لفضيلة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة –
الحمد لله الذي جعل أهل الحديث في كل زمان مصابيح الظلام، وهداة الأنام، وصل اللهم على محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيقول العبد الفقير إلى عفو ربه محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي: بدا لي أن أُؤلف هذه المقالة المتضمنة لتاريخ أهل الحديث في الهند؛ راجيا أن ينفعني الله بها، وينفع بها من شاء من عباده؛ فأقول ـ وبالله التوفيق مستمدا العون من الله وحده – ناقلا ما سأذكره بمعناه من مقدمة «تحفة الأحوذي» لشيخنا الإمام العلامة، الأورع الأتقى عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري – سقى الله ثراه، وأدام عليه رحمته ورضوانه ؛ فأقول – وبالله التوفيق، وهو الهادي عنه إلى أقوم طريق:
قال الإمام العلامة المحدث الذي نفع الله بعلمه وفضله في جميع الآفاق، ذو العلم الغزير، والخُلُق الحسن، النواب صديق حسن في كتاب «الحطة» ما معناه باختصار: اعلم أن الهند لم يكن بها علم الحديث منذ فتحها أهل الإسلام؛ بل كان غريبا كالكبريت الأحمر، وإنما كان يشتغل أهلها بفلسفة فلاسفة الهند وفلاسفة اليونان، والإعراض عن علوم السنة والقرآن، إلا شيئًا قليلا من الفقه التقليدي، ولذلك تراهم إلى الآن عارية عن تلك العلوم؛ التي هي مصابيح الهداية، ومن تركها وقع في الغواية إلا قليلا منهم، ولذلك عموا عن كتاب الله وسنة رسوله، واتخذوا آراء الرجال حجة يعرضون عليها نصوص الكتاب والسنة؛ فما وافقها قبلوه، وما خالفها رفضوه، أو أولوه، أو ادعوا نسخه بهتانا وإثما مبينا. واستمر ذلك في الأزمنة الغابرة حتى مَنَّ الله على بلاد الهند بتوفيق العالم الجليل الشيخ عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي؛ فأقبل على دراسة علم الحديث، ونال منه نصيبا طيبا، وأخذ يبته في أهل الهند بتآليفه النافعة، وتعليم الطلبة، توفي – رحمه الله ـ سنة 1052، ثم اقتفى أثره في ذلك ابنه الشيخ نور الحق المتوفى سنة 1072، وتلامذة آخرون له قليل عددهم كثير مددهم؛ فجزاهم الله أحسن الجزاء على إحياء السنة في ذلك القطر الشاسع الأطراف، «وَمَنْ سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرَ مَنْ عَمِلَ بِهَا »، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ.
ومع أن هؤلاء المذكورين لم يبلغوا في دراستهم لعلم الحديث وعلوم القرآن الغاية التي تخرجهم من سجن التقليد إلى ميادين الاتباع والتحقيق؛ فلهم الفضل على من بعدهم فيما بدؤوا به من توجيه طلبة العلم إلى اقتباس أنوار السنة المحمدية. ثم جاء بعدهم الإمام العلامة، والبحر الفهامة؛ ولي الله بن عبد الرحمن الدهلوي، مؤلف «حجة الله البالغة وغيره من الكتب الهادية، توفي ـ رحمه الله – سنة 1176؛ فأبدأ وأعاد في كتبه ودروسه في توجيه الناس إلى أنوار الكتاب والسنة، وإبعادهم عن ظلمات التقليد والتمذهب والتعصب، إلَّا أنه خَلَطَ الغَث بالسمين، والكدر بالمعين، ثم انتشر هذا الفن بدعوة أولاده وأحفاده، وطلعت شمسه في آفاق بلاد الهند.
وأخذ علم الحديث ينتقل بأعمالهم وعلومهم من طور حسن إلى طور أحسن منه، ولم يقتصر هؤلاء الأئمة الأبرار على نشر علم السنة؛ بل جاهدوا في تطهير الاعتقاد من أدران الشرك والإلحاد، ووجهوا العباد إلى طريق الرشاد، فهؤلاء الأعلام طوقوا جميع أهل الهند، ومن وردها من المغتربين لطلب العلم؛ بمنة عظيمة يجب عليهم شكرها؛ كما قال الشاعر:
من زار بابك لم تبرح جوارحه ** تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ** والقلب عن جابر والسمع عن حسن
انتهى، وأكثره بالمعنى.
ثم قال شيخنا – رحمه الله ـ بعد ذلك:
«وجملة القول: إن الشيخ ولي الله الدهلوي – رحمه الله تعالى – غرس في الهند شجرة علم الحديث؛ فاشتدت هذه الشجرة وتمكنت، وطالت أغصانها، وعلت وتشعبت فروعها، وانتشرت حتى أحاطت البلاد والأمصار، وبلغت فروعها جميع النواحي والأقطار، وتخرج بإضافة علمه جماعة عظيمة قاموا لنشر علوم الدين، وإشاعة السنة النبوية، وظهر بسعيه طائفة كبيرة اجتهدوا في ترويج علوم الحديث وتبليغها؛ منهم: أبناؤه الكرام الشيخ الأجل عبد العزيز، والشيخ العلامة عبد الغني، والشيخ العلامة عبد القادر، والشيخ العلامة رفيع الدين والشيخ العلامة محمد معين صاحب دارسات اللبيب»، والعلامة القاضي ثناء الله صاحب «التفسير المظهري»، وغيرهم ممن لا يحصى عددهم.
وكان كل واحد منهم إمام زمانه في غزارة العلم، وملازمة التقوى، ونهاية الورع والزهد، رأسًا في التحقيق والإتقان، قد أشربوا في قلوبهم حب الحديث واتباعه، وامتاز من بينهم الشيخ الأجل، مسند الوقت، الفقيه المفسر المحدث؛ الشيخ عبد العزيز بمزيد الاعتناء بعلوم الحديث والقرآن وسبقهم. وحين كان عمره سبع عشرة سنة توفي والده الإمام؛ فانتقلت إليه وظيفة التدريس والإفتاء والإرشاد والهداية؛ فأكب الناس عليه، وصار مرجعهم في مهمات الدين والعلوم الشرعية؛ فلازم التدريس والإرشاد إلى آخر عمره، ودرس سائر العلوم لا سيما الحديث والتفسير؛ فإنه أقبل عليهما بشر اشره ومجامع قلبه، واعتنى بترويجها بما لا يستطاع بيانه فنشأ بجهوده التعليمية كثير من العلماء العباد، والفضلاء النقاد، والجهابذة أولي الإصلاح والإرشاد، منهم: المجاهد الكبير، والبطل الجليل، السيد العلامة: محمد إسماعيل الشهيد ابن عبد الغني، وابن ابنته المحدث البارع في العلوم والأخلاق: العلامة محمد إسحاق الدهلوي المهاجر المكي، والشيخ مخصوص الله ابن رفيع الدين، والشيخ عبد الحي البدهانوي، والشيخ حسن علي الهاشمي اللكنوي، وغيرهم.
واختص من بينهم بكثرة العبادة والرياضة، ومزيد الورع والتقوى، والتبحر في العلم والفضل، والسعي في الإصلاح والإرشاد، وحسن الإفادة ابن ابنته الكريمة الشيخ العلامة الشهير في الآفاق الشيخ محمد إسحاق المذكور؛ فجلس بعده مجلسه، وأفاد الناس بعلومه، وانتهت إليه رئاسة الحديث في عصره، وتخرجت عليه جماعة كبيرة؛ منهم الشيخ الأجل مسند عصره الشيخ محمد نذیر حسين الدهلوي، والشيخ المحدث عبد الغني أبي سعيد المجددي الدهلوي ثم المدني، والنواب قطب الدين مؤلف مظاهر حق»، والشيخ فضل رحمن المراد آبادي والشيخ العلامة المحقق محمد بن ناصر الحازمي وغيرهم.
ثم إنه هاجر إلى مكة المكرمة، واستخلف من هو فرد زمانه، وقطب أوانه رحلة الآفاق، شيخ العرب والعجم بالاتفاق، المجدد على رأس المئة الثالثة عشرة أعني: المحدث المفسر الفقيه ؛ شيخنا الأجل محمد نذير حسين الدهلوي في نشر العلوم الحديثة؛ فولي التدريس والإفادة والإفتاء والوعظ والتذكر، ودرس الكتب في جميع الكتب المتداولة اثني عشرة سنة، ثم غلب عليه حُبُّ تدريس القرآن والحديث؛ فترك اشتغاله بما سواهما إلا الفقه، فاشتغل بتدريس هذه العلوم الثلاثة إلى آخر عمره، من سنة سبعين بعد الألف والمئتين، إلى سنة عشرين بعد الألف وثلاث مئة ؛ فجميع مدة اشتغاله بتدريس هذه العلوم الثلاثة اثنتان وستون سنة. لم يزل شيخنا يفيد الناس بعلومه؛ فنفع الله به خلقه كثيرًا؛ فأشرقت بأنوار علومه البلاد، وانتشرت معارفه في القرى والأمصار، وانتشر تلامذته في جميع أنحاء الأرض من بلاد العجم والعرب؛ فما من مدينة ولا من قرية إلا تصوغت بها نفحاته المسكية، ووصلت إليها بركاته العلمية، سيقت إليه المطايا، وشُدَّتْ نحوه الرحال للاقتباس من أنوار معرفته، والاغتراف من بحار علومه، والتحلي من مكارم أخلاقه وشمائله، والاستمساك بمحاسن آدابه وفضائله؛ فله على الناس منن عظيمة، وأيادي جسيمة، قضى عمره المبارك في خدمة الدين، وأنفق ماله في نشر العلوم وإحياء السنن السنية، لم يوجد مثله في زمانه ولا بعده في علمه وفضله، وخلقه وحلمه وجوده وتواضعه وكرمه وعفوه، وكثرة عبادته لربه، وخشيته له وتقواه، وورعه وزهده، وجميع الخصال الحميدة، والشيم المرضية والصفات الجميلة والسمات الحسنة.
وصنف تصانيف مفيدة، تشهد له بطول الباع في العلوم وسعة الاطلاع على الكتب، وتدل على تبحره وسعة نظرة مطالعته، وجودة حفظه، ودقة فهمه، وإصابة رأيه، حصل له من الشرف والفضل ما لم يحصل لأحد ممن عاصره، وبلغ من العلى والرفعة ما لم يبلغ غيره من معاصريه.
وممن سعى في نشر علوم الحديث في الهند واجتهد في تبليغ السنن النبوية وإحيائها، وبذل مجهوده لإعلاء الدين المستقيم، وأفرغ جهده لإماتة المحدثات والمنكرات: شيخنا المحدث المفسر، فقيه آية الله في الأرض: الشيخ حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني؛ فإنه لما فرغ من تحصيل العلوم في بلاد اليمن جلس مجلس الإفادة، درس وأفاض بركاته على بلاد العرب، ثم ارتحل في حياة المكرمة سكندر بيكم إلى بهويال عند أخيه العلامة زين العابدين قاضي بهوپال ولقي الرئيسة المذكورة؛ فأكرمت نزله، وفوضت إليه دار الحديث، وقلدته تدريس علوم الحديث، انتفع به جم غفير من علماء تلك البلدة وغيرها، وانتشر صيته في بلاد الهند طار ذكره في أقطارها، ورحل إليه طلبة الحديث من كل ناحية، وتلمذ له جماعة من العلماء المشهورين بالفضل والكمال ممن لا يمكن حصرهم. ثم بعد سنة أو سنتين من قدومه استأذن الرئيسة المذكورة في الرجوع إلى بلدة الحديدة؛ فأذنت له، فرجع إلى وطنه، ولما توفيت الرئيسة وتولت الحكومة بنتها الرئيسة شاهجهان بيكم، وتزوجت بالسيد العلامة صديق حسن القنوجي، دعت شيخنا أن ينتقل بأهله إلى مدينة بهوپال مقر رياستها، ويتخذها وطنا؛ فأجاب دعوتها، ونزل بهوپال واستوطنها، ولم يزل مقامه محطا للطلاب، ومنهلا صافيا للوراد، يتناولون إليه من كل صوب وناحية، إلى أن توفاه الله ـ تعالى ـ سنة سبع وعشرين بعد الألف وثلاث مئة – رحمه الله». انتهى.
قال محمد تقي الدين: ليس القصد أن نذكر في هذا المقام جميع العلماء السلفيين الحنفاء من أهل الهند؛ فإن عددهم – والله الحمد – أكثر من أن يحصى، ومَن جَالَ في بلاد الهند الواسعة من كراتشي وبمباي غربا، إلى آخر بنغال شرقا، ومن جبال هملايا شمالا، إلى آخر مدراس ونواحيها جنوبًا؛ يجد هؤلاء العلماء الأبرار في كل صقع، وتحت كل نجم، ويجد جماعة أهل الحديث الحنفاء من العامة والخاصة قائمين بالدعوة؛ قد أسسوا المدارس والمساجد في كل مكان، وهم يبذلون الأموال بسخاء، جهادًا في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العلياء، وليكون الدين كله لله، والحكم كله الله، وليكون الإمام القدوة الذي به الأسوة واحدًا لا يزاحمه أحد، وهو محمد رسول الله خاتم النبيين، وإمام المرسلين وسيد ولد آدم أجمعين.
جعلنا الله – سبحانه – ممن أحبه المحبة الشرعية التي يريدها الله ويرضاها رسوله، بلا تفريط ولا إفراط، والتي توجب اتباع سنته، والاهتداء بهديه.
آمین آمین لا أرضى بواحدة ** حتى أضيف لها آلاف آمینا
وقد رأيت أن أختم هذه النبذة بذكر ترجمة شيخنا عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك فوري – أفاض الله عليه سحائب رحمته، وأسكنه فسيح جنته ؛ فأقول:
هو الإمام علم الأعلام، ومصباح الظلام، بحر العلوم المنطوق منها والمفهوم، سيد الزاهدين، وإمام العابدين، وحيد الزمان، وفريد العصر والأوان، لم تر عينه مثله فيما جمع الله له من الخصال الحميدة، والأخلاق المجيدة، والآراء السديدة، والسيرة الطاهرة، والكرامات الظاهرة، عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك فوري من ناحية أعظم كره من بلاد الهند.
مولده ونشأته:
ولد – رحمه الله تعالى – سنة ألف ومئتين وثلاث وثمانين، بقرية مبارك فور، من مضافات أعظم كره، نشأ في موطنه في حجر والده، وتربى في كنفه، واشتغل بالقراءة في صباه؛ فختم القرآن الكريم وعدة رسائل بلغة أردو والفارسية، ثم أخذ في قراءة الكتب الفارسية في الأدب، والإنشاء والأخلاق، حسب ما تعامل به أهل بلده إذ ذاك على والده وبعض علماء بلده؛ فنبغ فيها، وبرع حتى فاق الأقران، ثم ارتحل بعد ذلك إلى ما يجاور موطنه من القرى والبلاد؛ فطاف على علمائها، وحضر دروسهم؛ فقرأ العلوم العربية وغيرها من الصرف والنحو والفقه وأصوله والمنطق على العلامة الشيخ حسام الدين المئوي، والعلامة الشيخ فيض الله المئوي، والعلامة التقي الأورع الشيخ سلامت الله الجيراج فوري رئيس المدارس الدينية، وناظرها بهوپال في عهد العلامة النواب صديق حسن القنوجي ملك بهوپال، وغيرهم من العلماء المشهورين؛ فلما ارتوى من العلوم المتداولة وتضلع، وكان في غاية الاشتياق إلى تكميل العلوم واكتساب المعارف، وكان يسمع صيت مدرسة (چشمه (رحمت) بغازیفور؛ التي كانت محطا لرحال الأكابر، رحل إليها، وعكف فيها حتى أتم ما بقي من الكتب المتداولة الدراسية، على الحكيم الجليل، والعارف الكبير، بحر العلوم والمعارف: الحافظ الشيخ عبدالله الغازيفوري.
شيوخه الكبار في العلوم العقلية والنقلية:
قَرَأَ – رحمه الله ـ بالتدبر والتفكر والإمعان والبحث والتحقق – الكتب المتداولة – المتوسطات منها والمطولات – من العلوم العربية: من النحو والصرف والمعاني والأدب والفنون الآلية العقلية من المنطق والفلسفة والهيئة والهندسة والحساب، والعلوم الدينية الشرعية: من الفقه والحديث والتفسير وأصولها؛ على المحدث المفسر، الفقيه النظار، الأصولي الفيلسوف، المحقق، إمام الهدى واليقين، رئيس أهل التقى والعرفان، رأس أهل الورع والزهد، أستاذ الأساتذة، الإمام الحافظ الشيخ عبد الله، المئوي مولدًا، والغازيفوري سكنا، رئيس الأساتذة بمدرسة چشمه رحمت بغازيفور.
لازمه شيخنا خمسة أعوام يغترف من بحاره، ويستمطر من صبوب مزنه، ويقتبس من أنوار علومه، وينور قلبه أضواء معارفه، ويتأدب بآدابه إلى أن نقع غلته، وسكن عطشه، وارتوى من زلال معارفه، وتضلع من عذب علومه، حتى شهد له شيخه بالفضل والكمال؛ لما شاهد فيه ما جمع الله له من العلم والعمل والورع والتقوى والزهد، وإصابة الرأي، وثقوب العقل، وقوة الذكاء، وجودة الفهم، ودقة النظر، ولما أحس فيه من مخايل النجابة الباهرة، وأبصر فيه من سمات الرزانة الكاملة الطاهرة، وأمارات المجد والعلى؛ أشار عليه وأرشده – بل أمره !- أن يقصد حضرة شيخه الدهلوي؛ ليصل بإفاضاته القدسية، وفوحاته المسكية، إلى أعلى درجات الفضل والكمال، ويبلغ بمعارفه القيمة، وعلومه النافعة الجمة إلى أرفع مراتب العلم والمجد بين الأقران، وليحصل له السند العالي، والفوز بالشهادة العليا، والنجاح بالمرتبة القصوى.
فلباه بقلبه، وارتحل بأمر شيخه، وإذن والده إلى دهلي، وطرق باب من هوبخاري زمانه، الإمام الحجة؛ الشيخ محمد نذير حسين ـ وقد تقدم ذكره وبيان فضله؛ فأغنى عن إعادته هنا ؛ فقرأ عليه «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و «جامع الترمذي»، و«سنن أبي داود، كل واحد بتمامه وكماله، وأواخر «سنن النسائي»، وأوائل «ابن ماجه»، و «مشكاة المصابيح»، و«بلوغ المرام»، و«تفسير الجلالين»، و«تفسير البيضاوي، وأوائل الهداية، وأكثر «شرح نخبة الفكر»؛ فأجازه برواية الكتب المذكورة وتعليمها، وغيرها من كتب الحديث والفقه وتدريسها، وكتب له الإجازة بخطه.
وقد نال شيخنا – رحمه الله – من الفضل والكمال، وبلغ من العلوم والشرف ما كان المتقدمون من المحدثين يعتنون به ويرغبون فيه، ويبذلون جهدهم لتحصيله؛ من تكثير الشيوخ الثقات، وطلب علو الأسانيد المعتبرة المعتمدة، وهو من مهمات أصول الحديث، ومن أسباب تقوية الحديث وتأييده؛ فقد سئل بعض المحدثين: أي شيء أحب إليك ؟ فقال: القلب الخالي والسند العالي.
فحصل له قراءة الأطراف من الأمهات الست وغيرها من كتب الحديث؛ ک «موطأ مالك»، و «مسند الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، و«الأدب المفرد للبخاري، ومعجم الطبراني الصغير»، و «مسند الدار قطني على الحبر العلامة، والبحر الفهامة، وحيد عصره، وفريد دهره شيخ العرب والعجم الإمام القاضي حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي السعدي اليماني؛ فكتب له الإجازة برواية هذه الكتب المذكورة بأسانيدها المتصلة إلى مؤلفيها المذكورين، في ثبت شيخ مشايخه الإمام الحافظ الرباني محمد بن علي الشوكاني، المسمى بـ «إتحاف الأكابر في إسناد الدفاتر».
بل أجاز له أن يروي عنه جميع ما حواه إتحاف الأكابر من الكتب الحديثية وغيرها، وهذا فضل عظيم لم يفز به كثير ممن عاصره من الفضلاء، ولم يشاركه فيه إلا قليل ممن خصه الله بالحظ الوافر من السادة الأكابر، والله يختص بفضله من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم.
رجوعه إلى وطنه واشتغاله بتأسيس المدارس:
لما فرغ شيخنا – رحمه الله – من تحصيل العلوم، ومصاحبة شيوخه الفحول، وامتلأ من المعارف، وأينعت ثمار علمه، رجع إلى وطنه مبارك فور، وشرع في إنشاء حصون الدين الحنيف وهي المدارس؛ فبدأ أولا بتأسيس دار التعليم الخدمة السنة النبوية، وتجديد معالمها، واشتغل بالتدريس والإفتاء، ونصح الأمة بالقلم واللسان؛ فكم من هائم في تيه الضلالة هداه بسيرته السنية، وكم من هالك في مفازة الجهل أنقذه بإرشاده بكلماته الطيبة؛ فله على الناس منن عظيمة، ونعم جسيمة؛ فقد تلألأت بسعيه المشكور آثار السنة النبوية بعد ما اندرست، وأميتت البدع بعد ما ظهرت، وطار صيته في وقت قصير؛ فأكب عليه طلبة العلم من أقطار الهند، وتضلع وارتوى بعلومه عدد لا يحصون؛ فجزاه الله عنا وعن سائر المسلمين أحسن ما يجزى به عباده الصالحين.
وقد آتاه الله مقدرة عظيمة على تأسيس المدارس الحنيفية؛ فكان ـ رحمه الله – يدعى من قبل الرؤساء والجماعات لتأسيس المدارس، وتسييرها، وتدبير شؤونها، واختيار المعلمين الأكفاء، ووضع المناهج التدريسية المحكمة لها؛ فكان يُؤسس المدرسة، ويدبر شؤونها إلى أن تستقر أمورها، ويستقيم أمرها، ثم ينتقل إلى تأسيس مدرسة أُخرى، وهكذا دواليك.
المدارس التي أسسها أو درس فيها مدة من الزمان:
الأولى: المدرسة العربية في بلرامفور؛ درس فيها مدة من الزمان، وانتفع به خلق كثير من طلبة العلم.
المدرسة الثانية: مدرسة إله نكر دعاه إليها رئيس هذه البلدة، فدرس بها مُدَّة من الزمان، كانت بدايتها سنة تسع وعشرين وثلاث مئة وألف؛ فأقبل عليه طلبة العلم من كل حدب وصوب، واغترفوا من بحر علمه، وارتووا من معين معارفه.
الثالثة: المدرسة المسماة «سراج العلوم»، ببلدة كوندو بوندیهار؛ دعاه رئيس هذه البلدة، وطلب منه تأسيس المدرسة؛ فأسسها على أحسن وجه، ووضع لها مناهجها ونظامها؛ فنجحت غاية النجاح، وكانت منبعًا لتحصيل مراقي الفلاح؛ فدبر شؤونها، ودرس بها مدة طويلة؛ فنفع الله بعلمه تلامذتها، وتخرج فيها على يديه جم غفير من طلبة العلم؛ فانتشروا في آفاق الهند مصابيح ظلام، وسرج هداية، يبلغون عن الله ورسوله ودين الحق الصافي من كتاب الله وسنة رسوله، وعلوم السلف الصالح، ولا تزال إلى الآن سائرة في طريقها، تشع منها أنوار العلم والحكم. وكان – رحمة الله عليه – مرجعًا، ومديرا لشؤون المدارس التي شرفها بالتأسيس، أو بالتدريس فيها، لم يزل مدبر و شؤونها يستشيرونه، ويستضيئون بنوره في تسييرها، وحل ما يعرض لهم من المشكلات.
المدرسة الرابعة: المدرسة الأحمدية بآره؛ لما فرغ رفيقه في الطلب، أحد كبار تلامذة شيخ الجماعة الإمام نذير حسين؛ وهو الشيخ العالم الصالح، أبو محمد إبراهيم الأروي؛ من تحصيل العلوم عند شيخ الجماعة المذكور، عزم على تأسيس مدرسة؛ فدعا لتأسيسها وإدارة شؤونها الشيخ الإمام عبد الله الغازيفوري ـ الذي تقدم ذكره، وهو من أجلة شيوخ شيخنا ؛ فعلم هذا الشيخ الجليل أنه لا يستطيع تحمل أعباء هذا الأمر الجلل، إلا بمؤازرة شيخنا عبد الرحمن؛ فكتب إليه كتابا يدعوه أن يقدم عليه في آره، ولم يخبره بالغرض المقصود؛ فلما وصل إليه كشف له عما في نفسه؛ فاستجاب شيخنا – رحمه الله – لما دعاه إليه، وأسست المدرسة الأحمدية في آره وكانت سراجا للسائرين، ومنهلا للواردين، واستمر بها شيخنا مع أستاذه إلى أن توفي الشيخ أبو محمد إبراهيم – رحمه الله..
المدرسة الخامسة: دار القرآن والسنة بكلكته، ثم إن بعض تلامذة شيخ الجماعة الإمام نذير حسين – رحمة الله عليه – من أهل كلكته في بلاد بنغال من شرقي الهند، أراد تأسيس مدرسة عظيمة تسمى دار القرآن والسنة؛ فاستشار أستاذ شيخنا العلامة عبدالله الغازيفوري؛ فأشار عليه بأن يدعو إلى هذا لأمر العظيم شيخنا عبد الرحمن، إذ لا يجد من يقوم به من بين الأعلام؛ فدعاه، فقبل شيخنا دعوته، وأسس دار القرآن والسنة، ووضع لها مناهجها، وخط لها نظامها على أحسن وجه، واختار لها الأساتذة الأكفاء؛ فسطعت أنوارها، وجرت أنهارها، ونفع الله بها من لا يحصون كثرة من طلبة علوم الكتاب والسنة.
وأقام شيخنا – رحمه الله – في هذه المدرسة مدة طويلة، ثم اختار الانقطاع لتأليف أعظم كتبه «تحفة الأحوذي»، والتفرغ لخدمة هذا الكتاب الجليل الذي هو مفتاح الكتاب الرابع من كتب السنة، وهو «جامع الترمذي»؛ الذي قيل فيه: «من كان عنده «جامع الترمذي» في بيته؛ فكأنما عنده نبي يتكلم».
ومنذ بارح دار القرآن والسنة رجع إلى مسقط رأسه مبارك فور، وعكف على التصنيف والتدريس والإفتاء والقضاء؛ فإن قلت: ما معنى القضاء ؟ هل كان قاضيا بتقليد من ولاة الأمر لهذه الخطة ؟ قلت: لا، ولكن أهل الحديث في الهند لا يتحاكمون في الخصومات التي تقع بينهم إلى المحاكم؛ لأنها لا تحكم بالكتاب والسنة، وإنما يتحاكمون إلى علمائهم، ولا يستفتون المفتيين الرسميين؛ لأنهم يفتون بالرأي أو بالقانون، وإنما يستفتون علمائهم عملا بقوله ـ تعالى ـ في سورة النساء [59]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآيات.
وشيخنا – رحمه الله – كان من خير علماء أهل الحديث الحنفاء – نضر الله وجوههم ؛ فكان الناس يعتمدون عليه في الإفتاء والقضاء وحل المشكلات، ويستشيرونه ويستضيؤون برأيه، وقد أخبرني – رحمه الله ـ أن هناك ناحية ليست بعيدة من مبارك فور، اسمها بستى فيها ثمانون قرية، متصل بعضها ببعض، أكثر سكانها أهل الحديث، وكانوا يدعونه لحل مشاكلهم، وإزاحة عللهم في أمور الدين والدنيا، ويعظمونه ويحبونه ويقتدون به.
ومع كثرة تواضعه الذي يقل نظيره بين العلماء؛ كان الناس يهابونه، ويجلونه، ويقدمونه، وفي المدة التي أقمتُ عنده، وكان ذلك في سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة وألف كان يقدمني للصلاة إماما في مسجده في الصلوات الجهرية، ويتولى الإمامة في الصلوات السرية، وعلل ذلك – رحمة الله عليه ـ بقوله: إنك تقرأ القرآن بالتجويد أحسن مني؛ فنحب أن نسمع القرآن منك.
وكان – رحمه الله – آية في السخاء والكرم، لا تجد له نظيرا بين العلماء في ذلك، مع أنه لم يكن له راتب، ولم يكن يتعاطى من أسباب طلب الرزق إلا الطب؛ فكان يخصص لعلاج المرضى من بعد صلاة العصر إلى أذان المغرب، والعجب من إخواننا الذين ترجموا له، وأعطوا الترجمة حقها، ولم يذكروا معرفته للطب، وتعاطيه إياه مع أن ذلك من أفضل المزايا، وأجمل الخصال، والاقتداء بالأنبياء والمرسلين، وخصوصا سيدهم وإمامهم وخاتمهم محمدا رسول الله ﷺ، فإنه كان طبيبا للأرواح والأبدان؛ فمن تفضل الله عليه بحظ وافر من ميراث محمد ﷺ في هذه الفضيلة؛ فقد شرفه وأكرمه وأعلى مقامه، وقل مَن وَرِثَ من النبي ﷺ العلم بطب الأبدان مضافا إلى العلم بطب النفوس.
وكان ـ رحمه الله – لا يأخذ من الفقراء أجورًا على العلاج، وإنما يأخذ من الأغنياء ما يقدمونه له بدون اشتراط، وبذلك يكون عاملا بالحديث المروي في «الصحيحين» عن النبي ﷺ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده؛ فمعرفة الطب والعلاج، والاستغناء عن الناس بالأكل من عمل اليد من سنة النبي ﷺ، وقد جمعهم الله لشيخنا رحمه الله..
وفي مدة إقامتي بمبارك فور، ألزمني بإلحاح شديد أن أكون ضيفًا عنده؛ فلم أدخل قط مطعما، ولا اشتريت طعامًا، ولما حان وقت سفري عزمت أن أسافر بطريق سكة الحديد الضيقة التي تمتد من مبارك فور إلى أعظم كره، وهي قصبة تلك الناحية؛ فقال لي – رحمه الله -: لا تسافر في القطار إلى أعظم كره؛ فإن رجلين من أصحابنا يريدان أن يسافرا إليها على عربة يجرها فرس، فسافر معهما؛ فإن ذلك يسهل عليك.
وكان الرجلان قد عزما على السفر في منتصف الليل؛ فأردت أن أودعه بعد فراغنا من العشاء؛ فأبى، وقال لي: لا بد أن أخرج لوداعك. فقلت له: إن ذلك يشق عليك ويمنعك من النوم. فقال: لا بد من ذلك. فلما حان الوقت، أخذت حقيبتي وخرجت من المسجد من المقصورة التي كنتُ أسكنه فيها؛ فوجدته قد خرج من بيته، وسرنا معا نتحدث إلى المكان الذي ينتظرنا فيه ذلك الرجلان بعربتهما، وحينئذ وضع يده في يدي وقال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، ويسر لك الخير أينما توجهت. ودس في يدي ورقة – ظننتها نقدية – فرددتها عليه ! وقلت له: جزاك الله خيرًا؛ لقد بالغت في الحفاوة بي وإكرامي فلا حاجة لي بهذا.
فأخذ بيدي، وسار بي بعيدًا من الرجلين، ثم أجهش بالبكاء بكاء شديدًا جدا، وصار يقول والعبرة تخنقه: اقبل مني اقبل مني ! فاختطفت الورقة، وقد اقشعر جلدي مما رأيت من بكائه، وندمت ندامة الكُسَعِي على ردي عليه تلك الورقة الذي سبب له ذلك البكاء الشديد، وسألته العفو والمغفرة؛ فعفا عني، ومسح دموعه، وبقي هنيهة حتى رجع إلى حاله المعتادة؛ فأخذ بيدي، وتوجهنا إلى العربة؛ فودعته وركبتها، ولم تفارقني القشعريرة والتأثر بذلك المشهد حتى طلع الفجر، ونزلنا للصلاة؛ فتقدمت فصليتُ إماما بالرجلين؛ فلما بدأت القراءة غلب علي البكاء بسبب ذلك المشهد الذي لم يزل من خيالي.
ومن أسطع البراهين على علو همته المنقطع النظير، أن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود – رحمة الله عليه – لما علم فضله، وعلمه وكماله، تكرم بدعوته ليكون أستاذا في معاهد المملكة السعودية وفي المسجد الحرام، ينتفع الناس بعلمه وتربيته وحسن سيرته؛ فاعتذر عن القبول بأن ذلك يعوقه عن إتمام مؤلفاته، ولا سيما «تحفة الأحوذي»، ويا ليته قبل!
وكذلك دعاه المحسن الكبير، المنفق ماله في سبيل الله، وفي نشر السنة ونصرها، محب العلم والعلماء: الشيخ عطاء الرحمن مدير مدرسة دار الحديث بدهلي؛ لتدريس علوم الحديث فيها؛ فاعتذر له – أيضًا، وكانت الدنيا لا تساوي عنده جناح بعوضة؛ لأن الله أكرمه بغنى النفس، وما أحسن قول بعضهم:
وليس الغنا عن كثرة المال إنما ** يكون الغني والفقر من قبل النفس
وهذا معنى حديث صحيح رواه البخاري: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس»، أو كما قال ـ عليه الصلاة والسلام..
ومزاياه وفضائله أكثر من أن تحصى؛ فجزاه الله عني وعن الإسلام والمسلمين أحسن ما جزى عباده الصالحين.
زجر غراب
بلغني أن غرابًا لئيما يتطفل على علم الحديث، طعن في شيخنا الإمام عبد الرحمن بن عبد الرحيم بأكذوبة خسيسة لما شوى الحسد قلبه، لما شاهده من آثار شيخنا الباهرة، وفضائله الظاهرة.
وهذه الأكذوبة فيها من الجهل والغباوة ما يجعل سامعها يمجها، ويلعن فاعلها، وحاصلها: أن الشيخ – رحمه الله – ذكر في بعض كتبه أن في خزانة الكتب العربية في برلين تفاسير لكبار المحدثين مسانيد، وكتب حديث؛ كـ مسند بقي بن مخلد الحافظ، و «تفسير عبد بن حميد» وأمثالها، وقد أخبرني شيخنا – رحمه الله – بذلك حسبما أخبره به سائح هندي، ولما سافرت من المدينة النبوية إلى فينا، كنتُ أملي على كاتبي أخبار هذه الرحلة وما وقع لي فيها من الحوادث، وكان من أهم أغراضي فيها تحقيق هذا الخبر.
وها أنذا أنقل ما في الرحلة التي سميتها (من المدينة إلى فينا) بنصه:
يوم الخميس 13 من جمادى الأولى سنة 1930 هـ بمدينة فيينا عاصمة النمسا: عندنا في هذا اليوم موعد مع الدكتور أمبروس مدير قسم البحث في مخطوطات التفسير وعلم الحديث؛ لأسأله عن الكتب التي بلغ شيخنا أنها كانت في خزانة برلين، وذلك من الأغراض التي قصدت تحقيقها في هذا السفر، وكان شيخنا عبد الرحمن المبارك فوري – رحمه الله – نقل أسماءها وصفاتها عن سائح هندي؛ فهم منه أنه رآها بعينه في خزانة برلين منذ زمن طويل، وبحث كثير من الناس عن هذه الكتب في ألمانيا فلم يجدوا لها أثرًا، فاختلفوا في شأنها؛ فبعضهم شك في صدق المخبر الأول.
ولكن التفاصيل التي ذكرها في صفة كل كتاب، وتعيين موضعه في الخزانة؛ يبعد معها أن يكون خبره مختلفًا ! وأَيُّ فائدة له في اختلاق هذا الخبر والأصل في مثل هذه الأخبار أن تكون صحيحة ؟!
وقد تذرع بعض الدجاجلة من المعاصرين بذلك إلى الطعن في شيخنا المذكور؛ لوقاحته وبغضه لأهل الحديث المعادين للشرك والخرافات والبدع؛ فأراد أن يشفي غيظه بهذه التهمة الوضيعة التي تجلب له الصغار والاحتقار، وشيخنا بريء من عهدة هذا الخبر؛ لأنه لم يدَّعِ مشاهدة الكتب، إنما نقل الخبر عن رجل، فهم عن كلامه أنه شاهدها.
وقد أبى الله إلا أن يفضح ذلك الدجال؛ فها نحن اليوم بدأنا نسير في طريق معرفة أصل هذا الخبر؛ فقد طالعنا اليوم بمساعدة الدكتور أمبروس كتاب الدكتور فؤاد سسكن الذي أعاد تأليف «تاريخ الأدب العربي» لبر كلمان، وأضاف إليه عشرين في المئة من مخطوطات الخزانة التركية؛ فوجدنا أكثرها مذكورًا فيه، ونرجو أن نجد سائرها في فهارس أخرى.
وظهر لي أن المخبر الأول الهندي لم يكن كاذبًا، ولم يشاهد تلك الكتب؛ وإنما نقل أسماءها وصفاتها من الفهارس التي رآها في البلاد الجرمانية، ولم أطلع على فهرسته الأصلي المفصل؛ فإن ثبت فيه أنه ادعى رؤيتها فهو كاذب؛ لأنها ليست في خزانة واحدة؛ بل هي في خزانة متفرقة في الدنيا، بل بعضها في ألمانيا، وبعضها في مواضع متفرقة في بلاد الأتراك، وبعضها في المدينة النبوية، وبعضها في حلب، وبعضها في القاهرة.
أما إذا لم يدع أنه رآها بعينه؛ فهو صادق.
وبهذا تعلم – يقينا – بطلان ما نسبه ذلك الدجال إلى شيخنا – حاشاه من ذلك ؛ وإنما أراد ذلك المفتري أن يُنفس عما في قلبه من الحسد؛ لما رأى لشيخنا من الفضل، ولسان الصدق والمنزلة العالية، والصيت الطائر عند الموافقين والمخالفين؛ ففضح نفسه، وكان في ذلك كما قال الشاعر:
كناطِحٍ صَخْرَةٌ يَوْمًا لِيُوهِنَهَا ** فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَهُ الوَعِلُ
وقال آخر:
يا ناطح الجبل الراسي ليوهنه ** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
وقلت أنا من قصيدة سميتها (السهام الصائبة):
فَيَا نَاطِحَ الطَّوْدِ المَتِينِ بِهَامَةٍ ** مُدَوَّرَةٍ جَوفَى حَذَارِ مِنَ الكَسْرِ
وأنا أشهد بالله أن شيخنا عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك فوري – رحمة الله عليه – لو كان في القرن الثالث الهجري لكان حديثه الذي يرويه عن النبي ﷺ أو عن أصحابه من أصح الحديث، ولكان حجة في كل ما يرويه؛ لا يختلف فيه اثنان، ولم يتجرأ أحد من أعدائه حتى في هذا الزمان أن يطعن في صدقه وأمانته وأخلاقه، ولكن لا يسلم أحد من ألسنة المجرمين.
وما أحد من ألسن الناس سالما ** ولو أنه كان الرسول المعظما
تلامذته:
قد ظهر مما أسلفنا أن الشيخ – رحمه الله – كان متصدرا للتدريس، قضى في التعليم والتدريس والإفادة ثلث عمره؛ فُجِّرَتْ من قلبه وفمه ينابيع العلم والحكمة والمعرفة، واستفاد منه، وتمتع بعلومه من لا يحصى عددًا، وتخرج عليه في تلك لمدة ممن قرأ عليه كتب الحديث وغيره من التفسير والفقه والمنطق والفلسفة عدد كبير؛ فقد كان يَرِدُ عليه الطلبة من جميع الجهات الدانية والنائية، والبلاد القريبة والقاصية، وهو يفيدهم ويسعفهم بمأمولهم، وينور قلوبهم بأنوار معارفه؛ فإحصاؤهم عسير جدا.
وها نحن نذكر أسماء بعضهم؛ فمن أرشد تلامذته، وأقربهم منزلة عنده، وأقدمهم وأحبهم إليه: العلامة الشيخ أبو الهدى عبد السلام المباركفوري صاحب «سيرة البخاري»، ونجله الشيخ عبد الله الرحماني أستاذ الحديث بالمدرسة الرحمانية بدهلي، ومنهم: العلامة الأستاذ محمد بن عبد القادر الهلالي المراكشي أستاذ العربية بجامعة بن (ألمانيا)، والعلامة الحافظ الشيخ عبدالله النجدي القويصي ثم المصري، والفاضلة رقية بنت العلامة الأستاذ خليل بن محمد بن حسين بن محسن الأنصاري، والشيخ عبد الجبار الكهنديلوي الجيفوري، والشيخ محمد إسحاق الآروي صدر المدرسين بالمدرسة الأحمدية السلفية بدر بهنكه، والفاضل الأديب الشيخ عبد الرحمن النكر نهوي أستاذ العربية بالمدرسة الرحمانية، والفاضل الطبيب محمد بشير المباركفوري المدرس بالمدرسة الرحمانية، والفاضل الأديب أبو النعمان عبد الرحمن المئوي، والطبيب الحاذق المولوي عبد الرزاق الصادق فوري، والتقي الزاهد الشيخ نعمت الله البردواني، والمولوي محمد إسماعيل المباركفوري، والمولوي عبد الحكيم الفتحفوري، والشيخ محمد جعفر التونكي ثم البستوي، وابن أخي شيخنا المولوي محمد أصغر المدرس سابقا بمدرسة دار التعليم، والعلامة الشيخ عبد الصمد المباركفوري، والشيخ نذير أحمد الأملوي المدرس بالمدرسة الرحمانية، وغيرهم ممن يتعسر عد أسماءهم.
* ذكر بعض تأليفه:
لقد وفق الله شيخنا – رحمه الله – إلى تأليف كتب مهذبة، مفيدة، شافية، كافية، جميلة العبارة، غزيرة العلم، أذكر منها هنا أهم ما ألفه بالعربية:
فأولها: كتاب «تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي» في أربعة من المجلدات، طبع إلى حد الآن ثلاث طبعات، وتلقاه العلماء بما يستحقه من التبجيل والاغتباط، والعكوف على درسه والاغتراف من بحر علمه، وشاهده قراءته.
الثاني: «مقدمة» واسعة لهذا الكتاب، جمعت من فوائد علوم الحديث كل نفيس في القديم والحديث، ولا سيما ما يختص بدرر هذا الكتاب وجواهره، لا يشبع قارؤها من قراءتها.
الثالث: «أبكار المنن»؛ ردَّ به على النيموي الهندي ما حشا به كتاب المسمى بـ «آثار السنن» من الأباطيل الناشئة عن مرض التقليد والتعصب الجاهلي للمذهب»، وهذا شأن غلاة المبتدعين المتمذهبين لا يقرؤون القرآن لوجه الله، ولا يُدرسون الحديث طلبا لاتباع الرسول ﷺ، وإنما يتعلمون القرآن والحديث لغرض خبيث، وهو تحريف دين الله تحريفا يستحيي منه اليهود والنصارى.
والعجب منهم كيف يتجرؤون على تأليف الكتب في علم الحديث، وهم أسارى تقليد الرأي، وقد ضرب بينهم وبين علوم الكتاب والسنة بسور؛ باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب ؟
وقد أجمع العلماء – من المتقدمين والمتأخرين ـ على أن المقلد ليس من أهل العلم، وقالوا: لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد.
وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري – رحمه الله ـ في ذلك شعرا، أنشده في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، أقتبس هنا بعضه:
يَا سَائِلِي عَنْ مَنْهَجٍ التَّقْلِيدِ خُذْ ** مَنِّي الجَوَابَ بِفَهْمِ لُبِّ حَاضِرِ
وَاصْغِ إِلَى قَوْلِي وَدِنْ بِنَصِيحَتِي ** وَاحْفَظْ عَلَيَّ بَوَادِرِي وَنَوَادِرِي
لَا فَرْقَ بَيْنَ مُقَلَّدٍ وَبَهِيمَةٍ ** تَنْقَادُ بَيْنَ جَنَادِلَ وَدَعَاثِرِ
تبا لِقَاضٍ أَوْ يُفْتٍ لَا يَرَى ** عِلَلًا وَمَعْنَى لِلْمَقَالِ السَّائِرِ
فَإِذَا اقْتَدَيْتَ فَبِالْكِتَابِ وَسُنَّةِ الـ ** ــمَبْعُوثِ بِالدِّينِ الحَنِيفِ الطَّاهِرِ
وَإِذَا الْخِلَافُ أَتَى فَدُونَكَ فَاجْتَهِدْ ** وَمَعَ الدَّلِيلِ فَمِلْ بِهَمٌ حَاضِرِ
هذا ما أردت إنشاده من ذلك الشعر.
وماذا يصنع المقلد بعلم الحديث وقد أعمى الله بصيرته؛ فأغمض بصره، ومد يده لشخص يقوده، ولا يدري أين يذهب به؟! وما أحسن قول المتنبي:
فقر الجهول بلا عقل إلى أدب ** فقر الحمار بلا رأس إلى رسن
فالحمار الذي لا رأس له لا يحتاج إلى رسن.
وقد انتسب بعض العلماء إلى المذاهب باعتبار أنهم درسوها في أول شأنهم؛ فلما وصلوا إلى علم اليقين استقلوا، واتبعوا الحق ونصروه، مع من كان، وحيث كان، ومنهم الإمام الزيلعي، والإمام علاء الدين مغلطاي؛ فأمثال هذين الإمامين لا يعابون بالانتساب إلى المذهب الحنفي؛ لأنهم سلكوا سبيل العلم الذي سلكه أبو حنيفة وأصحابه الأولون.
أما هؤلاء الضفادع المتأخرون من أهل هذا الزمان؛ فإنهم لا في العير ولا في النفير؛ فلله در شيخنا عبد الرحمن إِذْ أَلْقَمَ ذلك الغمر أحجارًا، ونقض ترهاته، وانتصر عليه انتصارًا.
ولو لم يكن لشيخنا إلا هذا الكتاب؛ لكان كافيًا في الدلالة على غزارة علمه، وسعة اطلاعه، وإنصافه الخصومه، وصدور لهجته، وحماسته وغيرته؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.
وألف شيخنا – رحمه الله – باللغة الأردية كتبا ورسائل أخرى، لا مجال لذكرها هنا.
وقد كانت حياته كلها نفع وخير وبر بالتأليف، والتعلم، والوعظ، والحديث، لا يمل جليسه حديثه؛ فرحمه الله رحمة واسعة.
ومن الكرامات التي أكرمه الله بها: أنه لما فقد بصره في السنتين الآخرتين قبل سنة وفاته، أشار عليه المحبون له – وهم كثير ـ أن يعرض نفسه على أطباء العيون؛ فلم يفعل بل فضّل أن يصبر على العمى لينال الأجر الوارد فيمن ذهبت حبيبتاه وصبر، لكن الله أراد أن لا يخرجه من الدنيا إلا بعد أن يرد عليه بصره، ويتمتع؛ فتوجه إلى دهلي لعلاج مرض القلب؛ فعاد إخوانه وأصدقاؤه إلى حثه على علاج البصر، وسهل عليه إجابتهم: أن مدينة دهلي – لا دلهي كما يخطئ فيه الإنكليز، ويتبعهم الجهال ـ كانت حافلة بأطباء العيون؛ فعرض نفسه على طبيب، فقدح عينيه؛ فرجع بصره كما كان.
إلا أن مرض القلب استمر معه حتى وافاه الأجل المحتوم في الثلث الأخير من ليلة السادس عشر من شوال 1353 من الهجرة رحمه الله رحمة واسعة، ونفعنا بعلومه آمين.
مجلة «صوت الجامعة» الهندية، السنة الخامسة، العدد الأول، شعبان 1393هـ – سبتمبر 1973م، (ص 13-34).


