للأستاذ العلامة الدکتور تقي الدين الهلالي
دكتور في الفلسفة من جامعة برلين
سمعت محاورة في إذاعة لندن بالعربية في هذا المعنى، جرت بين جماعة، مهم: الدكتور على عبد القادر، والأستاذ إدورد عطیه وآخرين… نسيت أسماءهم، وكانت هذه المحاورة جوابا عن سؤال وهو: بأي شيء نعالج داء الشيوعية؟ وهل يكون نظام الزكاة التي جاء بها الإسلام دواء ناجعا لهذا الداء؟… قال الدكتور علي عبد القادر: إن نظام الزكاة هو جزء من علاج هذا الداء، وليس هو كل العلاج… ثم استطرد فقال: إن الزكاة فرضت في الإسلام وعينت مقاديرها على سبيل الأنموذج، ولم يقصد بها التحديد الدائم في كل زمان ومكان، وقد أخطأ الفقهاء في جمهورهم على ذلك التحديد، ولم يفهموا مقصود الشارع فلو أخذنا بهذا النظام على المعنى الأوسع، بدون تقييد للمقادير المأخوذة، لكان نافعا… ومما قاله الأستاذ إدورد عطية: إن الشيوعية قد أصبحت دينا وعقيدة، وملأت نفوس أهلها فتفانوا فيها، وتحمسوا لها، فلا بد أن تكون للأمم التي تناضلها عقيدة ودين يملأ نفوسهم ويتحمسون له، ولا يكفي العلاج الاقتصادي فقط… هذا معنى ما قال هذان المتحاوران، وكلامهما متفق يكمل بعضه بعضا، ولكني أريد أن أعلق على كلام الدكتور علي عبد القادر تعليقا فيه تتمة وإصلاح حسب ما أعتقد فأقول: لقد صدق في قوله: إن إعطاء الزكاة وحده لا يكفي لمناهضة الشيوعية، ولكنه لم يبين بقية أجزاء العلاج وسأجتهد أن أبینها هنا ثم أرد قوله: إن الشارع لم يقصد التحديد في الزكاة بنص الشارع نفسه. فأقول: إن الإسلام جاء بفرض الزكاة في الذهب والفضة، أي وما في معناها کالأوراق التي تنوب عنهما، وفي ما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار كما في قوله تعالى (وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ یَوۡمَ حَصَادِهِ) وفي قوله تعالى (أَنفِقُوا۟ مِن طَیِّبَـٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّاۤ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ).
وقد استنبط الفقهاء الزكاة في قيم أموال التجارة، وجاء بفرض زكاة الفطر وكفارة اليمين وكفارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة الظهار، وكفارة القتل خطأ، وأوجب على صاحب المواشي والدواب، وفي معناها السيارات والطائرات والمراكب في هذا الزمان، ألا ينسی حق الله في ظهورها، وهذا وإن لم يفهم الفقهاء منه الوجوب، فعبارة الحديث تدل على وجوبه، وأوجب الضيافة لكل مسلم يمر بمسلم، وأباح للمار أن يأكل بلا إذن من الثمرات في الحدائق والجنات حتى يشبع غير متخذ خبنة، وينهى عن قطع يد السارق في المجاعة وفي غير الحرز كالثمر المعلق في أشجاره، وجعل للمستحقين نصيبا من بيت المال يعطيهم الإمام إياه على حسب اجتهاده، وعلى حسب حاجتهم، وحثَّ أهله على التبرع بالمال لمن أصابته مصيبة أهلكت ماله، وحرم الربا وأوجب أن يكون القرض له خالصا، وأوجب في الركاز وهو ما وجد من مدفونات أهل الجاهلية من الكنوز التي لا مالك لها، وفي المعادن الخمس، وأوجب الجزية على أهل الذمة، وأوجب الخمس في الغنائم في الجهاد، فإذا نفذت هذه الشرائع كلها، كان ذلك سداداً لجانب كبير من عوز المعوزين. وأمر قبل إعطاء هذه الحقوق بإقامة العدل بين الناس في جميع الحقوق والواجبات، وهو الأساس في جميع أنواع الإصلاح، ولا تصلح حال أمة بدونه سواء أكانت مسلمة أم كافرة، فمتی أقيم العدل وأعطيت هذه الحقوق، فقد عولجت المسألة من الجهة الاقتصادية والاجتماعية، وتبقى معالجتها من الوجهة الاعتقادية النفسية.
وقبل أن أتكلم فيها أريد أن أخبر الدكتور علي عبد القادر أن ادعاءه هو وجماعة من الذين يتكلمون في شريعة الإسلام قبل أن يدرسوها ويقولون على الله مالا يعلمون، إن نظام الزكاة حدده الرسول صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه الصحابة اعتقادا وتنفيذا، وتبعتهم خلفاء الإسلام ودوله، فنالوا بذلك السعادة الكبرى ولا يجوز لأحد أن يغير هذا النظام فيكون لعبة في أيدي البشر، يزيدون فيه وينقصون، قال الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم (خُذۡ مِنۡ أَمۡوَالِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَیۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنࣱ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ).
فقوله: (تُطَهِّرُهُمۡ) أي من دنس البخل وداءه، وأي داء أدوأ من البخل؟ وقوله: (وَتُزَكِّیهِم) أي تنمي أخلاقهم وحسناتهم وأموالهم، وقوله: (سَكَن لَّهُمۡ) أي رحمة وطمأنينة لنفوسهم، فإعطاء الزكاة مع ترك تعاطي الربا وأداء الواجبات المالية الأخرى، والميل إلى كثرة صدقة التطوع يفيض الطمأنينة على نفوس الناس، فلا يخشون الشيوعية ولا غيرها.
وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: “إنك تأتي قوما أهل کتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، وإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.
وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس، وكان بعْثُ معاذ إلى اليمن في السنة العاشرة من الهجرة قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: “فإياك وكرائم أموالهم” يعني لا تأخذ منهم خير أموالهم ولا شرار أموالهم، بل خذ من الوسط، فإن أخذ خيار أموالهم كفحل الغنم وفحل الإبل والحبوب التي يحفظونها للبذر وأجود التمر يبغض إليهم الزكاة، ويوغر صدورهم، والأخذ من شرار الأموال تضييع لحق الفقراء الذي هو حق الله واستهانة بهذا الفرض العظيم، وخير الأمور الوسط، وقوله: “واتق دعوة المظلوم” يعني لا تأخذ أكثر من الواجب، فإن أخذت أكثر مما هو مفروض كان ذلك ظلما، فإذا دعا عليك المظلوم يوشك أن يستجيب الله دعاءه فيك فيصيبك بعذاب، فقوله تعالى: (خُذۡ مِنۡ أَمۡوَالِهِمۡ) مع قوله: (وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ) أي بأقوالك وأفعالك وتقريرك وتروكك. وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: “واتق دعوة المظلوم”، وحديث أبي بكر المبين لمقدار ما فرض الله من الزكاة.
كل ذلك يبطل ما ادعاه الدكتور علي عبد القادر، وقد أفاض فيه كثير من كتاب العصر بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير.
وأما تقوية الإيمان في نفوس الناس، الذي يبعثهم على بذل الأموال والأنفس في سبيل الله ويهون عليهم شدائد هذه الحياة الدنيا، ويجعلهم يتنافسون ويسارعون في الخيرات أكثر من الشيوعيين، ومن أصحاب رءوس الأموال المرابين، ومن الفاشستيين والناتسيين وغيرهم، فهذا له سبيل واحدة، وهي تعليم الصغار والكبار القرآن والحديث، وغرس معانيهما في نفوسهم، وإبعادهم عن دروس أهل الإلحاد والتعطيل، فإن لم يمكن فتنظيف نفوسهم بمعين القرآن والحديث الصافي كلما علق بها دنس من دروس المتهوكين وشيوخهم الضالين، وليس إلى ذلك سبيل أخرى أبدا.
هذا ما ظهر لي إملاؤه في هذه العجالة، ولكتاب هذه المجلة الباع الطويل، والمرجو منهم أن يزيدوا هذه المسألة وضوحا وجلاء، ولا يخفى أنها من أهم المسائل.
الدكتور تقي الدين الهلالي
مجلة الهدي النبوي – العدد الثالث – المجلد 15 – ربيع أول 1370هـ – ص:50


