بمعارك دموية بين المسلمين والوثنيين
هدم المسجد الأعظم بکانپور و17 مسجدا ببنارس
زرت كانبور في آخر شعبان الماضي من هذه السنة، وصليت الجمعة في الجامع الأعظم، فبينا أنا أتأمل في حسن بنائه إذ رأيت جدرانه مثقوبة ثقوبا صغيرة على قدر الرصاصة فسألت من كان معي عن ذلك فأخبروني أن الدولة كانت عزمت على هدم الجامع المذكور بدعوی توسعة الطريق فثار لذلك ثائر المسلمين وذهبوا يهرعون إلى المسجد حتى غص بهم حرمه وامتلأت رحابه وأفنيته فجاءت كتيبة من الشرطة وأمرتهم بمغادرته فأبوا وقالوا نفديه بأنفسنا ونفائسنا فأنذرتهم أنهم إن لم يغادروه في بضع دقائق أطلقت عليهم الرصاص وكانوا مختلطين شبانا وشيوخا وصبيانا فأبوا. وقالوا: الموت أهون علينا من هدمه فأطلقت عليهم الرصاص وقتلت منهم نحو ثلاثمائة ما بين رجال وصبيان وجرح أضعاف ذلك () فلما رأت الدولة أنها إن استمرت مصممة على عزمها يفضي ذلك إلى فناء جميع المسلمين بالبلد المذكور رجعت عن عزمها وتركته فذلك هو سبب الثقوب التي رأيتها. فمن ذلك الحين عزمت على كتابة مقالة إلى صحيفة الفتح الغراء.
أقايس فيها بين إيمان مسلمي کانپور وإيمان المسلمين في مصر الذين يسمعون سب الرسول وتكذیب القرآن اللذين هما أعظم من جميع المساجد حتى الثلاثة ولا يحركون ساكنا، فلم أجد فرصة لذلك حتى هذه الأيام فجاءت الطامة التي آنست ما قبلها وذلك أن زعيما وثنيا اسمه “بهكات سن” وكان قد صنع قنبلة وألقاها بقرب المحكمة الانكليزية المسماة Assembly بلاهور إنذارا للإنكليز ولم يصب بسببها أحد بضرر فحكم عليه بالقتل خنقا ونفذ فيه الحكم، فأجمع أهل الحل والعقد على الإضراب العام وتعطيل جميع الأعمال في يوم معين أعلنوا عنه كما هي العادة الجارية في مثل ذلك. وفي ذلك اليوم المشئوم كان رجال من الوثنيين المتطوعين يطوفون في شوارع کانپور حتى إذا وجدوا دكانا غير مغلق أغلظوا على صاحبه بالشتم والنهب والضرب فوجدوا دكانا لمسلم مفتوحا فكلموه بغلظة فرد عليهم بمثلها فضربوه حتى مات وكان ذلك سبب نشوب الحرب الزبون التي وقعت منذ عشرة أيام ولا تزال أذيالها قائمة فعدا الوثنيون على الجامع الأعظم يریدون هدمه اقتداء بإخوانهم الذين هدموا في رمضان 17 مسجدا في بنارس أثناء الحرب بين المسلمين والوثنيين هناك فاجتمع المسلمون بالمسجد للدفاع عنه فخلفهم الوثنيون الهمج إلى بيوتهم فقتلوا النساء والأطفال ومثلوا بالنساء فقطعوا ثديهن وحمی وطيس المعركة، وكان القتال بالسيوف والرماح والبنادق والعصي والحجارة والخنق بالحبال قتالا همجيا ليلا ونهارا ونهبت الدكاكين والمعامل ولم يبق إلا ما يضاف إلى الحكومة فإن الشرطة حافظوا عليه، ويقال أنه قال في هذه الحرب بعض الأوربيين أيضا والله أعلم بصحة ذلك. وعدد القتلى على ما نشرته جرائد لكنو أمس 124 وجاء ناس من نواحي کانپور أمس فقالوا أن عدد القتلى إلى ساعة سفرهم ينيف على مائة وخمسين وأما الجرحى فلا يعلم عددهم لأن سكان المدينة الذين عددهم 250.000 غادروا المدينة وتركوها خالية ليس فيها إلا عمار الحكومة وصار القتال الآن في الغابات المجاورة لكانپور، واتفقت الأخبار على أن ثلثي القتلى من المسلمين والثلث من الوثنيين وعلل ذلك بعضهم بأن المسلمين لا يغدرون ولا يقتلون شيخا كبيرا ولا امرأة ولا صبيا ولا ضعيفا بخلاف الوثنيين فإنهم لا يبقون على شیخ ولا امرأة ولا صبي، هذا وعدد المسلمين قليل بالنسبة إلى الوثنيين.
وكان ابتداء المعارك في رمضان في بنارس وبسببها تهيج الشر في جميع النواحي فتلتها معركة فتح بودفميرزاپور فاگره فكانپور ومنذ أربعة أيام تهيج الشر هنا في لكنو حتى أصبح القتال كقاب قوسين فقام بعض الرؤساء وسعوا في تشكيل جمعية من المسلمين والوثنيين لمنع وقوع الحرب وكتبوا منشورا في الجرائد. يحذرون الناس من عواقب الحرب وسبب تهيج الناس هنا ما يأتيهم يوميا من أنباء كانبور. والمسلمون في أكثر البلاد الهندية مشرفون على خطر عظيم، فإن الوثنيين بلغوا من الحنق والنهج مبلغا جعلهم ينظرون إلى دين الإسلام بالعين الذي ينظرون بها إلى البضائع الأجنبية مع أن المسلمين هم ساعدهم الأيمن في هذه الحركة، ولكنهم همج لا يخضعون إلا القوة.
وإن تعجب فكل العجب في شأن هؤلاء الزعماء الذين هم جادون في عقد الاجتماعات للمحافظة على ثروة الهند أو السعي في استقلاله وهم يرون هذه المعارك الدموية الهمجية التي يكاد ينفطر لها قلب الحيوان الأعجم و كأنهم لا ينظرون ولا يسمعون. وكأن هذا عندهم أمر تافه، فالمحافظة على البيسات (أي الفلوس النحاس) أهم عندهم من المحافظة على الأرواح. نسأل الله أن يصلح حال المسلمين و يلطف بهم.
محمد تقي الدين الهلالي
الأستاذ الأول لآداب اللغة العربية
(بندوة العلماء في لكنو الهند)
مجلة الفتح: العدد 248 – 5 ذی الحجة 1349 – ص: 14 – 15
— — — —
والذي دعا المسلمين إلى ذلك التصلب في المحافظة على الجامع أن بقربه معبدا وثنيا للمشركين وهو معترض في وسط الطريق، فلم يفكروا في هدمه والمسجد في جانب الطريق يعزموا على هدمه، فرأى المسلمون أن ذلك غبن وضيم لا يطاق، وقد هدم المسلمون أيضا المعبد المذكور ولكن شتان ما بين معبد يعبد فيه الله وآخر يعبد فيه رام وزوجته.


