ومن ذلك تعلم علم اليقين أن السفهاء الذين يسمون الرجوع إلى القرآن، والتمسك بالإسلام رجعية، هم شر رجعيين في العالم. ولا تجد لرجعيتهم نظيراً بين الرجعيات في هذه الدنيا، وإذا تجرؤوا وزعموا أنهم تقدميون، فإن جميع أهل الأرض يلعنونهم ويسخرون منهم، وذلتهم وفقرهم وجهلهم، وحقارتهم شهود عدول على كذبهم، أضف إلى ذلك طيشهم واستبدادهم، وفقدان العدل والمساواة بينهم، وأنهم فوضى، يخبطون خبط عشواء، في ليلة ظلماء، لا استقرار عندهم، ولا أمن، يثور بعضهم على بعض، ويغني بعضهم بعضاً، كل ثائر يريد أن ينعم بالاستبداد والطغيان، ولو لمدة قصيرة، ومع ذلك يمدحون الثورة، ويجعلونها من القواعد المرغوب فيها لذاتها، وإن لم يترتب عليها إلا زيادة الشقاء والشتات، والدموع والدماء ولبئسما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم، وفي العذاب هم خالدون.
مقصود الأوربيين النصارى بالرجعية
يرى الأوربيون النصارى أن التمسك بالأساليب التي أكل عليها الدهر وشرب، وقام الدليل على أنها خطأ رجعية مذمومة، محالفة للشقاء الذي لا يزول حتى تزول تلك الأساليب، فمن ذلك الاستمرار على الجهل بما ينفع الناس في دينهم وأخلاقهم ومعايشهم وأرزاقهم، ومن ذلك التعصب للعقائد والأنظمة، فكل أمة تكون متفرقة فرقاً عديدة، لكل فرقة عقيدتها، وكل فرقة تبغض من يخالفها في العقيدة من مواطنيها بغضاً يحملها على عداوتهم، والكيد لهم، وأذاهم، فهي فرقة رجعية، وإن كانت فرق الأمة كلها كذلك، فالأمة كلها رجعية، بعيدة عن التقدم، والسير في طريق الفلاح، لأنه ثبت بالبرهان القاطع عندهم أن الأمة لا تستطيع التعاون على ما فيه خيرها وسعادتها إلا إذا نبذت التعصب، وساد فيها التسامح بين الفرق.
ومن ذلك التعصب للنظام كالجمهورية والملكية مثلاً، فكل شعب يتعصب لنظامه، ويبغض كل من خالفه، ولا يكفيه ذلك حتى يعاديه ويكيد له، ولا يتعاون معه أبداً، ولا يتبادل معه المصالح، فهو شعب رجعي مذموم عندهم، ولذلك تجد الشعوب المتقدمة الملكية كبريطانيا والدانمارك والسويد والترويج وبلجيك ولوكسمبورك، وهولاندة لا تبغض الدول الجمهورية، لكونها جمهورية، كالولايات المتحدة الأمريكية، أو فرنسة، وسويسرة وجرمانية، وإيطالية، بل تتواد معها وتتعاون معها، وتتبادل معها المصالح، وكل فريق يترك للفريق الآخر الحرية فيما اختار لنفسه.
ومن الأمثلة العجيبة في ذلك أن ايرلاندة الحرة اختارت النظام الجمهوري، وخرجت على أمتها البريطانية، وكلهم يسكنون بلاداً متصلة، وينتسبون نسباً واحداً، ولو شاءت بريطانيا أن تتعصب وتكيد لإيرلاندة الحرة، كما يفعل الرجعيون لسحقتها في يوم واحد، وأجبرتها على الانضمام لها، ولكنهما تعيشان بسلام.
ومن ذلك التعصب للأساليب القديمة لو وجد في الفلاحة والملاحة، والصناعات، فلو وجد شعب يحرث على الدواب، وعرضت عليه الجرارات العصرية، فمنعه التعصب من قبولها لكان رجعياً مذموماً محروماً. ولو وجدت قرية تستضيء بالقناديل والزيت والفتل، وعرضت عليها الكهرباء، فرفضتها لكان أهلها رجعيين مذمومين.
وهكذا يقال في قرية يطحن أهلها بالأيدي، فعرضت عليهم طاحونة بالكهرباء فرفضوها، وفي قوم يسافرون في البحر بسفن شراعية، فعرضت عليهم البواخر التي تمخر البحار، كأنها الأعلام، وقس على ذلك، فهذا هو الفرق بين الرجعية والتقدم عند نصارى أوربا.
أما دراسة الدين في الجامعات وتخصيص كل جامعة كلية عظيمة محترمة مكرمة لتعلم اللاهوت (ثيولوجي) وإقامة الصلوات في كنيسة الكلية، وحضور أساتذة الجامعة، ومشاركتهم في الصلوات، والاحتفال بتخرج عدد كبير من الدكاترة كل سنة في تلك الكليات، وإيجاد أعمال دينية محترمة لهم في شعبهم، وامتلاء الكنائس يوم الأحد بالمصلين والمصليات من التلاميذ والطلبة والأساتذة وعامة الشعب. والتبرع بملايين من الدولار والجنيه لنشر النصرانية خارج أوربا وأمريكا، وبناء المستشفيات والمدارس والكنائس والإرساليات، في آسية وأفريقية فلا يعدون شيئاً من ذلك رجعية.
ومن ذلك الحكم الاستبدادي الذي لا يستند إلى انتخاب ولا برلمان ولا مجلس شيوخ، فإنهم يعدونه رجعية، ولذلك ترى أكثر دول أوربا وأمريكا تبغض نظام الحكم في أسبانيا وتشمئز منه على أنهم ليسوا سالمين من التعصب الديني، وإن كانوا يذمونه، وقد عاشرتهم وخبرتهم فرأيت فيهم من يتعصب للدين أشد التعصب، حتى فيما بينهم كالبروتستانتيين والكاثوليكيين، وفيهم من يبغض الإسلام بلا سبب تعصباً للنصرانية، ولي على ذلك أدلة لو ذكرتها لطال الكلام.
الرجعية في نظر الدول التي لا تدين بدين
عبرت بالدول، ولم أعبر بالشعوب، لأن حرية الفرد في شعوبها أمر مستهجن لا قيمة له، فلا سبيل إلى معرفة مقدار تمسك شعوبها بالدين أو عدمه، فلا نستطيع أن نحكم عليهم، وإنما نحكم على حكامهم، فهم يزعمون أن الدين أفيون الشعوب، قالوا: لأن الدين شيء لا تفهمه العامة، فهو منحصر في رؤساء الكنائس، وهؤلاء الرؤساء يستحوذون على الشعب بالترغيب والترهيب، ويتصرفون فيه، في رؤسائه وأمرائه وسوقته حسب أهوائهم، ويوجهونه إلى أي وجهة شاؤوا كما تسوق الرعاة الأغنام.
ولو أن هؤلاء الحكام طالبوا بالتحرر من سلطان رجال الكنيسة ليختار الشعب الوجهة التي يريدها في عقيدته ونظام حكمه، وعليه ومعيشته، وتعليمه، وشؤونه الاجتماعية كما فعل الخارجون على الكنيسة البابوية لربما كان قولهم مفهوماً، ولكنهم يدعون إلى محو سلطان الكنيسة الذي يخوف الناس بعذاب الله، ويبشرهم بالسعادة الروحية بعد الموت، ليقيموا بدله سلطاناً مادياً تحت لمعان السيوف، والنفي والقتل والتعذيب، وكتم الأنفاس، وكبت الحريات، ومضايقة الناس في أرزاقهم وأعمالهم وتعليمهم، ومساكنهم، وظعنهم وإقامتهم.
والطامة الكبرى أنهم يفرضون عليهم ديناً آخر وعقيدة أخرى لا يقولون لهم: إنها جاءت من الله، ولا من الرسل ولا من الأنبياء ولكن من أشخاص مثلهم، من أبناء جلدتهم، ومن يتجرأ على رفض شيء من تلك العقائد، فويل له، ماذا ينتظره من العذاب المهين، أو الموت الزؤام، فهم ينقلونهم من ضيق إلى أضيق، ومن دين غير مفهوم بادعائهم، إلى عقائد غير معقولة يجزمون ببطلانها، ويكرهونها، ولا يجدون عنها محيصاً، فهم كما قال الشاعر العربي:
المستجير بعمرو عند كربته *** كالمستجير من الرمضاء بالنار
وإن كان القسيسون يبشرون أتباعهم بنعيم الفردوس فتمتلئ أرواحهم سعادة وغبطة، ولا يأخذون من أموالهم إلا ما تبرعوا به عن طيب نفس، فإن الحكام التقدميين يسلبونهم كل شئ، ولا يبيحون لهم أن يملكوا شيئاً، لا مسكناً، ولا حيواناً، ولا شبر أرض يزرعونه، ولا تجارة، ولا صناعة يستغلونها. ولا يتعلم الطلبة من العلوم إلا ما يشتهون، أعني الحكام، ولا يلقي مدرس درساً في علم من العلوم الاجتماعية، أو يكتب كلمة في كتاب أو صحيفة، أو رسالة في البريد، بل لا يتكلم بكلمة أمام رفقائه؛ بل أمام أهل بيته إلا إذا وزنها بميزان الذهب، خوفاً أن تكون مخالفة للتعاليم والقوانين، والعقائد الاشتراكية، فتخطفه الزبانية.
وإذا أراد الحكام تسلية عامتهم وتبشيرهم حدثوهم بمتخيلات لا يمكنهم تصديقها أبداً، يقولون لهم: نحن الآن في البداية، وكل بداية صعبة كما يقول المثل الألماني: فاصبروا على قلة الغذاء، وضيق المسكن؛ وخشونة الملبس، وكثرة ساعات العمل، وقسوته وصعوبته فسيأتي زمان هو المقصود بالذات، إن لم ندركه نحن، فستدركه الأجيال المقبلة، وحينئذ لا يشتغل العامل إلا خمس ساعات في اليوم والليلة، ولا توضع أقفال لمخازن الطعام والثياب، وتكون الأموال مشاعة بين أبناء الشعب، كل واحد يأخذ لنفسه منها ما شاء، ويشتغل إذا شاء ويسافر أين يشاء، ويلبس ما شاء، ويركب وينام إذا شاء، ما شاء.
وهذا التبشير من السادة الحاكمين وأذنابهم وأبواقهم يجب على المحكومين، وهم عامة الشعب أن يتلقوه بالتصفيق والهتاف والتحميد والتمجيد، وإلا توجه إليهم تهمة خطيرة، وهي (الرجعية والبرجوازية) والميل إلى الرأسمالية، وما أشبه ذلك، ولو كان أولئك العامة يستطيعون التعبير عما في ضمائرهم لأنشدوا قول أبي فراس:
معللتي بالوصل والموت دونه *** إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
فالتقدم عند هؤلاء الحكام ينحصر في إمامين مقدسين معصومين من الخطأ جميع آرائها حق، وليس لأحد أن يفسر هذه الآراء إلا الحكام الحاضرين، ولو فرضنا أن هؤلاء الحكام استبدلوا بحكام آخرين لم تبق لهم صلاحية للتفسير؛ وما فسروه من قبل لا تلزمه العصمة من الخطأ، وقد ينسخ كله دفعة واحدة، والقول ما يقوله الحكام الحاضرون، وكل شئ يخالف آراء الإمامين حسب تفسير الحكام الحاضرين. فهو رجعية تتنافى مع التقدم.
ولو فرضنا أن حاكماً فسر شيئاً من آراء الإمامين اليوم لوجب على الشعب كله بعلمائه وحكمائه وكتابه أن يتلقى تفسيره بالقبول والتقديس. وإلا كان رجعياً، وإن لم ينته يكون خائناً، فلو عزل ذلك الحاكم غداً لأصبح تفسيره عديم القيمة، مرغوباً عنه؛ بل قد يكون منكراً وضلالاً، هذا كله شاهدناه بأعيننا، وسمعناه بآذاننا، ولكننا لم نفهمه، والله المستعان.
كنت في برلين الغربية أتيمم للصلاة؛ لأني كنت مريضاً. لا أقدر على استعمال الماء فرآني شاب من برلين الشرقية فقال لي: ماذا تصنع؟ فقلت هو ما ترى. فقال: وهل هذا من الدين؟ قلت: نعم، قال: هذا شيء شكلي لا معنى له ولا فائدة، أما الوضوء ففيه تنظيف للأعضاء المغسولة، وأما التمسح بالتراب، فليس فيه إلا التلويث، فقلت له: سمعتك تذكر أن ستالين ألف كتاباً في التربية؛ وتثني على ذلك الكتاب مع أن ستالين رجل عسكري، قضى عمره كله في المراتب العسكرية، ولم نسمع أنه كان يوماً ما معلماً، ولا مدير مدرسة، ولا مشتغلاً بالتربية، فمن أين جاء علم التربية، حتى ألف فيه كتاباً نفيساً، فثناؤك عليه ثناء شكلي وتقليد، وإنما أثنيت على كتابه الذي ألفه في علم التربية، لأنه رئيس دولة، وزعيم حزب، فشهادتك له تملق محض.
أما معنى التيمم فهو معنى الصلاة، فإن الله غني عن العالمين، فإذا عظموه بالصلاة والدعاء، والتمسح بالتراب، فإنما ذلك لتزكية نفوسهم وتكملتها، وبعد موت ستالين أسقطه خلفه من درجة التقديس وظهرت له ذنوب وأخطاء كثيرة، وهذا الخلف نفسه شرب بالكأس ونفسها، وحاصل ما تقدم أن الدول التي لا تدين بالنصرانية تقدس نحلتها وتعدها تقدماً، وتعد كل ما خالفها رجعية أو برجوازية، وتذم كل مخالف، ونحن لا نستطيع أن نفهم أن سويسرا مثلاً رجعية أو ناقصة التقدم.
الرجعية عند الشعوب العربية في العصور الأخيرة
إعلم أن العرب في هذا الزمان، أغنى دولهم منقسمون قسمين: قسم يسمون أنفسهم تقدميين واشتراكيين، فإذا قيل لهم: هذا لفظ مبهم، فأي اشتراكية تعنون؟ يقولون: نعني الاشتراكية العربية، فيقال لهم: إن العرب كانوا في جاهليتهم لا يعرفون ديناً إلا الوثنية، ولا يعرفون شيئاً اسمه الاشتراكية، وبعد إسلامهم لا يعرفون إلا الإسلام ولا يدعون إلا إليه، ولا يتبعون إلا القرآن وسنة النبي ﷺ.
ولفظ الاشتراكية غير موجود في الكتاب والسنة، ولم نر لهم تعريفاً جامعاً لهذه النحلة، ولا حداً يحدها، أما الأعمال التي يقومون بها ويعلنون أنها من مفاهيم الاشتراكية، فإنهم يختلفون فيها، أما إن كانوا يعنون الاشتراكية المستوردة، ففي أوربا نوعان من الاشتراكية، الاشتراكية التي هي مقدمة الشيوعية كما في شرقي أوربا، ويوغوسلافيا، والصين ما عدا فرموزة، وألبانيا، والأحزاب الشيوعية في الشعوب.
الأوربية والاشتراكية الديمقراطية، كاشتراكية حزب العمال في بريطانيا، وألمانيا وبلجيك وفرنسا وغيرها، وهناك اشتراكية انقرضت، وهي الاشتراكية الوطنية، التي كان عليها هتلر وموسوليني، وأظن أن هذه الاشتراكية التي تلهج بها بعض الدول العربية، هي إلى اشتراكية هتلر أقرب وبها أشبه مع فارق عظيم، وهو أن الشعب الألماني الذي كان من وراء هتلر شعب عظيم في مقدمة شعوب الحضارة والعلم، والمدنية العصرية، بخلاف شعوب تلك الدول فإنها لم تبلغ في ذلك نصيباً يذكر، فهي مما يسمى على سبيل التفاؤل بالشعوب النامية، كما يسمى اللديغ سليماً.
ولذلك كان لاشتراكية هتلر نجاح مؤقت في جميع الميادين بخلاف هذه الدول، فإننا إلى الآن لم نشاهد لها شيئاً من النجاح الذي كان للحزب الناتسي، أما الحرية والديمقراطية بمعناهما الصحيح، فإن نصيب هذه الدول منهما أقل من نصيب الحزب الناتسي.
والقسم الثاني: ممالك وإمارات، وهذه الممالك والإمارات سائرة على ما كانت عليه من قبل، لم تتخذ لنفسها اسماً جديداً، وكلها تأخذ بأسباب الحضارة على حسب ما تسمح لها أحوالها ومقدراتها، وكلها تدعو إلى التعاون والتآخي بين العرب، ولا تنكر الوحدة إذا صارت في طريقها الطبيعي، مرحلة بعد مرحلة، وإنما تنكر العدوان والتدخل في الشئون الداخلية أن يقع من دولة في شئون دولة أخرى، وهذا هو المعقول الممكن، على أني لا أهتم كثيراً بهذه الوحدة إلا إذا كانت مبنية على قواعد الإسلام، وكذلك لا أهتم بالعرب، إلا إذا كانوا مسلمين، قولاً وفعلاً.
وآية ذلك أن يتبعوا القرآن، وما صح من سنة النبي ﷺ، ويكونوا أمة واحدة كما كانوا في دولة النبي، ودولة الخلفاء، ولا فرق عندي بين مسلم عربي ومسلم غير عربي، قال تعالى في سورة (الحجرات: 9-10) ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
ولم يقل: وإن طائفتان من العرب اقتتلوا، ولا قال: إنما العرب إخوة، وليس مقصودي غمط حقوق الجماعات العربية التي لا تدين بالاسلام، فإن ذلك ظلم، والله لا يحب الظالمين، بل تعامل المواطنين من العرب غير المسلمين بالعدل والإحسان، إلى أن يطمئنوا على حقوقهم ويثقوا بمواطنيهم المسلمين كل الثقة، ويأمنوا بوائقهم، لأن الإسلام دين الرحمة، والمحبة والعدل. قال تعالى في (سورة الأنبياء:17) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وبحكم الاقتداء بالنبي ﷺ، يجب على أمته أن يكونوا رحمة للعالمين.
ثم إن للعرب غير المسلمين على العرب المسلمين حق القرابة وصلة الرحم، والمخالفة في الدين لا تسقط هذا الحق، ولو طبق العرب المسلمون مع العرب غير المسلمين ما جاء به الإسلام لما احتاجوا إلى أن يوجسوا في أنفسهم خيفة، أو يطلبوا حماية من الدول النصرانية الأجنبية، أو أن يؤلفوا أحزاباً على أسس تنقض عرى الإسلام، وتقضي على الأخوة الإسلامية، ليشغلوا المسلمين بها، ويشتتوا شملهم، ويفرقوا جمعهم، كما هو الواقع في بعض الأقطار العربية.
(يتبع)
بقلم: الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
مجلة البعث الإسلامي: العدد 1 – المجلد 13 – جمادى الثانية 1388 هـ – سبتمبر 1968م – ص: 39


