بقلم الدكتور تقي الدين الهلالي
الجواب عن هذه المسألة معروف عند أكثر أدباء الوقت، لا نرى بينهم خلافًا، وهو نعم؛ كان شديد التحامل والبغض للعرب يعيبهم ويثلبهم لأدنى سبب، وقد يكذب عليهم، ومن أجل ذلك أخذ بعض الشبان المتحمسين للعروبة يسبون هذا العالم ويضعونه في طائفة الشعوبية، مع أنه من صميم العرب، ولم يكن هناك أي داع يدعوه إلى بغض قومه وثلب أمته والطعن في حسبه نفسه.
وكان شهما، عالي الهمة، شريف النفس، لا يقدر أحد أن يتخذه مطية للغض من العرب، هذا لو كان للعرب أعداء بالمغرب، فكيف؛ ودول المغرب كلها مجمعة على تقديس الأمة العربية التي كان سيدها وأصحابه السبب في هدايتهم، وإنقاذهم، وبناء مجد مُشمَخِر ثابت الأركان لهم؟
وإن كفر أقوام نعمة العرب؛ فإن برابرة الشمال الإفريقي براء من هذه الوصمة، إذن؛ فما السبب يا ترى لهذا التحامل ؟
أما أنا فأختار أن أبحث أولا في هذه التهمة، وأجلس لها في كرسي القضاء، وأسمع من الخصمين، وأدرس حججهما، ثم أحكم، فإن حكمت بثبوتها؛ احتجنا إلى تعليلها، وإلا فقد كفيت المؤنة، وتخلصت عائبة من قرب، وبرئ شيخ مؤرخي علم العمران ومؤسسه من عداوة العرب براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وكفى الله المؤمنين القتال.
وكيف الطريق إلى ذلك ؟ أحسن طريق يؤدينا إليه أن نستعرض الألفاظ التي قالها ابن خلدون في العرب في مقدمته»، ثم نبحث فيها عبارة عبارة، حتى نأتي من ذلك على ما يمكننا من الحكم لابن خلدون أو عليه، وبالله التوفيق.
قال ابن خلدون في مقدمة تاريخه (ط. عبد الرحمن محمد بمصر ص 105):
فصل في أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط (يعني: السهول):
قال: «وذلك أنهم بطبيعة التوحش الذي فيهم؛ أهل انتهاب وعيث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم بالقصر، ولا يذهبون إلى المزاحفة والمحاربة إلا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم، فكل معقل أو مستصعب (1) فهم تاركوه إلى ما يسهل عنه، ولا يعرضون له، والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عيثهم وفسادهم، لا يتسنمون إليهم الهضاب ولا يركبون الصعاب، وأما البسائط متى قدروا عليهم بضعف الدولة وفقدان الحامية؛ فهو نهب لهم وطعمة لأكلهم يرددون عليهم الغارات والنهب والزحف لسهولتها عليهم، حتى يصبح أهلها مغلبين لهم، ثم يتعاورونهم باختلاف الأيدي وانحراف السياسية إلى أن ينقرض عمرانهم».
أقول: هذا فصل شديد جدا من حجج المتهمين لابن خلدون، نظرنا فيه فلم نجده يصف فيه دولة الخلفاء؛ بل ولا دولتي بني أمية وبني العباس، ولا أية دولة عربية، وإنما وصف حالة الأعراب الجهال المتوحشين سكان القفر، المنتقلين في المهامه والعلوات، وهؤلاء يسمون (الأعراب)، وقد تساهل ابن خلدون فسماهم (العرب) جريا على الاصطلاح الذي كان جاريًا في زمانه، ولأن الغارات التي شنها عرب بني هلال وبني سليم الذين غزوا شمال إفريقية في القرن الخامس الهجري كانت لا تزال عالقة بأذهان الناس إذ ذاك، ولعمري ! إنه وصفهم بما فيهم ولم يتعصب عليهم، ولا يخالفه في ذلك إلا جاهل بأحوالهم، وقد جاء ذمهم في القرآن العظيم؛ قال – تعالى – في سورة التوبة [97 – 98] في أول الحزب الحادي والعشرين: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَابِرَ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
نعم؛ قد استثنى الله قومًا منهم لأن لكل عموم خصوصا في الغالب؛ فقال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ …) الآية [التوبة: 99]، فلم يرد ابن خلدون بذلك الوصف العرب من حيث أنهم عرب؛ وإنما أراد سكان القفار المتوحشين منهم، فلم يخطئ وصفهم، وما عليه في ذلك من سبيل.
جريدة «الأخبار» التطوانية، السنة الثانية، العدد (316)، الاثنين 30 ربيع الثاني 1368 هـ، (ص:2).


