيئات على بعيرين في صحراء يصليان صلاة على أقبح هيأة، ومثلوا الأذان بشيخ قذر على منارة يؤذن بأقبح صوت، فضحك الحاضرون في عاصمة بني العباس بالأمس وقاعدة الدولة العراقية الفيصلية من أبناء يعرب اليوم، وإذ لم يكن في إمكاني تمثيل في ملهى ولا في مخيل (سينما)، فسأمثل هذه القصة في المسرح الإسلامي العام، ألا وهو صحيفة الفتح.
في الكتاب الثاني من السلسلة التاريخية المسماة (های رود ـ المحجة) المقرر درسها في المدارس الانكليزية عموما وفي المدارس الحربية خصوصا ما ترجمته حرفا بحرف:
الأطفال الأرقاء في رومية
كانت تلك السنة على بريطانيا محزنة: مات فيها قائدهم، فلم يكن لهم بعده يدان بمحاربة الانكليز. وجاءت عصابات جديدة من البحر فاجتمعت ودخلت البلاد، وفي أقل من مائة سنة بعد وفاة أرثر (أحد ملوك بريطانيا) دوخ الانكليز البلاد وجعلوا أنفسهم سادة فيها، وكثير من البريطانيين صاروا نصارى، والملك آرثر نفسه كان نصرانيا. أما الانكليز فإنهم كانوا إذ ذاك وثنيين يعتقدون أن الشمس والقمر والبحر والشجر وأشياء أخرى آلهة.
أحد آلهتهم كان يسمي (ثور)(2) إله الرعد، وكانوا يقولون إذا سمعوا الرعد: أن ثورا يضرب العالم بمطرقته. وكان له إله آخر اسمه (ويدَن)(3) يزعمون أنه إله الحكمة وأبو ملوكهم.
وكانوا على وثنيتهم رجالا خشنا متوحشين مولعين بالحروب، حتى إنهم ليفضلون الحرب على الحياة نفسها. وكانوا يعتقدون أن من قتل في الحرب مقبلا غير مدبر يذهب دراكا إلى دار الآلهة. وهناك يشتغل بالمحاربة أو الصيد طول النهار، حتى إذا جاء الليل تؤدب له المآدب، وتحضر له الخمر فيشربها في جماجم أعدائه. فما أعظم توحشهم وشجاعتهم!.
ثم انظر إلى هذه الصورة (صورة سوق النخاسين) فإنها تريك أعظم سوق في رومية، وفي هذه السوق قبل ألف وثلاثمائة سنة كان ثلاثة أطفال من أولاد الانكليز واقفين، وجوههم بیض مشربة بحمرة كأنها أزهار القرنفل، وعيونهم زرق وشعورهم صهباء طويلة، فكانوا متميزين عن أولاد الروم ذوي الشعور السود والجلود السمر. فمر بهم راهب ووقف ينظر إلى أولئك الصبيان البؤساء. وكانوا قد خطفوا من بيوتهم في أحضان آبائهم، وجلبوا إلى مدينة رومية العجيبة العظيمة ليباعوا هناك عبیدا.
ولم يكن لهم ولي ولا حميم ولا واحد في جميع أهل تلك المدنية، وما كانوا يعرفون كلمة واحدة من كلام الناس الذين حولهم، فلا غرو إذا كانوا محزونين. فكيف كنت تفعل لو كنت في مقامهم بدلا منهم؟ ومالكهم واقف إلى جانبهم: نخاس قاسي القلب وقاح الوجه ينتظر من يجيء ليشتري الأطفال. فجاء الراهب گریگوري وسأل الناس: من أي أمة هؤلاء الأطفال، فقال: هؤلاء انكيلز. فقال گرپگوري متعجبا: انكليز!! لا بد أن يكون هولاء (انْجِلْز – ملائكة) لفرط جمالهم. ثم سأله: ما اسم ملكهم؟
فقال اسمه (اللاَّ) فقال كريكوري اللاَّ! ولا بد أن يتغنى بتمجيد الله في بلاد اللاَّ. انتهى المقصود من هذه القصة.
أظن أن كثيرا من القراء يخطر ببالهم ما خطر ببالي حين قرأت مرور البابا عليهم. وخطر ببالي أنه سیشتريهم ويعتقهم، لعله لو كان ذلك البابا المحترم من أهل القرآن والسيرة المحمدية لما اقتصر على مجرد التعجب من حسنهم، ولأعتقهم وعلمهم فيصيرون أئمة في الدين وأمراء في الحكم. لعله لو تعلم قول محمد عليه السلام حاثا على إكرام الأرقاء:
“إخوانكم خولكم ملّككم الله إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم. فمن كان عنده أخوه فليطعمه مما يطعم، وليكسه مما يكتسي به، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، فإن كلفه فليعنه”.
وقوله “من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار”.
ولو علم أن محمدا ﷺ كان في مسيره إلى بدر يتعاقب مع علي ومَرثد بن أبي مرثد على بعير: يركب هذا تارة ويركب الآخر أخرى وعبيده الثلاثة زيد بن حارثة وابنه أسامة وكبشة(4) يتعاقبون على بعير. ولو علم بما كان يعامل به النبي أسامة بن زيد مولاه (أي عبده) من المحبة والرحمة حتى كان الصحابة يدعونه حِبَّ رسول الله (أي حبيبه) وأمَّره وهو ابن سبع عشرة سنة على جيش فيهم أبو بكر وعمر.
ولو علم أَمر محمد ﷺ للذي لطم غلامه أن يعتقه، وأَمرُه لمن سب غلامه أن يعتقه، ووصيته بالأرقاء وهو في آخر رمق حتى كان آخر كلامه: “الصلاة، وما ملكت أيمانكم”.
ولو علم كيف كانت معاملة أصحابه لعبيدهم حتى كان القادم إذا جاء لا يميز بين السيد وعبده، بل ربما ظن السيد عمدا والعبد سيدا، لأن بعض الصحابة كان يحب أن يلبس عبده أحسن مما يلبس.
ولو علم أن كثيرا من الأئمة في الدين والأمراء والملوك كانوا في الأصل عبيدا، ولو علم أن كفارة الظهار وقتل الخطأ والإفطار في رمضان ببعض المفطرات واليمين كلها بعتق الرقاب.
ولو قرأ قول الله تعالى (فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ * وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوۡ إِطۡعَـٰمࣱ فِی یَوۡم ذِی مَسۡغَبَة یَتِیما ذَا مَقۡرَبَةٍ * أَوۡ مِسۡكِینا ذَا مَتۡرَبَة) إلى غير ذلك مما لا يمكن الإشارة هنا إلى عُشر عُشرِه مما هو مدون في كتب الإسلام.
لو علم ذلك لرأى أن عتق أولئك الأطفال أفضل من عبادة سنين في صومعة متبتلا.
ونحن لا نعيب حضرة البابا گريگوري، لأن العتق عمل مستحب له ولم يكن فرضا عليه بحيث يعاب على تركه، وإنما مقصودنا أن نبين الفرق بين الرق في الإسلام والرق في النصرانية، وأن نعلم نصارى أوربة أن تمثيلهم لأسواق النخاسة التي كانت في بلاد الإسلام ونسيانهم لما وقع في بلادهم في عنفوان شباب النصرانية وبحضور أكابر الرهبان ليس من الإنصاف في شيء. هذا لو كان رقنا ورقهم سواء، فكيف والبون بينها بعيد، والشقة شاسعة، حتى أن الذي يعامل الرقیق معاملة محمدية يكون قد أحسن إليه أعظم الإحسان باسترقاقه، فإنه لو بقي حرا ما وصل إلى شيء من تلك المنازل التي تبوأها كثير من الذين كانوا أرقاء. فالرق في الإسلام إذا أجري على وجهه إحياء أنفس ميتة واسعادها، والرق النصراني الأروبي أمانة أنفس أحياء. وإن لم يعلموا هذا فليخبرونا بالبابوات والملوك والأمراء الذين كانوا في الأصل عبیدا ثم انتقلوا من الرق إلى السيادة القعساء.
ومع ذلك فلو وقعت هذه القصة نفسها في مدينة من مدن الإسلام لشرحوها وزادوا فيها وشنعوا. ولا يستغرب من أمثال الذين مثلوا صلاة المسلمين في بغداد لينفروا الناس منها بأقبح صورة أن يشنعوا عليهم بمثل هذه القصة لو ظفروا بمثلها، مع أن أبعد الصلاة عن الزخرفة واللهو واللعب أقربها إلى الله.
ولما بدل اليهود والنصارى دين أنبيائهم، كان من أول ما بدلوه العبادة والصلاة، فزخرفوا بيعهم وصلواتهم أي معابدهم، وجلبوا المغنين والمغنيات وآلات اللهو، فكانت صلاتهم عزفا وموسیقََا يزدادون بها غفلة عن الله وتزداد قلوبهم بها قسوة، كما قال بعض العلماء:
دف ومزمار ونغمة شادن ** أرأيت قط عبادة بملاه
و قد حذر محمد أمته، أن يسلكوا هذا السبيل ونهى أمته عن زخرفة المساجد. وعن ابن عباس “لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصاری” وقال عمر رضي الله عنه لباني المسجد النبوي “لا تحمر ولا تصفر، أكن الناس من الحر والقر” وكان سقف مسجد النبي صصص من جريد النخل، فكان يسيل إذا جاء المطر، وكان يصلي على التراب، فبذلك أعطاه الله لأمته ملك فارس والروم وما أغنت عنهم كنائسهم المزخرفة المزينة ولا صلواتهم التي يتغنون فيها شيئا. وفي صحيح البخاري أن النبي قال حين وصفت له كنيسة مزخرفة فيها التماثيل بأرض الحبشة “أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله” فالعجب من هؤلاء الجهلة من اليهود والنصارى الذين يفتخرون بزخارف الأقوال والأعمال. على أن بعض المسلمين حين بعد عهدهم بهدي نبيهم تشبهوا باليهود والنصاری فزخرفوا مساجدهم مثل أو أحسن من زخرفة النصارى فلم تنفعهم تلك الزخرفة شيئا بل صيرتهم إلى ما صار اليه مَن قبلهم من الذين ابتدعوا زخرفة المعابد.
ومما هو جدير بالعبرة في قصة دخول النصرانية إلى بريطانية أن التنصر لم يرفع البريطانيين في ميادين القتال مع الانكليز بل الظاهر أنه خفضهم، لأن الغلبة في أكثر الحروب التي وقعت بين النصارى والمشركين الوثنيين في بريطانيا كانت للوثنيين، بخلاف المسلمين في حروبهم مع مشركي العرب فإنهم لم يزالوا يذوبون أمامهم حتى تلاشوا وعم الإسلام الجزيرة العربية كلها في مدة قليلة، ولم تكن سيوف المسلمين العرب أمضى أو أكثر من سيوف النصارى البريطانيين، ولم تعم النصرانية بلاد الانكليز كلها إلا في نحو مائة سنة. أما الإسلام فإنه عم الشرق والغرب في أقل من مائة سنة.
وسأكتب شيئا في دخول النصرانية إلى بلاد الإنكليز وما جرى في ذلك من الحروب إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق
لكنو (الهند)
محمد تقي الدين الهلالي
——————-
(1) الفتح – نلفت نظر الحكومة المصرية إلى ما يقع من ذلك في مصر باسم الفن، وآخر ذلك ما روته مجلة (النهضة الفكرية) في الصفحة 4 من عددها الصادر يوم 17 جمادى الآخرة (أكتوبر) وذكرت أنه وقع على مسرح لونابارك بشارع عبد العزيز، ونحن نخجل من نقل ذلك على صفحات الفتح، ونعجب كيف يفعل ذلك مدير لونابارك واسمه يدل على أنه مسلم وكيف تسكت عن ذلك حكومتنا وهي إسلامية.
(2) وباسمه يسمى يوم الخميس (تورس دي) يعني يوم ثور أي يوم عبادته.
(3) وباسمه يسمي يوم الأربعاء (وينزدي) يعني يوم ويدن أی يوم عیادته. وبقية أسماء أيام الأسبوع في اللغة الانكليزية كأنها مضافة إلى آلهتهم.
(4) انظر زاد المعاد في الكلام على غزوة بدر.
مجلة الفتح: العدد 317، السنة 7، الخميس 4 رجب سنة 1351هـ، (ص:12)


