ذكرني ما قرأته في في صحيفة (الميثاق) الغراء من تعصب النصارى و تعسفهم و نظرهم للإسلام بعين حولاء تعكس المرئيات، و تقلبها رأسا على عقب. ذكرني بما حصل لي من ذلك، في ذلك أني كنت في الهند أستاذا في كلية ندوة العلماء بدعوة من السيد سليمان الندوي والدكتور عبد العلي رحمة الله عليهما، و رأيت أنه لا بد لي من تعلم لغة أجنبية، إذ لا تتم الثقافة في هذا العصر بدون ذلك، و اللغة السائدة في الهند هي الانكليزية. فبدأت أتعلم اللغة الانكليزية من تلاميذي وغيرهم، فظهر لي و أنا بعد في البداية أن لغة أهل الهند الانكليزية لا تتفق مع نطق الانكليز و فصاحتهم، فذهبت إلى إرسالية نصرانية، صاحبها أمريكي، و التمست منه أن يعطي دروس في اللغة الانكليزية و أدفع له الأجرة، فقال لي: أنا لا آخذ أجرة، و لكن إذا التزمت أن تحضر مجالس الوعظ التي ألقيها في الارسالية تتقدم في اللغة الانكليزية، فقلت له: أنا لا أزال بعد مبتدئا، لا أفهم الوعظ، فقال لي: أحضر، وأنا أعطيك ثلاثة دروس في كل أسبوع، مدة الدرس الواحد نصف ساعة، فالتزمت الحضور، وكان رجلا کهلا قد تجاوز الخمسين، وليس عنده نشاط ولا نتحمس للدعوة، وإنما يسعى للمعيشة، فلم يستجب له إلا قليل، ولم يكن يحضر دروس وعظه إلا ثلاثة أشخاص، وزوجته الرابعة فصرت أنا الخامس.
فلما كان رأس السنة الميلادية، وما يسمونه عيد الميلاد نشر إعلانات في الصحف، وأنه سيعرض قصة حياة عيسى بن مريم وسيرته بالفانوس السحري، فحضر كثير من الناس حتى امتلأت الإرسالية، ودعا قسيسا آخر يساعده في الوعظ، فكانا يتعاقبان على منصة الوعظ وشرح الصور حتى انتهى الاحتفال، فهجم عَلَيَّ القسيس الآخر، وهو شاب من الولايات المتحدة اسمه سميث Smith وكان ذاك سنة 1349هـ الموافق 1930م.
فقال لي سميث: أنت مسلم؟ قلت: نعم، فقال لي: إن محمدا لم يكن يعرف التاريخ، فقلت له: وكيف عرفت ذلك؟ فقال لي: إنه قال في القرآن في سورة [مريم: 28] ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ فقلت له: أنت لا تبلغ في العلم بمكايد النصارى، ولا في عداوة الإسلام مثل ما بلغ (جورج شيل George Sail) أول من ترجم القرآن بالانكليزية وقد قال في حاشية ترجمته لهذه الآية إن ما يعترض به أصحابنا النصارى على ما جاء في هذه الآية ساقط، لأنه لم يفسر أحد من المسلمين (هارون) المذكور هنا بأنه أخو موسی، حتى يقال إن بین زمان موسى وأخيه هارون، وزمان عیسی وأمه قرونا كثيرة.
قال: إن السيد أحمد خان مؤسس جامعة عليكره الإسلامية سلم هذا الاعتراض، فقلت له: أنا لا أعترف بالسيد أحمد خان ولا أعرفه وقد سمعت الجواب على لسان أحد أسلافك في عداوة الإسلام فما بقي لك كلام.
فقال لي: وفي القرآن تناقض، فإنه يقول في سورة [المائدة: 47] ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ ويقول في سورة [آل عمران: 80] ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فكيف نستطيع أن نعمل بها جميعا، فكرت قليلا ثم قلت بإلهام من الله تعالى:
قبل أن تجيب عن هذا الاعتراض يجب علينا أن نفكر في الخصومة التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين النصارى، في أي شيء كانت؟ فقال لي قل أنت، فقلت: كانت في عیسی بن مریم. فإن نصارى نجران جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتهموه بأنه تنقص صاحبهم، فقال: ومن صاحبكم؟ قالوا: عيسى بن مريم، قال: وما تنقص له؟ قالوا: نقيت أن يكون ابن الله، وقلت: إنه بشر كسائر البشر، فناظرهم في ذلك، وأقام عليهم الحجة فعادوا، وأنزل الله تعالى في شأن عيسى في سورة [آل عمران: 59-60] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
فلما أصروا على العناد وزعموا أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، أمره الله بمباهلتهم ولما خرج لمباهلتهم خافوا أن يباهلوه، وتصالحوا معه، ففي هذه الخصومة قال الله ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾. وقصة مجيء وفد نجران إلى النبي وصلاتهم النصرانية في مسجده بإذن منه عليه الصلاة والسلام مذكورة في كتب الحديث وكتب السير.
فقال سميث: ولكن الأناجيل تدل على أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة، فقلت له: أنا ما قرأت الانجيل، ولكني أعتقد جازما أن الانجيل حق، وأنه من الله، وما كان من الله لا يختلف، فلابد أن يكون موافقا للقرآن في توحيد الله وعبودية عيسى بن مريم، فقال لي: هذا شأنكم، يمنعكم التعصب من قراءة التوراة والإنجيل، أما أنا، فإن القرآن عندى بثلاث لغات، فقلت له: أما الإنجيل بالعربية فلغته ركيكة لا تفهم، وأما بالانكليزية. فأنا أدرسها لأقرأه بها، فقال لي. عدني أن تقرأه وأنا أطلب لك نسخة من لندن، تصلك بعد شهر، فوعدته، فلما وصلته النسخة، كتب إلى معها كتابا بالإنكليزية، جاء فيه، أسأل الله أن يعطيك في هذا الكتاب بركات كثيرة، فأخذت في قراءته واستخرجت الكلمات التي لم أفهمها من المعاجم، ثم قرأته المرة الثانية، فعلمت على المواضع التي ظهر لي أنها حجة لأهل الإسلام على النصارى، ثم قرأته المرة الثالثة، وذكرت تلك المسائل في جزء سميته (حواشی شتى على إنجيل متى) ونشرت هذا الجزء في مجلة الشبان المسلمين التي كانت تصدر في البصرة، كان يصدرها صديقنا الحاج طه الفياض رحمة الله عليه.
ولما أخبرت بهذه الحواشي الأمير شكيب أرسلان رحمه الله سألني عنها، فقلت: ضاعت في المطبعة، فتأسف كثيرا على ضياعها، وأنا الآن مستعد أن أولف حواشی مثلها أو أحسن منها، ولكن إخواننا المسلمين لا يهتمون بالدفاع عن دينهم ولا يعينون من أراد أن يدافع عنه، بل يخذلونه، ففي مثلهم ينشد.
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم *** طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ماقال برهانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة *** ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا *** شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
ولما وصلى الكتاب أجبت سميث بالشكر، فلما قرأته وفهمت معناه كتبت إليه كتابا آخر وقلت له فيه: إن الله قد استجاب دعاءك وأعطاني في هذا الكتاب بركات كثيرة، ولكنها تخالف ما عندك أو تبطله، فقد قلت لي في أثناء المناظرة كذا وكذا، ووجدت في الكتاب في الفصل الفلاني برقم كذا وكذا أن ما قلت لي غير صحيح، وأن الإنجيل يدل كما يدل القرآن على توحيد الله تعالى، وبشرية عيسى وعبوديته، دلالة في غاية الوضوح في مواضع كثيرة، عددت له منها سبعة ؛ فكان ذلك آخر العهد به.
وأشهد لهذا القسيس الشاب أنه كان مخلصا لدعوته، متحمسا غاية التحمس، وكنت كلما قلت له: إن هذا يخالف العقل، يقول لي: إن العقل ناقص، وكلام الله كامل، والله يعلم ما لا نعلم، وزرته مرة في إرساليته قبل أن يصلني الكتاب ووجدته لا يأكل اللحم، لا في الخلوة ولا أمام الناس، فكان يأمر طباخه أن يصنع له طعاما نباتيا، ويصنع لزوجته وابنه أطعمة باللحوم، فقلت له في ذلك: فقال لي: إن هؤلاء الوثنيين الذين أدعوهم إلى الدخول في النصرانية يكرهون أكل اللحم كراهة شديدة، فأنا أتألفهم، وقد تركت أكل اللحم لأجل المسيح، فقلت له: ولكنهم لا يرونك في دارك، فقال: ولكن لا أستطيع أن أكذبهم، وأدعي أني لا آكل اللحم وأنا آكله.
و لذلك أثرت دعوته فيهم، فرأيت معه ثلاثين رجلا بنسائهم وأطفالهم يأتمرون بأمره، أمرهم أن يبنوا بيعة فبنوها بأيديهم، مع شدة فقرهم، بخلاف ذلك القسيس الذي كان يعلمني الانكليزية في مدينة لكناؤ، فإنه لم يؤمن له أحد. لأنه هو نفسه لم يكن مؤمنا، والإخلاص سر النجاح ولو في الباطل.
ومن جملة ما يغالط به دعاة النصرانية في هذا الزمان أنهم يقولون لشبان المسلمين الأغمار: إن القرآن ضمن لنا النصر والعزة، ففي سورة [آل عمران:55] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
فقد أخبرني شاب مغربي أن قسيسا في الرباط عنده غرف مؤثثة يسكن فيها الشبان المغاربة مجانا، ليجذبهم إليه، و يفتنهم في دينهم، وقد قال لهم: إذا رأيت النصارى أعزة أغنياء أقوياء سعداء غالبين في كل مكان، فلا تستغربوا ذلك، فإن القرآن وعدهم بذلك، وذكر لهم الآية السابقة الذكر فصدقوه، ولم يوجد فيهم أحد يعرف معنى الآية، فقلت له: لقد كذبكم وخدعكم، فلو كان الأمر كما يقول لانتصر النصارى من أهل نجران، وكان عددهم مائة وعشرون ألف مقاتل، ففضلوا مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم ودفع الجزية؛ ولو كان ما يقول حقا ما انتصر النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وخافه الروم وجبنوا مع قتاله، ولو كان ما يقول حقا ما انهزم الروم البيزنطيون من بلاد الشام التي يسمونها سورية، وترکوها بعد ما حكموها دهرا طويلا.
ولو كان ما يقول حقا ما انتصر أصحاب رسول الله على أهل مصر، وكانوا نصارى، ولو كان ما يقول حقا ما انتصر المغاربة على أهل أسبانيا وجنوب فرنسا، وحكموا إسبانيا بمشاركة العرب ثمان مائة سنة. ولو كان ما يقول حقا ما انهزم النصارى في معارك القسطنطينية وفتحها المسلمون، ولاتزال بأيدي أبنائهم إلى يومنا هذا.
و معنى الآية ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ وهم المسلمون الموحدون لله الذين يؤمنون بجميع رسل الله، وبجميع كتب الله ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم الذين لا يؤمنون بالله، أولا يوحدونه، أو يكفرون ببعض الكتب أو بعض الرسل، فالآية حجة للمسلمين لا لأعدائهم، فتعجب ذلك الشاب، وكان في غمرة فانجلت عنه، وأكثر المسلمين في هذا الزمان ينشدون بلسان حالهم:
زعم العواذل أني في غمرة *** صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي
والعجب من النصارى إذا نظروا في القرآن لا ينظرون بقصد معرفة الحق البتة، بل ينظرون فيه بقصد البحث عن العيوب – بزعمهم – فيقولون مثلا: من أين جاء محمد بهذه القصة؟ فلا يزالون ينقبون، فإن وجدوا قصة مشابهة لها في التوراة، أو في الإنجيل، أو في التلمود فرحوا فرحا عظيما، وظنوا أنهم ظفروا بضالتهم المنشودة؛ وجزموا أنها مأخوذة من ذلك المصدر، ولا يبالون بالمخالفات الكثيرة التي تكون بين القصتين، أو بين الشريعتين.
فمن ذلك مثلا قصة نوح، فإنهم يجزمون أن القرآن أخذها من التوراة، مع أنه في زمان نزولها لم يكن في مكة يهودي واحد، والأشخاص الذين كانوا يعرفون الكتابة والقراءة، كان عددهم قليلا جدا، ولم يكن بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وإلا العداوة والبغضاء، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف قراءة وكتابة، وكان أعداؤه له بالمرصاد، فلو رأوا قارئا يتردد عليه أو رأوه يتردد على قارئ لأشنعوا عليه، وقصة نوح في التوراة محكية بأسلوب تفصيلي، وصفت فيه السفينة طولها وعرضها وارتفاعها وقد اتخذ الملاحدة ذلك ذريعة إلى الطعن في التوراة، وقالوا: إن سفينة بتلك الصورة لا يمكن أن تستقر في البحر دقيقة واحدة، وحكاية القرآن للقصة لم يستطيعوا أن يردوا عليها شيئا من ذلك.
وهكذا اتخذوا ما في التوراة من وصف أجزاء الأرض وجغرافيتها ذريعة إلى الطعن في صحتها، ولم يجدوا في القرآن شيئا يجعلونه هدفا لطعنهم، ثم إنك تقرأ القصة في القرآن وتقرأ مثيلتها في التوراة فتجد البون بينهما شاسعا، تجد أسلوب القصة في القرآن أسلوبا ربانيا جذابا، تتخلله المواعظ، والانذار والبشارة، بعيدا عن أساليب كلام البشر، وتجدها في التوراة بخلاف ذلك.
وإذا لم يجدوا للقصة القرآنية أثرا في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في التلمود كقصة لقمان قالوا: هذا من أساطير العرب وخرافاتهم، أما إذا جاءوا إلى التوراة والإنجيل، فإنهم يكتبون عليها بماء الذهب (الكتاب المقدس) حتى يجعلوا قارئها أمام الأمر الواقع، ولكن ذلك كله لا يروج على أعداء الكنيسة، فإنهم ينتقدون كتب اليهود والنصارى انتقادا مرا.
(يتبع)
مجلة البعث الإسلامي: العدد 3 – المجلد 13 – شعبان 1388هـ – نوفمبر 1968م – ص: 25


